العدد : ١٥١٨٢ - الخميس ١٧ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٨ صفر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٨٢ - الخميس ١٧ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٨ صفر ١٤٤١هـ

الاسلامي

(من وحي الإسلام)
الوشائج الإيمانية والاجتماعية بين المسلمين (2)

بقلم: يوسف الملا

الجمعة ٢٢ يناير ٢٠١٦ - 03:00




جاء الإسلام ليجمع القلوب على المحبة والإخاء، ويضم النفوس على الألفة والتعاون، ويوحد العقول على الافكار والآراء السديدة مستهدفا من وراء ذلك إقامة مجتمع موحد الكيان متحرر من الفرقة والضعف. وفي الحلقة السابقة تحدثنا عن الاحترام وصيانة الآخرين. وقلنا إن ذلك من أولويات الشريعة الإسلامية وواجباتها، فلا يحل للفرد أن يستهزئ أو يعيب أو ينقص من قدر غيره.. وفي هذه الحلقة سنتناول العنصر الثالث من الروابط الأدبية والمعنوية بين المسلمين.
* أداء الأمانة والوفاء بالعهود:
الإسلام كما عهدناه يبتغي لأبنائه المؤمنين أن يحيوا حياة طيبة وضميرا يقظا واعيا توكل به القضايا الاجتماعية، وتستند إليه الأعمال بعيدا عن الإهمال والتفريط، ومن ثم أوجب على المسلم أن يكون أمينا وفيا.
إن الأمانة خلق كريم وفضيلة كبيرة، لا يمكن أن يحمل تبعاتها إلا العظام من الرجال، وقد ضرب الله عز وجل المثل لضخامة مسؤوليتها، لأنها تثقل كاهل الوجود، فلا ينبغي للإنسان أن يستهين بالأمانة أو يفرط في حقها بأي حال.
قال تعالى: «إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنا وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا» سورة الأحزاب الآية 72.
إذن، فالجهل عن معرفة الحق وممارسة الظلم ضد الآخرين لا يمكن أن يسمح به مهما ملك الفرد السلطة، كما لا يمكن أن يسند اليه أي نوع من أنواع الأمانات.
والإسلام يوجب على المسلم أن يكون وفيا للآخرين ومؤديا لأماناتهم، فالمؤمن لا يخلف وعده تجاه الآخرين أو يخون أماناتهم.. إن من يخالف أمانته وعهده لا يضر الناس فحسب، وإنما يذهب بشخصيته إلى الحضيض، فيفقد الثقة لديهم إذ لا يصدق في حديث، ولا يطمئن إليه أحد في عهد أو أمانة أو معاملة.
إن صفة الخيانة شر ونقمة يوصم بها الفرد من قبل الآخرين لأنّ الخائن يصبح في نظرهم مسلوب الإيمان والدين معا.. إن التعفف عن استغلال النفوذ وعدم إفشاء أسرار المجالس نوع من الأمانة.
عن الصحابي الجليل أنس بن مالك رضي الله عنه قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائلا: (لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له) رواه الإمام أحمد رضي الله عنه.
وليس عسيرا على الانسان – الذي منح مزيدا من الطموح – أن يتطلع إلى الكمال في الأقوال، وينشد التوازن والاعتدال في التصرفات قدر استطاعته ليعكس سلوكه وعطاءه في مجتمع ينشد الصلاح والإصلاح، غير أن التقصيرات الكثيرة والهفوات المتعددة تجعل من الإنسان أحيانا سيئ الاختيار لدى التطبيق وذلك بسبب العوامل النفسية والاجتماعية المختلفة التي يعايشها الفرد، أو بسبب العجز في قدرته الفردية.
عن الصحابي الجليل أبي ذر الغفاري قال: قلت يا رسول الله ألا تستعملني؟ قال: فضرب بيده على منكبي، ثم قال: (يا أبا ذر، إنك ضعيف وإنها أمانة. وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليها) رواه مسلم.
والأمانة التي يحددها الإسلام ليست في نطاق الأفراد فحسب، وإنما تتعدى إلى الأمة بأكملها وفي وقتنا الحاضر أصبحت هناك صعوبة عند الإنسان في التمييز بين رفاقه.
ويوضح الشيخ محمد الغزالي رحمه الله في بحثه القيم عن الأمانة قائلا: (والأمانة التي لا أمانة فيها، هي الأمة التي تعبث فيها الشفاعات بالمصالح المقدرة، وتطيش بأقدار الرجال الأكفاء، لتهملهم وتقدم من دونهم. وقد أرشدت السنة إلى أن هذا من مظاهر الفساد الذي يقع آخر الزمان). (كتاب خلق المسلم).
وقد جاء رجل يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: متى تقوم الساعة؟ فقال له (إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة)، فقال الرجل وكيف إضاعتها؟ قال عليه الصلاة والسلام: (إذا وسد الأمر لغير أهله فانتظر الساعة). (رواه البخاري).
ومن المعاني السامية أن نضع كل شيء في مكانه الصحيح الجدير به وإلقاء المسؤولية على من يتحمل عبئها، فلا يحل على سبيل المثال إسناد منصب إلا إلى صاحبه المستحق والمناسب له.. وعليه فإنّ الوظيفة لا يمكن أن تسند بناء على صلة القرابة، أو توقع مصلحة فردية أو طمع مادي!
كما لا يمكن أن نعتبر الكفاية العلمية والعملية لازمة لصلاح النفوس في أي وقت، فقد يكون الرجل طيب العشرة، رضي السيرة، وحسن الإيمان، ولكنه لا يحمل المؤهلات الدراسية المطلوبة ما يجعله منتجا وإيجابيا في مهنة معينة ذات فائدة تعود على المجتمع بالخير النافع.
إن الوفاء بالعهود والعقود وأداء الأمانة من ثوابت عقيدة المسلم في واجهة الحقوق والواجبات المتعلقة بالمسلمين.. فالمؤمن الصادق لا يجب أن يخلف وعده، ولا يخون أمانته مهما كانت التبعات، فإنّ الخلف مضرة والخيانة ضياع ومفسدة لأنها تسلب صاحبها الإيمان والدين معا.
قال تعال: «يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود..» سورة المائدة الآية 1
ومن هذا نجد أن وفاء الانسان بالعهد أساس كرامته في الدنيا وسعادته في الآخرة، فما أسوأ أن يتعهد الإنسان إخوانه بالوفاء ثم ينقلب رأسا على عقب، فيغدر بهم أو يخونهم.
قال تعالى: «وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتهم ولا تنقضوا الإيمان بعد توكيدها وقد جعلتهم الله عليكم كفيلا، إن الله يعلم ما تفعلون» سورة النحل الآية 91
ويرشدنا الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم إلى أن الأسرار الزوجية من أقدس الأمانات قائلا: (إن من أعظم الأمانة عند الله يوم القيامة: الرجل يفضي إلى امرأته وتفضي إليه ثم ينشر سرها) رواه الإمام أحمد، ويقول عليه الصلاة والسلام: (كبرت خيانة أن تحدث أخاك هو لك به مصدق وأنت له به كاذب)رواه الإمام أحمد وأبوداود.





كلمات دالة

aak_news