العدد : ١٥٢٧٦ - الأحد ١٩ يناير ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٤ جمادى الاول ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢٧٦ - الأحد ١٩ يناير ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٤ جمادى الاول ١٤٤١هـ

شرق و غرب

إيران والليبيراليون الأمريكان

بقلم: برت ستيفنس

الأحد ٢٤ يناير ٢٠١٦ - 03:00



لماذا يسوق الليبراليون في الولايات المتحدة الأمريكية للجمهورية الاسلامية الايرانية حتى تصبح دولة مقبولة على الساحة الدولية؟
في سوريا، يحاول بشار الأسد حاليا أن يركع أعداءه عبر منع قوافل الاغاثة الانسانية من الوصول إلى المدنيين الذين يتضورون جوعا وتفتك بهم الأمراض في المدن المحاصرة. إنها سياسة «التجويع حتى التركيع» حتى تدعمها مليشيات حزب الله اللبناني وتؤيدها إيران التي سارعت إلى نشر وحدات فيلق القدس من أجل الابقاء على بشار الأسد في الحكم. يا له من توقيت اختاره الليبراليون في الولايات المتحدة الأمريكية حتى يبدأوا في التساؤل: «هل إيران حقا دولة شريرة؟».
«هل إيران حقا دولة شريرة؟» هو أيضا عنوان المقال الذي كتبه المحلل السياسي ستيفن كنزر، الذي كان يعمل سابقا مراسلا لدى صحيفة نيويورك تايمز وقد انضم حاليا إلى الهيئة الأكاديمية في جامعة براون. فقد كتب يقول: «إن شيطنة إيران تمثل واحدة من أفشل الجوانب وأغربها في السياسة الخارجية الأمريكية.. إن الأمريكيين يعتبرون إيران ليست مجرد دولة تدافع عن مصالحها التي تصطدم أحيانا مع مصالحنا بقدر ما هي الشر نفسه؟».
لقد نشر هذا المقال يوم الأحد الموافق 17 يناير 2016 وهو اليوم الذي رفعت فيه العقوبات المفروضة على إيران، كما أنه اليوم الذي أفرج فيه نظام طهران عن أربعة رهائن أمريكيين بعد أن أمضوا فترة طويلة في السجن.
لقد ظلت إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما تسوق على مدى الأشهر الماضية للاتفاق النووي الذي أبرمته مع نظام طهران ضمن مجموعة 5+1 مع كل من روسيا والصين وفرنسا وبريطانيا. ظلت إدارة الرئيس أوباما تقول ايضا ان الاتفاق النووي لا يعني أن الولايات المتحدة الأمريكية ستستهين بإيران وتغير نظرتها لنظام طهران بين عشية وضحاها.
كتب السيد كينزر يقول في مقاله المذكور أعلاه: «إن الانطباع الذي نحمله عن إيران كخطر يتهدد المصالح الحيوية الأمريكية إنما هو أمر بعيد عن الواقع. فالأحداث والتطورات التي شهدتها الأسابيع القليلة الماضية قد تجعل الأمريكيين يغيرون موقفهم تدريجيا - ذلك الموقف والانطباع الذي يجعلهم يعتقدون أنه من الوطنية أن نكره إيران».
يا له من تفكير غريب. إن شعوري بالوطنية لم يكن في يوم من الأيام مرتبطا بأي شكل من الأشكال بموقفي من إيران. يجب أن أؤكد أيضا أنني لا أكره إيران - إذا كانت إيران تعني ملايين الناس الذي تضامنوا مع نداء آغة سلطان - تلك الناشطة من أجل الحرية والتي قتلها البلطجية الموالون لنظام طهران خلال الثورة الخضراء التي هزت الجمهورية الاسلامية الإيرانية خلال سنة 2009 عقب اعلان نتائج الانتخابات الرئاسية المزورة التي أبقت على محمود أحمدي نجاد في السلطة.
إن إيران هي أيضا الملايين الذين شعروا بالسخط وتعاطفوا مع هاشم شعباني، الشاعر الايراني العربي الذي أعدم قبل عامين، كما أن إيران هم آلاف المرشحين الذين يتم منعهم في كل مرة من خوض غمار الانتخابات ودخول البرلمان الايراني لأنهم لا يبدون ما يكفي من الولاء للمرشد الأعلى للثورة الاسلامية علي خامينئي.
هذه إذًا إيران التي يجب على الليبراليين الأمريكيين من أمثال السيد كنزر تأييدها ودعمها والتسويق لها - بدل تأييد النظام الثيوقراطي في طهران، الذي يزعم التحدث باسم إيران في الوقت الذي يدوس فيها على رقاب الايرانيين.
في الحقيقة، لقد ولى ذلك اليوم الذي كانت فيه السياسة الخارجية الأمريكية تعني ربط مصالحنا الحيوية بمنظومة القيم التي نؤمن بها - وليس العكس مثلما يحدث اليوم. حيث ان الولايات المتحدة الأمريكية لم تعد تنتصر بقوة للتطلعات الليبيرالية للشعوب في مختلف مناطق العالم، وخاصة تلك الشعوب التي تعيش تحت رحمة المنظمة الدكتاتورية.
لقد أصبحت السياسة الليبرالية الخارجية اليوم عبارة عن تهدئة مغلفة بالواقعية، وهي العبارة التي كان يرددها الزعيم البريطاني ونستون تشرشل. أما بالنسبة الى نظام طهران، فإن هذه السياسة الليبيرالية الحالية في الولايات المتحدة الأمريكية تعني أننا أذنبنا في حق إيران بنفس القدر الذي أذنب فيه الايرانيون في حق الولايات المتحدة الأمريكية، وان مصالح الأمن القومي الأمريكي تحتم علينا أن نتعامل بالضرورة مع الايرانيين، وأن هذه الطريقة هي المثلى لتبديد الشكوك والريبة على أمل أن يتم على المدى المتوسط أو البعيد إضعاف المتشددين الايرانيين.
إن هذه الواقعية تحتم علينا إشراك المعتدلين والتحلي بقدر أكبر من الدبلوماسية المرنة. لقد ثبت أن هذه النظرية الدبلوماسية خاطئة بالتجربة في كل مناسبة. فإدارة الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر اعتبرت ذات يوم أن آية الله خميني «قديسا». ذلك لم يمنع الايرانيين من اقتحام مقر السفارة الأمريكية في طهران واحتجاز مجموعة من الرهائن طيلة 444 يوما.
أرسل الرئيس الأمريكي السابق رونالد ريجن كيكة عيد ميلاد إلى الخميني كما أبرم مع نظام طهران صفقات اسلحة سرية من أجل تسهيل إطلاق سراح الرهائن المختطفين في بيروت بلبنان. لقد أفرج عن عدد قليل من الرهائن لكن اختطف آخرون مكانهم. رحب العالم ايضا بانتخاب الرئيس «المعتدل» محمد خاتمي سنة 1997، غير أنه تم فضح أمر المنشآت النووية الايرانية التي اكتشفت في الفترة الثانية من رئاسته.
في سنة 2009، عشية الانتخابات الرئاسية، راح الصحفي في نيويورك تايمز روجي كوهين يتحدث بكل حماس عن «ديناميكية التغيير والمجتمع المتعلم» الذي لمسه لدى زيارته في ذلك العام لطهران. كتب روجي كوهين يقول آنذاك: «إن القول بأن إيران رديف للارهاب فيه كثير من التبسيط». عقب الانتخابات التي تم تزوير نتائجها اضطر روجي كوهين إلى النجاة بحياته التي هددها نفس مليشيات الشوارع التي قتلت آغا سلطان.
الآن يفترض بنا أن نصدقه هو أن التغيير الذي بشر به روجيه كوهين قد تحقق اخيرا. فقد تمسك نظام طهران حتى الآن بوعوده النووية وحصل على 100 مليار دولار وأطلق البحارة الأمريكيين بعد أن حقق ضربة دعائية كبيرة، كما أطلق سراح بقية الرهائن بعد أن حصل من الولايات المتحدة الأمريكية على مبلغ إضافي بلغ مليارا وسبعمائة مليون دولار.
هل هذه الاشارات دليل على أن نظام طهران قد بدأ يتغير. لان إيران لن تصبح دولة طبيعة إلا إذا طوت صفحة الجمهورية الاسلامية؟ في الانتظار أتساءل عن المستوى الذي سننحدر إليه في سعينا لتحويل إيران إلى دولة طبيعية.

وول ستريت جورنال






كلمات دالة

aak_news