العدد : ١٥٢٧٦ - الأحد ١٩ يناير ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٤ جمادى الاول ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢٧٦ - الأحد ١٩ يناير ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٤ جمادى الاول ١٤٤١هـ

شرق و غرب

أزمة الخليج والصمت الغربي المريب

بقلم: ناتالي جوليت j

الجمعة ٢٢ يناير ٢٠١٦ - 03:00



تتصاعد الأزمة الدبلوماسية في منطقة الخليج وسط صمت مريب في الدوائر السياسية الغربية. أين نحن اليوم؟
لطالما ظل الغرب يتهم المملكة العربية السعودية بدعم وتمويل الارهاب غير أن سلطات الرياض تبعث بالاشارات القوية وتكثف من جهودها الرامية إلى محاربة مظاهر التطرف الاجرامية. تتزعم المملكة العربية السعودية في الوقت الحالي تحالفا عربيا في اليمن وقد نفذت في الآونة الأخيرة حكم الاعدام في سبعة وأربعين من الارهابيين المدانين، الأمر الذي فجر أزمة دبلوماسية مع إيران.
لقد كانت المملكة العربية السعودية واغلب دول مجلس التعاون الخليجي معترضة منذ البداية على عودة نظام الملالي في طهران إلى معشر الأمم. ردت «إيران» على إعدام نمر باقر النمر باقتحام مقر السفارة السعودية في طهران وإضرام النار فيها والاعتداء على مقر القنصلية السعودية العامة في مدينة مشهد. كانت هذه التطورات كافية كي تدفع بالمنطقة إلى حافة الانفجار.
لكن عن أي «إيران» نتحدث هنا؟.
إن المحللين والمراقبين العرافين بطبيعة الحكم في طهران يعرفون جيدا أن إيران غير متجانسة بل إن هناك تناحرا خفيا بين أجنحة الحكم فيها رغم أن كل هذه الأجنحة ترتقي فوق كل خلافات عندما يتعلق الأمر بجبهة خارجية. قد يعطي الرئيس الحالي حسن روحاني الانطباع بأنه يتزعم تيار الاعتدال والانفتاح غير أن هناك بالمقابل تيارا متشددا من المحافظين الذين ظلوا يناصبون العداء لسياسة «الانفتاح» التي بدأت قبل أربع سنوات.
يجب أن ندرك جيدا أن هذا التيار المحافظ والمتشدد يعارض سياسة الانفتاح لاعتبارات اقتصادية على وجه الخصوص. يجب أن ندرك أن هذه المعارضة لا علاقة لها بالقناعات الدينية في الجمهورية الإسلامية بقدر ما هي نابعة عن اعتبارات ومصالح اقتصادية.
فحراس الثورة الإيرانية وبقية الفصائل الأخرى المتشددة استفادوا كثيرا من حالة الحصار التي ظلت مضروبة على الجمهورية الإسلامية الإيرانية على مدى أكثر من ثلاثة عقود. لذلك نجد اليوم أن هذه الأطراف تخشى ضياع مصالحها الكبيرة. أعتقد أن الشرق المعقد وبلاد الفرس في حاجة إلى دراسة متعمقة متأنية، بعيدا عن كليشيهات الصراع ما بين السنة والشيعة، على أهمية وخطورة هذا الشرخ العقائدي والطائفي الكبير.
يعطي نظام طهران الانطباع اليوم بأنه يتقن سياسة التصعيد والمزايدة في وقت بدأت فيه تتشكل جبهة حول المملكة العربية السعودية في سياسة القطيعة الدبلوماسية ضد طهران. في الوقت نفسه ردت إيران بمنع استيراد البضائع السعودية وهي تنتظر «العقاب الإلهي» الذي تحدث عنه مرشد الجمهورية الإسلامية علي خاميني. لاشك أن الرئيس حسن روحاني سيخسر الكثير من وراء التصعيد الذي لا يخدم مصلحته.
أما على الصعيد الاقتصادي فإنّ أي تصعيد مع المملكة العربية السعودية وبقية دول الجوار والمنطقة العربية من شأنه أن يزيد في هشاشة سياسة الانفتاح كما أنها ستحرم نظام طهران من جني الفوائد الاقتصادية المتوقعة من إبرام الاتفاق النووي يوم 14 يوليو 2015 مع مجموعة 5+1 بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية.
لعل ما يثبت صحة هذا الكلام أن وزير الخارجية الأمريكية جون كيري ظل يتصل مرارا وتكرار بنظيره الإيراني جواد ظريف حتى يضمن احترام نظام طهران لمختلف بنود ومراحل الاتفاق النووي المبرم في الصائفة الماضية. تدرك الولايات المتحدة الأمريكية وكذلك إيران أن هذا الوضع الإقليمي الخطير في منطقة الشرق الأوسط قد يقوض النتائج الإيجابية المعلقة غربيا على الاتفاق النووي المذكور.
لنفترض أن المملكة العربية السعودية تقرر على سبيل المثال انتهاج سياسة حافة الهاوية مع حلفائها وتقرر فرض الحظر على إيران وتطالب بقية شركائها التجاريين بقطع علاقاتهم التجارية مع إيران.
عندها لنا أن نتساءل: أي شركة تعمل في قطاع الطاقة يمكنها أن تجازف بالتفريط في السوقين السعودية والقطرية والمراهنة على سوق إيرانية تفتقر إلى البنية البنكية والمصرفية الحديثة بسبب العقوبات التي ظلت مفروضة على نظام طهران على مدى أكثر من أربعة عقود؟ يجب أن نذكر أن العملة النقدية الإيرانية غير قابلة للتحويل. ثم اي شركة يمكن أن تجازف بأن تصبح مدرجة على قائمة سوداء في الدول الخليجية؟
لاشك أن المملكة العربية السعودية تريد ان أرادت أن تذكر العالم، وخاصة الغرب الذي بدأ يتهافت على إيران، بمدى قوتها الاقتصادية عندما أعلنت عن نيتها في إدراج شركة أرامكو في البورصة السعودية. يكفي هنا أن نذكر أن قيمة شركة أرامكو تفوق ألف مليار دولار كما أن الكميات الاحتياطية التي تديرها شركة أرامكو تمثل 15% من إجمالي الاحتياطي النفطي في العالم – أي أكثر من 265 مليار برميل من النفط الخام!.
لاشك أن إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما هي التي قوضت التحالفات التاريخية من خلال إصرارها على إعادة إيران إلى المجتمع الدولي. لقد اهتزت ثقة السعوديين والخليجيين في الحليف التاريخي الأمريكي حيث أن العواصم الخليجي قد حولت اهتمامها جزئيا لفرنسا حتى أن الرئيس فرانسوا هولاند قد حضر قمة دول مجلس التعاون الخليجي.
تريد المملكة العربية السعودية الآن أن تستغل الأزمة الدبلوماسية الراهنة التي تستمد شرعيتها من اقتحام سفارتها في طهران والاعتداء على قنصليتها العامة في مدينة مشهد. تريد المملكة العربية السعودية أن تضع شركاءها أمام الاختيار – إما أن يكونوا معها أو ضدها. يبدو أن باب الوساطة قد بات اليوم مستعصيا, وأن روسيا والعراق قد عرضتا التوسط ما بين الرياض وطهران دون جدوى.
لقد كانت منطقة الشرق الأوسط تعيش على وقع جغرافيا سياسية معينة قائمة على عزل إيران وفرض العقوبات عليها غير أن هذه المنطقة الاستراتيجية المهمة توشك اليوم في جغرافيا سياسية جديدة ان تكون إيران طرفا محوريا ورئيسيا بدعم كبير من إدارة الرئيس باراك أوباما.
من الواضح ايضا أن سلطات الرياض تشعر اليوم أن حلفاءها التاريخيين قد خانوها وتنكروا لها وأخلوا بتعهداتهم. لذلك يبدو أن المملكة العربية السعودية قد قررت وضع شركائها التاريخيين أمام خيار دبلوماسي واقتصادي. إن هذا الموقع السعودي لا يترك أي مجال للتخمينات أو الايحاءات. فالأحقاد التاريخية المتراكمة باتت اليوم تعبر عن نفسها وهي تطفو على السطح. فبعد مرور بضعة أيام على نشوب هذه الأزمة الدبلوماسية فإنه لا أحد يمكنه أن يتكهن بنهايتها أو بانفراجها.

j سيناتور في مجلس الشيوخ الفرنسي، ورئيسة لجنة التحقيق في الشبكات الجهادية، رئيسة لجنة الشؤون الخارجية

هلفنجتون بوست






كلمات دالة

aak_news