العدد : ١٦٣٨٣ - الاثنين ٣٠ يناير ٢٠٢٣ م، الموافق ٠٨ رجب ١٤٤٤هـ

العدد : ١٦٣٨٣ - الاثنين ٣٠ يناير ٢٠٢٣ م، الموافق ٠٨ رجب ١٤٤٤هـ

هوامش

عبدالله الأيوبي

ayoobi99@gmail.com

الطائفية معول تهديم مجتمعاتنا



هل كان الجمر الطائفي مطمورا تحت الرماد على مدى العقود الماضية من دون أن يدركه أحد أو يوليه الاهتمام المطلوب باعتباره أكبر خطر يهدد المجتمعات والشعوب إذا ما تطاير هذا الرماد وانبعث لهيب الجمر الطائفي وانتشر في أكثر من بقعة وفضاء؟ حقيقة أنه سؤال مشروع ومطلوب في ظل الظروف العصيبة التي تمر بها مجتمعاتنا العربية في السنوات الأخيرة، حيث تتصاعد وتيرة المناوشات الطائفية في أوساط أكثر من شعب عربي وخاصة تلك الشعوب ذات التنوع الديني والطائفي الصريح، الأمر الذي يثير القلق والخوف من المستقبل الذي يمكن أن ترسمه مثل هذه المناوشات وتأثيرها على شكل الصورة المستقبلية والعلاقات بين مكونات المجتمعات التي تعاني من هذه الآفة الخطيرة.
قبل ما يقارب من الأربعة أو الثلاثة عقود مضت لم تكن مجتمعاتنا، ومنها مجتمعنا البحريني بطبيعة الحال، تعرف مثل هذه المناوشات والتراشق الطائفي وبالحدة والمجاهرة التي عليها الآن، الأمر الذي يعطي للسؤال سالف الذكر المبرر المشروع للطرح والموضوعية أيضا، فقد كان مجرد التنابز بالألفاظ ذات الصبغة المذهبية والطائفية يعد محل استهجان ورفض شديدين من مختلف مكونات المجتمع، فربما كان البعض يتبادل بغضا طائفيا، لكن ذلك لم يكن ظاهرا على الإطلاق، إذ كان يعتبر عيبا مقيتا وسلوكا مرفوضا من الغالبية العظمى من ابناء المجتمع.
هل كان الجمر الطائفي مطمورا؟ أعتقد أنَّه كان كذلك، إذ ليس من المنطقي ولا المعقول أنه لمجرد وقوع أحداث غير طبيعية كالتي شهدتها العديد من الدول العربية خلال ما اصطلح على تسميتها بأحداث «الربيع العربي»، أن تؤدي إلى كل هذه الكوارث التي تجري في أكثر من ساحة عربية والتي اصطبغت باللون الطائفي المقيت، فالعراق وسوريا اللتان كانتا تمثلان بؤرة الإشعاع القومي العربي ومركزا من مراكز الحراك والحركات العلمانية في تلاوينها السياسية والاجتماعية والثقافية تحولتا إلى أكثر بؤر الفتنة الطائفية والاحتراب على أسس دينية وعرقية وطائفية وإلى غير ذلك من الصبغات الصغيرة غير الجامعة لأبناء الوطن الواحد.
كانت التربة في أكثر من مجتمع عربي جاهزة لاحتضان بذور الفتنة الطائفية وكان المناخ المتوافر ساعد بقوة على إنباتها في هذه التربة، قد تكون أحداث ما يعرف بالربيع العربي من العوامل الخارجية المساعدة على ذلك، لكنها ليست السبب الرئيسي أبدا، فلو لم يكن الداخل مهيئا وجاهزا وقابلا للتفاعل مع هذه العوامل لكانت النتيجة عكس ذلك، فهناك مجتمعات بشرية كثيرة واجهت مثل هذه الأحداث التي شهدها أكثر من بلد عربي لكن مجتمعاتها لم تنزلق نحو التفتيت الذاتي كما يحدث الآن في أوساط أكثر من مجتمع عربي واجه مثل تلك الأحداث.
المجتمعات العربية تمر في الوقت الراهن بواحدة من أصعب الظروف التي واجهتها طوال تاريخها الحديث، وخاصة بعد الاستقلال والسعي نحو تأسيس وإقامة دولة حديثة قادرة على احتضان جميع أبنائها من دون النظر إلى انتماءاتهم العرقية أو الدينية والمذهبية، ويمكن القول إن البدايات كانت ناجحة واستطاعت الكثير من الدول العربية أن تخلق التفافا وطنيا جامعا لمواجهة تحديات ومتطلبات ما بعد الاستقلال وبناء الدولة الحديثة، لكن ذلك لم يكن سوى مرحلة انتقالية قصيرة جدا، سرعان ما انهارت وتهاوت أركانها مع تفجر الأحداث في المنطقة والتدخل الخارجي المدمر الذي جاء على شكل غزوات وافتعال أزمات داخلية تحول بعضها إلى اقتتال مدمر كما يحدث الآن في سوريا وليبيا والعراق.
في مواجهة مثل هذه التحديات الخطيرة فإنّ القوى الوطنية العلمانية والنخب المثقفة الواعية في مجتمعاتنا مطالبة بالتوقف مليا لدراسة هذه الظروف والتطورات الموازية لها للحيلولة دون الانزلاق نحو الأخطر، فهذه المجتمعات تواجه خطر التفكك الحقيقي، بل إن بعضها بدأ بالفعل يطرق أبوابه، فالعراق وسوريا وليبيا على سبيل المثال لا الحصر لم تعد دولا قادرة على إدارة حدودها الجغرافية والسيادية كما هو حال الدول الأخرى، كما أن قدرتها، كسلطة سياسية، على حماية جميع أبنائها ووضعهم تحت سلطة قوانين الدولة، باتت محدودة جدا، إن لم تكن شبه معدمة.
أول ما تحتاجه مجتمعاتنا العربية التي تعاني من حالة تشرذم وتمزق عرقي وديني وطائفي، هو التصدي لدعاة هذه الفتنة وفضحهم وسد الثغرات التي استطاعت القوى الخارجية النفاذ من خلالها إلى ضعاف النفوس في مختلف المكونات المجتمعية والتي أدت إلى إضعاف روح الإنماء الوطني وتغليب الانتماء الضيق (عرقيا ودينيا وطائفيا) على هذا الانتماء، فدعاة الفتنة وتمزيق المجتمعات هم الذين يهيئون المناخ والأرضية المناسبتين لزرع بذور الفتنة وإنباتها في هذه المجتمعات. من دون تحقيق ذلك فإنّ مجتمعاتنا ستبقى تعاني من حالة التشرذم والتمزق الذي لن تكون نتيجته الوحيدة سوى الانهيار وتحقيق أهداف الفوضى «الخلاقة» كما بشرت بها وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة كونداليزا رايس، وهذا يعني انتحارا ذاتيا لهذه المجتمعات.






إقرأ أيضا لـ"عبدالله الأيوبي"


//