العدد : ١٥١٨٦ - الاثنين ٢١ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٢ صفر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٨٦ - الاثنين ٢١ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٢ صفر ١٤٤١هـ

الاسلامي

عـنـدمـــا يـخـطـئ الإنـســان

بقلم/ أ. د. أمين عبداللطيف المليجي

الجمعة ٢٢ يناير ٢٠١٦ - 03:00



أحيانا كثيرة يخطئ الإنسان بقصد وبدون قصد، فإذا كان الخطأ الذي فعله الإنسان ضد أحد من الناس، فإنه يكون بين أمرين، إما أن يعفو ويسامح من وقع ضده الخطأ، وإما أن يكون له رأي آخر، ويكون ذلك على قدر الضرر الذى أصابه جراء هذا الخطأ، فإن كان الضرر قليلا ويمكن أن يعالج، يمكن أن يسامح، وذلك يتوقف على الشخص نفسه، إن كانت نفسه تحمل من الرحمة ما يمكن صاحبها من العفو فإنّ العفو يكون الغالب، وأما إن كانت نفسا شريرة ولا تحمل رحمة فإنّ العفو يكون بعيدا، فما بالك إذا أخطأ أب أو أم في حق أبنائهما، أو كان الخطأ من الأبناء في حق الآباء والأمهات، ماذا يكون الحل؟ وما نتيجة العناد؟ بصراحة هذا الأمر له أبعاد كثيرة، وليس سهلا على الإطلاق، لأنّ العلاقة بين الأبناء وأبويهم لها طرق متعددة، ويعرف ذلك كل من رزقه الله بالأبناء، فتارة تكون العلاقة طيبة، وتارة تكون عكس ذلك، وتارة يحدث الصدام، وخاصة عندما يكبر الأبناء إلى مرحلة الصبا والشباب، وتحكم هذه العلاقة معطيات كثيرة، منها طريقة تربية الأبناء، ومنها البيئة التي يعيشون فيها، فلو أخذنا طريقة التربية مثلا، لوجدنا أنها ليست طريقة واحدة بل طرقا متعددة، فنجد بعض الآباء يتركون أولادهم من دون توجيه أو من دون رعاية كافية، وخاصة إذا كان الآباء في أعمالهم باستمرار، وساعتها يكون الأبناء في مهب الريح، ويكون مصيرهم إلى المجهول، إما خيرا وإما شرا، ولن أدخل في مسألة القضاء والقدر، وأتركها بعيدا عن الجدل، لأنّ القضاء والقدر هما من تدبير الله، ولذلك تكون عاقبتهما خيرا دائما، أما غير ذلك فهو من تدبير الإنسان نفسه، فمن صعد إلى جبل وألقى بنفسه، فهو هالك لا محالة، ولا علاقة بذلك بالقضاء والقدر، لأنّ عواقب تدبير الإنسان تكون وخيمة في معظم الأحيان، ولكن عندما يقوم الأبوان بواجبهما من التوجيه والرعاية، ثم يحدث الشطط من الأبناء، فلا لوم عليهم، ولنا في سيدنا نوح عليه السلام القدوة الحسنة في ذلك، فهو نبي مرسل من الله لهداية الناس، ولكن ابنه ضل وكفر، ولم يؤمن كما آمن غيره، فهل قصر سيدنا نوح في تربية ابنه؟ اعتقد أنَّ الجواب هو أنه لم يقصر، ولو كان سيدنا نوح قد قصر في تربية ابنه لذكرها الحق في القرآن، لأنّ الله سبحانه لا يستحيي من الحق، ولكن الابن اختار طريقا آخر، فكان اختياره وتدبيره وبالا عليه، وقد أشار الحق سبحانه إلى ذلك المعنى وهو عدم تقصير سيدنا نوح في تربية ابنه، عندما طلب سيدنا نوح العفو من الله عن ابنه وقال كما ورد في كتاب الله الكريم «وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ(45: هود)» فرد عليه الحق ردّا يرفع عنه الحرج ويرفعه عنا على مر الزمان، وخاصة الذين ضل أبناؤهم، حيث قال الحق «قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ(46:هود)» معنى ذلك أن الله سبحانه قد نزع الأهلية عن ابن سيدنا نوح ونزع منه صلة القربى، وهذا أمر ربما يكون له أهمية كبرى، لأننا نعرف أن الأبناء في قلوب أبويهم، ولا يحبون أحدا أن يكون أفضل منهم ألا أبناءهم، وكما قيل فإنّ الأبناء هم فلذات أكباد الأبوين يمشون على الأرض، أي أن الارتباط وثيق، ولذلك فإنّ أي مكروه يصيب الأبناء حتى ولو كانوا عاقين لأبويهم، فإنّ الأبوين يتألمون ألما شديدا، ولكن ما بالك إذا أحس الأبوان بأن هذا الابن مثلا ليس من أهلهم، وقطعت الصلة، فإنّ بعدهم سيكون أقل ألما عليهم، وتكون وطأة تركهم للبيت مثلا ليست قاسية، في حالات كثيرة يحتاج الأمر إلى مزيد من الحكمة والعقل في علاج المشاكل بين الآباء والأبناء، فمن الأمور المهمة التي يجب أن نعيها جيدا، هي أن الصدام سيقع لا محالة، ولكن العاقل الذي يقدر الأمر بقدره، وبقدر ما يكون هناك مجال للتعنيف وأحيانا يصل الأمر إلى أكثر من ذلك، فلا يجب أن نغفل التذكير بأهمية طاعة الوالدين، وأن الله قد قرن طاعته بطاعتهما، وأن الله سبحانه أعطانا علاجا لزوال الخلاف والمشاحنة مع الناس جميعا، والأبناء من الناس، وهم أقرب الناس، فما بالنا نغفل قول الحق سبحانه «وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ(41-فصلت)» فبعد الشدة يكون اللين وحسن الكلام وأطيبه، حيث يصل الكلام الطيب الحسن إلى القلب فيلين ويهدأ، ويصبح الأبناء وأي انسان في العموم جاهزا لاستقبال النصيحة، ومنه يكون الاعتذار وطلب الصفح والعفو، ساعتها تهدأ النفوس وتطيب القلوب، ويكون الحال كما قال الحق «فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ».






كلمات دالة

aak_news