العدد : ١٥١٨٦ - الاثنين ٢١ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٢ صفر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٨٦ - الاثنين ٢١ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٢ صفر ١٤٤١هـ

الاسلامي

العظات والعبر
في حياة النبي أيوب عليه السلام (2-2)

بقلم: حسن علي البنفلاح

الجمعة ٢٢ يناير ٢٠١٦ - 03:00



من قصة حياة هذا النبي الكريم يمكن استخلاص تلك العظات والعبر التي تعتبر دروسا في القيم الإنسانية ومنهجا في الأخلاق القويمة التي لا بدَّ من استيعاب معانيها وإدراك مغازيها، ذلك أن حياة هذا النبي في إجمالها تعتبر مدرسة للصبر نادرة الحدوث في أي عصر من العصور، لأنها تمثل نموذجا فريدا من نوعه في قوة الإرادة على تحمل الصعاب والصبر في انتظار الفرج والرضا بقضاء الله وقدره. ومن بين هذه العبر والعظات يمكن استخلاص ما يلي:
قوة الإرادة:
الصبر بمعناه الكبير ومغزاه العظيم كان يمثل قوة الإرادة في أسمى صورها لدى النبي أيوب عليه السلام باعتبارها منهجا متكاملا لحياته، ومدرسة نموذجية في قوة الاحتمال على البلاء لمن جاء بعده من الرسل والأنبياء وبقية الناس العاديين، وقد قيل في الأثر «إن الله يحتج يوم القيامة بسليمان على الأغنياء، وبيوسف على الأرقاء، وبأيوب على أهل البلاء». فالبلاء إذا جاء يعتبر امتحانا من رب العالمين لعباده المؤمنين من أجل اختبار قوة إيمانهم وعظمة صبرهم ودرجة احتمالهم، وقد يكون الابتلاء في هذه الحالة عاما يرتبط بوجود الإنسان في الحياة، لامتحانه في مدى نجاحه في دحر هذا البلاء والانتصار عليه عن طريق التعبد لله سبحانه وتعالى والإتيان بالعمل الصالح الذي يفيده في الدنيا وينقذه من عذاب الآخرة، قال تعالى «الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ(2)» الملك، كما قال جل شأنه «إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً(7)» الكهف، ومن هنا يتضح أنه إذا أخلص الإنسان في عبادة ربه، وعمّر الأرض بالخير والعمل الصالح ودعا ربه بنية طيبة وتوجه بقلب خالص لوجهه بأن ينجيه من كربته سيجتاز أي بلاء يقف في طريقه بنجاح باهر «وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ(56)» الذاريات.
لقد ابتلى الله الأنبياء والرسل وهم الصفوة المصطفاة من البشر بأنواع متعددة من البلاء، ليكونوا عبرة ونموذجا في قوة إيمانهم وفي تحمل هذا البلاء وطاعتهم لله تعالى بتنفيذ أوامره، وقد نجح كل الأنبياء والرسل في هذا الامتحان بامتياز لأنهم تعاملوا مع قضاء الله وقدره وأوامره كقضايا مسلم بطاعتها نافذ قضاؤها. لقد نجح إبراهيم عليه السلام في الصبر على ما ابتلاه الله به «وَإِذِ ابْتَلَى إبراهيم رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ....» البقرة/124، كما استطاع بقوة الرجل المؤمن إطاعة أمر ربه بذبح ولده إسماعيل، بعد أن صدّق الرؤيا فجازاه الله على فعله «وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إبراهيم(104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ(105) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ(106)» الصافات.
معظم آيات القرآن الحكيم صورت لنا الأنبياء والرسل بأنهم أكثر الناس صبرا في حياتهم باعتباره خصلة عظمى في احتمال المكاره، قال تعالى «وَإسماعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ(85)» الأنبياء. فبالصبر يمتحن الله إرادة المؤمنين وقوة عزيمتهم في الامتناع عن منهيات كانت حلالا ولكن الله تعالى أرادها ألا تكون حلالا في أوقات حددها لهم في كتابه الكريم، كتحريم الصيد في الأشهر الحرم، إلى درجة أن الطيور كما يقال كانت تقف على أكتافهم وتحوم حولهم وهي في متناول أيديهم ومع ذلك وبقوة إرادتهم لا يرغبون في صيدها أو أكلها، لقوة إيمانهم وطاعتهم لله تعالى والتقيد بأوامره «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ(94) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ....» المائدة /94-95، ومهما كانت الظروف فإنّ المؤمن لكي يجتاز البلاء وينجح في حياته عليه أن يتبع هدى الله وينفذ أوامره «....فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123)» طه.
إن الله سبحانه وتعالى كريم مع عباده المؤمنين يهبهم النعم التي لا تعد ولا تحصى من أجل أن يختبرهم أيشكرون أم يكفرون «....وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ(168)» الأعراف، وقد تكون بعض حالات العطاء ليس دليل إكرام، وكذلك ليس المنع دليل إهانة أو تقصير، وقد يكون كلاهما أو أحدهما دليل ابتلاء واختبار للمؤمن قد ينجح فيه إذا شكر الله وحمده على العطاء، وقد يفشل في هذا الاختبار إذا أنكر نعم الله وكفر بها «فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إذا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ(15) وَأَمَّا إذا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ(16)» الفجر. لقد استجاب الله للنبي سليمان وأنعم عليه بالرضا والقبول عندما رأى عرش بلقيس مستقرا أمامه، فكيف تصرف؟ «.... قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أم أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فإنّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ(40)» النمل.
وكمثال آخر يتمثل في حالتي المرض والشفاء اللذين هما -بلا شك- من عند الله سبحانه وتعالى، فليس بمقدور أي إنسان أن يجلب إلى نفسه المرض إلا بإذن الله، كما لا يستطيع أن يشفي نفسه من المرض إلا بمشيئة الله، ويتضح ذلك في مخاطبة إبراهيم عليه السلام للكفار لاستمالتهم نحو الهداية عندما بيّن لهم أن الله سبحانه وتعالى هو الهادي وهو الذي يطعم ويسقي كما أنه هو الشافي المداوي لأي مرض يبتلى به الإنسان، فجاء هذا المعنى في الذكر الحكيم بقوله تعالى «الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ(78) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ(79) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ(80) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ(81)» الشعراء. إن نعمة الله بالشفاء لا تعني أن يهمل المريض نفسه ويتقاعس عن علاج مرضه بالتوكل على الله فقط من دون أن يأخذ بأسباب العلاج، قال صلى الله عليه وسلم (تداووا فإنّ الذي خلق الداء خلق الدواء)، وهذا بالضبط ما فعله أيوب عندما أرشده الله كيف يتخذ من التداوي سببا لشفائه من سقمه، فقد أمره بأن «ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ(42)» ص.
قوة التحمل:
قوة التحمل على نكبات الزمن وعثرات الدنيا من الفضائل المنصوح باتباعها والعمل بها لأنها الوحيدة التي مهما طال الزمن تحقق لصاحبها النجاح وتحقيق المراد، وبداية هذا التحمل أن يرضى المؤمن بما كتبه الله له وعليه وأن يسعى بكل جهده لإرضاء الله بطاعته والعمل بأوامره والتقيد بعقيدته والإخلاص في إيمانه ليحصل على الرضا والقبول من السماء يخولانه الدخول في جنات النعيم التي عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين «الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ(134)» آل عمران.
حلاوة التكريم:
إن أوسمة الشرف الدالة على التكريم يكون لها طعم خاص وحلاوة وذلك عندما تمنح لصاحبها مقابل النجاح الذي يحققه في مختلف أطوار حياته، وخاصة إذا صحب هذا النجاح جهد كبير يبذله هذا الإنسان للتغلب على بلائه بالصبر والاستعانة بالله العلي القدير. فإنّ الله سبحانه وتعالى لا يخيب رجاء المتوكل عليه والصابر على بلائه، ولا بُـدَّ أن يجعل له مخرجا ميسرا نتيجة صبره، هذه نعمة من الله لعبده الصابر المحتسب إليه والراضي بقضائه سبحانه وتعالى، عندها يكون معززا ومكرما عنده. هذا ما حصل لنبي الله أيوب عليه السلام بعد ما صبر على قضاء الله، وانتظر الفرج منه، فكافأه الله على هذا الصبر بأن شفاه من مرضه وأنعم عليه بالصحة والعافية والخير الوفير.






كلمات دالة

aak_news