العدد : ١٥١٧٩ - الاثنين ١٤ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٥ صفر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٧٩ - الاثنين ١٤ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٥ صفر ١٤٤١هـ

الاسلامي

الإعجاز التشريعي والعلمي في السنة النبوية (6)

بقلم: د. علي أبو هاشم

الجمعة ٢٢ يناير ٢٠١٦ - 03:00




حرص الإسلام على أن يكون المسلم طاهرا في بدنه وثوبه وطعامه وشرابه ومكان جلوسه ونومه ومكان عبادته. والطهارة من ثمرات التوبة الصادقة، ومن موجبات حب الله تعالى لعباده يقول تعالى: «إن الله يُحب التوابين ويُحب المتطهرين» (سورة البقرة/222)، وحرًم الإسلام أكل الميتة والدم ولحم الخنزير لما فيها من النجاسات والقاذورات وشتى أنواع الجراثيم المؤذية للإنسان يقول تعالى: «حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أُهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم وما ذُبح على النصب» (المائدة/3)، ويبين الرسول (صلى الله عليه وسلم) في سنته المطهرة طهور الإناء إذا شرب منه الكلب، أو وضع فمه فيه، كما جاء في الصحيح عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ. رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وسلم): طُهُورُ إِنَاءِ أَحَدِكُمْ إذا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ أَنْ يَغْسِلَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ أُولاَهُنَّ بِالتُّرَابِ (رواه مسلم في صحيحه) والكلب نجس نجاسة مغلظة، سواء كان كلب صيد أو حراسة وهو: الكلب المُعلَّم، وهو ما رخص الشرع في اقتنائه وتربيته دون غيره لقوله تعالى: «وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه» (المائدة/4)، أو كان غير مُعلَّم فلا يحل اقتناؤه وهو نجس أيضا، وفي الحكمة أن تكون الأولى ليأتي الماء بعد التراب فينظفه من التراب، ومن السنة أن يُلقى ما في الإناء من ماء أو طعام وما بقي من أثر ولوغ الكلب، وهذا هو الراجح من أقوال أهل العلم، لأنّ الضرر الناتج من ولوغ الكلب يختلط في الطعام أو الماء، ولا يتحقق إلا بإلقائه، ثم غسل الإناء كما وضحت السنة، يؤكد هذا ما رواه مسلم في صحيحه عَنْ أَبِي رَزِينٍ وَأَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِى إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيُرِقْهُ ثُمَّ لْيَغْسِلْهُ سَبْعَ مِرَارٍ»، والمقصود بقوله (صلى الله عليه وسلم): فليرقه، أي يُلقيه، وهذا إعجاز تشريعي عظيم يبين فيه الرسول للمسلم ماذا يفعل إذا شرب الكلب أو أكل في الإناء الذي يستعمله الإنسان، حتى لا يقع في الضرر والأذى الذي يكون في لعاب الكلب من الميكروبات والجراثيم الضارة والمؤذية وبما يُسمى مرض الكلب، وفي كيفية غسل الإناء من ولوغ الكلب وردت أحاديث متعددة وهي سبع مرات أولاهن بالتراب، وهذه أفضل الكيفيات، وفي رواية آخرهن بالتراب، وفيها نظر لأنّ التراب يحتاج إلى ماء ليُزيل أثره، وفي رواية إحداهن بالتراب دون تحديد كما في الرواية الآتية: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إذا ولغ الكلب في الإناء فاغسله سبع مرات أولهن أو آخرهن بالتراب، أخرجه البزار عن أبي هريرة. وفي الحديث إعجاز علمي يكشف عنه العلم الحديث، حيث أثبت الباحثون قوة تأثير التراب في إزالة الميكروب الناتج من لعاب الكلب، جاء في بحث بعنوان: لعاب الكلب وقوة مفعول التراب لتنظيفه. تحصل الإصابة عند الإنسان من عضِّ الكلب المصاب وذلك بدخول لعابه إلى الجرح، أي: حتى يصاب الإنسان يجب أن يلامس لعاب الكلب، وفي قوله (صلى الله عليه وسلم): إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم (أي شرب. وبشكل أدق أدخل لسانه في الإناء ليشرب) حيث ينقل لعاب الكلب إلى الإناء مما يعرض الإنسان للإصابة بهذا المرض. أما لماذا الغسل بالتراب؟ فإنّ الحمة المسببة للمرض متناهية في الصغر (أي الميكروب المسبب للمرض في لعاب الكلب)، وكلما قلَّ حجم الحمة ازداد خطرها، لازدياد إمكانية تعلقها بجدار الإناء، والتصاقها به، والغسل بالتراب أقوى من الغسل بالماء، لأنّ التراب يسحب اللعاب ويسحب الفيروسات الموجودة فيه بقوةٍ أكثر من إمرار الماء، أو اليد على جدار الإناء، وذلك بسبب الفرق في الضغط الحلولي بين السائل (لعاب الكلب) وبين التراب. وهكذا يَبُت العلم الحديث إعجاز السنة المطهرة في غُسل الإناء من ولوغ الكلب سبع مرات أولاهن أو إحداهن بالتراب، لتأكيد طهارة الإناء وخلوه من أسباب المرض وانتقال الضرر الناتج من لعاب الكلب، وفي الوقاية من التعرض للأمراض وهو ما يُسمى: الحجر الصحي ووباء الطاعون، ما ورد في الصحيح عن أسامة بن زيد عن النبي (صلى الله عليه وسلم قال): إذا سمعتم بالطاعون في أرض فلا تدخلوها، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها. صحيح البخاري
ووجه الإعجاز أن الطاعون مرض إنتاني وبائي يأتي بشكل جائحات تجتاح البلاد والعباد وتحصد في طريقها الألوف من الناس وهذا الحديث الشريف هو أساس الحَجر الصحي الذي لم يُعرف إلا في القرن العشرين، فإذا وقع وباء مُعدٍ في بلدٍ ما يُضرب عليه حجر صحي، فلا يدخل إليه أحد خوفًا من أن يرمي بنفسه إلى التهلكة فيصاب بالوباء، ولا يسمح لأحد من داخله بالخروج خوفًا من أن يكون مصابًا بالمرض ولا يزال في دور الحضانة فينقل الوباء إلى خارج البلد ويعم انتشاره في الأرض. إن الأخذ بالأسباب لا ينفي الإيمان بالقدر، والوقاية خير من العلاج، والإسلام حريص كل الحرص على سلامة الإنسان وسلامة صحته من الأمراض ولذا يبين لنا الرسول (صلى الله عليه وسلم) طرق الوقاية والسلامة من الأمراض كما هو الحال في حديث الطاعون، وحديث ولوغ الكلب في الإناء.






كلمات دالة

aak_news