العدد : ١٥٤٥١ - الأحد ١٢ يوليو ٢٠٢٠ م، الموافق ٢١ ذو القعدة ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤٥١ - الأحد ١٢ يوليو ٢٠٢٠ م، الموافق ٢١ ذو القعدة ١٤٤١هـ

في الصميم

نحن ومجلس النواب المصري!



مجلس النواب المصري الذي بدأ جلساته للتوّ – ولم يمرّ على بدء مهمته سوى أيام معدودات – قد أثمر إنجازين برلمانيين مهمّين وعمليين يستحقان أن يكونا نموذجين لتأخذ بهما البرلمانات الأخرى, وبخاصة مجلس نواب البحرين!
الإنجاز الأول هو الاتفاق على وقف بث جلسات المجلس, والإنجاز الثاني هو الانتهاء من بحث وإقرار القرارات بقوانين التي صدرت في غيبة المجلس وقوامها (340) قرارا بقانون كانت قد صدرت على مدى أكثر من سنتين في عهدي الرئيسين المستشار عدلي منصور والرئيس عبدالفتاح السياسي في وقت قياسي.. لا يعدو إلا أن تكون مجرد ساعات.. الأمر الذي لو أعطيت فيه مثل هذه القرارات أو المراسيم لمجلس النواب البحريني لتطلب الأمر أربعة فصول تشريعية كاملة.. وهذا على أقل تقدير.. ولو كان مجلس النواب المصري قد نظر هذه القرارات بقوانين بنفس طريقة ومنطق مجلس النواب البحريني من خلال نوابه الـ600 لتطلب الأمر عشرين فصلا تشريعيا على أقل تقدير!!
بالنسبة إلى الإنجاز الأول فإنه من المتعارف عليه أن هذا البث يسهم بقوة في إطالة الجلسات وتأجيل وتراكم الموضوعات والتشريعات.. وارتفاع ألسنة السخونة المفتعلة الباعثة على الخطأ والتجاوز.. واشتعال ظاهرة ترديد الشعارات والمزايدات, والسعي نحو إشباع حب الظهور أمام الناخبين والرأي العام.. وما نحن فيه الآن بحاجة إلى أي وقت للعطاء الجاد الذي تحتاج إليه الأوضاع الصعبة التي يعيشها العالم في هذا الزمن الصعب.
ونحمد الله أن اقتصر الحال في البحرين على البث الإذاعي.. وهذا هو ما يجعلنا نوجه الشكر جزيلا للسادة النواب القدامى الذين أحبطوا مشروع تخصيص قناة فضائية بحرينية نيابية في حينه.. وإلا لكنا مازلنا نبحث في موضوعات معظمها مؤجل من الفصل التشريعي الأول حتى الآن!!
أما الإنجاز الثاني فهو الذي يجسد عبارة «عين الصواب».. بل هو الذي ضرب أروع الإنجازات العقلانية على طريق الممارسات البرلمانية العملية.. ألا وهو كما أشرنا في البداية إقرار 340 قرارا بقانون في وقت قياسي تاريخي.. حيث استجاب المجلس المصري للدعوة بسرعة إنجاز هذه القوانين على وجه السرعة من أجل التفرغ للقضايا الأخرى وهي عديدة تلح على الجميع الالتفات إليها.. ثم - كما قيل - بعد 15 يوما من إقرار هذه المراسيم يمكن المبادرة بالسير في طريق تعديل ما يحتاج إلى التعديل أو تغيير ما يحتاج إلى تغيير وفقا للأساليب البرلمانية والتشريعية المرسومة، وكلها متاحة.
أما الاعتراض والرفض لقوانين صدرت في غيبة البرلمان منذ أكثر من سنتين فهو العبث بعينه, حيث هناك مراكز قانونية قد استجدت واستقرت, وأمور أنجزت.. الأمر الذي يترتب على عدم الاعتراف بها قلب الأوضاع رأسا على عقب بسبب مقتضيات إزالة آثارها بأثر رجعي!
العقلاء في مصر قالوا ما هو أكثر من ذلك.. فقد قالوا: إن هذا الرفض لأي من هذه القوانين يمثل كارثة سياسية.. حيث يترتب على هذا الرفض والإلغاء لهذه القوانين الـ(340) أو أي منها هدم مؤسسات دستورية, كالانتخابات الرئاسية والتشريعية, إضافة إلى قوانين تتعلق بأمن البلاد والمجتمع كالإجراءات الجنائية والعقوبات, وهي التي يترتب على عدم إقرارها خروج جميع المتهمين في الجرائم الإرهابية.
لقد انقسم الرأي العام في مصر إزاء هذه الظاهرة الجديدة التي رآها.. حيث الطريقة المستحدثة لطرح ونظر وإقرار هذه القوانين.. والاتفاق منذ البداية على الاكتفاء بقراءة اسم القانون وموضوعه ثم التصويت عليه بالموافقة.
وصحيح أنه لا يزال هناك عدد من القوانين مختلف عليها ولم تتم الموافقة عليها.. وهذه القوانين لا تزال مطروحة، منها قانون الخدمة المدنية وبعض القوانين ذات العلاقة بالحريات.. لكن المجلس قد نجح في حسم الأغلبية العظمى من هذه القوانين الصادرة في غياب مجلس النواب.. وإن كنت أجزم بأن هذه القوانين هي الأخرى سيتم إنجازها قريبا بنفس المنطق الذي يختار أسلوب السعي نحو تعديل هذه القوانين غير المرضي عنها بعد (15) يوما.. وهذه كلها ظواهر وممارسات صحية وعقلانية.. لكن القول باللجوء إلى الرفض وزعزعة المراكز القانونية التي ترتبت على صدورها واستقر تنفيذها.. فهذا في ظني هو «الهدم الغشيم» و«كعبلة الأمور» و«تعطيل المراكب السايرة».. وإن كانت كلها تسير بحسب القانون الذي صدر في إطار دستوري سليم.
كل هذا الذي حدث في مجلس نواب مصر يختلف اختلافا جوهريا عما حدث ويحدث في نظيره البحريني الذي ينظر إلى صدور أي قانون في غيبة البرلمان عبر ما تقتضيه الحاجة والضرورة والسرعة وإنقاذ ما يمكن إنقاذه على أنه كارثة قد حلت على الجميع.. مع أن صدور قوانين في غيبة البرلمان بمراسيم ملكية أمر يتوافق مع صلب وصميم دستور المملكة.. بل كل دساتير العالم.
لقد ظهر من خلال مناقشة هذه المراسيم بعد صدورها في البحرين عبر الجلسات العامة للمجلس النظر إلى مثل هذا الأسلوب أو الإجراء الدستوري على أنه افتئات عليهم وعلى دورهم القانوني والدستوري والشرعي.. أو أن مثل هذا الإجراء الدستوري هو سلب لواحد من أهم حقوقهم الدستورية.. يعني المسألة مسألة غيرة في غير موضعها رغم أنهم – أي السادة النواب – هم الذين يعلمون قبل غيرهم أن صدور قوانين في غيبة مجلسهم هو إجراء دستوري سليم.. وإن كان يخضع لشروط.. لذا نشبت مشكلة التمسح والتأويل في مدى توافر هذه الشروط.. وكل ذلك عبر تباين شديد في آراء وتفسيرات السادة النواب.. من دون الرجوع إلى النوايا التي لا شك أنها تصب في صميم المصلحة الوطنية العليا.. وهذا أمر غير مختلف عليه.








إقرأ أيضا لـ""

aak_news