العدد : ١٦٣٨١ - السبت ٢٨ يناير ٢٠٢٣ م، الموافق ٠٦ رجب ١٤٤٤هـ

العدد : ١٦٣٨١ - السبت ٢٨ يناير ٢٠٢٣ م، الموافق ٠٦ رجب ١٤٤٤هـ

هوامش

عبدالله الأيوبي

ayoobi99@gmail.com

الدور السلبي لقوى «الإسلام» السياسي



على مدى التاريخ الحديث للدول والشعوب العربية، أي منذ مطلع القرن الماضي حتى وقتنا الحاضر لعبت الأحزاب السياسية ذات التوجهات العلمانية والليبرالية بمختلف منطلقاتها الآيديولوجية، العلنية منها والسرية في غالبية الدول العربية، إن لم يكن فيها جميعا، دور الوعاء الوطني القادر على احتضان جميع أفراد مكونات هذه الشعوب التي اندفعت نحو العمل السياسي وخاصة في أوج حركة الاستقلال والتحرر من الاستعمار وتحت تأثير حركة النهضة وما حققته الأحزاب السياسية في الدول الأوروبية من خطوات تقدمية لصالح مختلف الفئات والمكونات الاجتماعية، حيث وجد أبناء الشعوب العربية في الأحزاب السياسية تلك القافلة القادرة على نقل طموحاتهم وأمنياتهم من حالة الحلم والتمني إلى واقع يعيشونه كما هو حال الشعوب الأخرى في الدول المتقدمة.
لم يعرف العمل الحزبي في أوساط الشعوب العربية ذلك التشظي العمودي والاستقطاب التجزيئي والفئوي للأفراد من مختلف المكونات المجتمعية، وإنما كانت بيتا وطنيا جامعا بغض النظر عن قدرة هذه الأحزاب على التأثير في الحياة اليومية والأحداث السياسية التي شهدتها البلدان العربية خلال فترات مختلفة، وخاصة تلك التي شهدتها هذه الدول في بدايات ومنتصف القرن الماضي، فهناك عوامل ذاتية إلى جانب ظروف موضوعية حالت دون تمكن هذه الأحزاب من لعب الدور الذي قامت من أجله ومن تأدية رسالتها الوطنية التي حملتها، ومن هذه الظروف والعوامل تصدي القوى الاستعمارية والسلطات المحلية في معظم الدول العربية للأنشطة السياسية بل وحظرها بقوة القانون.
كان بإمكان مثل هذه الأحزاب من منطلق توجهاتها العقدية وبوصلتها السياسية والآيديولوجية (أعني الأحزاب العلمانية بتوجهاتها اليسارية واليمينية) أن تلعب دور الواقي لدرء الانحدار الخطير في العلاقات بين مختلف المكونات العرقية والدينية والمذهبية في العديد من الدول العربية بعد صعود قوى الإسلام السياسي ودخولها بقوة إلى الميدان السياسي مستفيدة من عدة عوامل منها تراجع حراك القوى العلمانية من جهة، ومن جهة أخرى تعرض هذه القوى لمضايقة السلطات المحلية وعرقلة أنشطتها السياسية ومحاربتها.
فالأحزاب العلمانية، بمختلف تسمياتها وانتماءاتها الآيديولوجية هي المؤهلة بحكم تركيبتها العقدية، للقيام بهذا الدور على خلاف قوى الإسلام السياسي التي تفتقر لمثل هذه الإمكانية باعتبارها قوى محصورة ومحكومة بأطر ضيقة، دينية كانت أم مذهبية، بل إن صعود وظهور الأحزاب السياسية من رحم الحركات الدينية تسبب في إحداث شروخ عمودية خطيرة داخل المجتمعات التي ظهرت ونشطت فيها، فهذه الأحزاب خلقت حالة استقطاب تجزيئي على أسس دينية ومذهبية بحيث تحولت إلى بيوت ذات صبغة ولون ديني أو مذهب واحد، الأمر الذي أسهم في إضعاف التلاحم المجتمعي تحت المظلة الوطنية الجامعة.
لو أخذنا مثالا على ذلك واحدا من أقدم أحزاب قوى الإسلام السياسي في الوطن العربي وهي جماعة الإخوان المسلمين التي أسسها حسن البنا في مصر في مارس عام 1928، فإنما هي تأسست كحركة إسلامية وعجزت على مدى أكثر من ثمانية عقود من تأسيسها عن أن تتحول إلى حضن وطني مصري يأوي بين جنباتها مختلف مكونات الشعب المصري من مسيحيين ومسلمين وغيرهم من المكونات الدينية والمذهبية على خلاف أحزاب علمانية استطاعت، رغم صغر ومحدودية انتشارها الجماهيري، أن تضم بين هذه الجنبات جميع المكونات المصرية.
ما ينطبق على جماعة الإخوان المسلمين في مصر ينطبق على جميع فروعها في الدول العربية، كما ينطبق على جميع قوى الإسلام السياسي من مختلف الانتماءات المذهبية إذ أن جميع هذه القوى تتشكل من لون مذهبي أو ديني واحد، ومن المستحيل أن تجد تلونا وطنيا في أوساط هذه القوى وبالتالي فهي لا يمكن أن تكون ممثلا حقيقيا لجميع المكونات المجتمعية وإنما تمثيلها يكون محصورا في أوساط فئة دينية أو مذهبية واحدة دون سواها، وهذه واحدة من العلل المؤثرة على قدرة قوى الإسلام السياسي على الانفصال عن الازدواجية والتناقض بين المواقف النظرية والتطبيق العملي لهذه المواقف.
صحيح أن قوى الإسلام السياسي هي التي تتبوأ صدارة المشهد السياسي في غالبية الدول العربية، لكن هذه الصدارة لا توفر لهذه القوى القدرة على أن تصبح وعاء وطنيا جامعا، وإنما ستبقى محصورة في الإطار الديني أو المذهبي الذي يحكم حركتها وأنشطتها، وبالتالي فإنها لا يمكن أن تكون جزءا من المحرك القادر على بناء دولة المواطنة التي توفر حقوقا متساوية لجميع أبنائها بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية أو المذهبية.
المجتمعات العربية لن تكون استثناء إلى ما لا نهاية بل سيكون حالها في المستقبل حال الكثير من المجتمعات البشرية في كافة بقاع المعمورة التي انعتقت من أسر الذي يعتبر عاملا مهما من العوامل التي وفرت قسطا لا يستهان به من الظروف الموضوعية التي مكنت هذه القوى من القفز إلى صدارة المشهد السياسي والاجتماعي في الوقت الراهن.






إقرأ أيضا لـ"عبدالله الأيوبي"


//