العدد : ١٦٣٨١ - السبت ٢٨ يناير ٢٠٢٣ م، الموافق ٠٦ رجب ١٤٤٤هـ

العدد : ١٦٣٨١ - السبت ٢٨ يناير ٢٠٢٣ م، الموافق ٠٦ رجب ١٤٤٤هـ

هوامش

عبدالله الأيوبي

ayoobi99@gmail.com

الشعب التركي يدفع الثمن



تعرضت مدن تركية ذات أهمية سياسية واقتصادية كبيرة في الآونة الأخيرة لعمليات إرهابية خطيرة راح ضحيتها عشرات من المدنيين الأتراك والأجانب وخاصة من السواح وتبنتها ما يسمى الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)، وهذه العمليات تعتبر من أشد الأعمال الإرهابية التي تتعرض لها المدن التركية في السنوات الأخيرة الماضية وتستهدف التجمعات المدنية من دون سواها، بل يمكن القول إن هذا النوع من العمليات نشأ بعد تفجر الأوضاع في سوريا وتدفق العناصر الإرهابية على جميع المناطق السورية من كل بقاع العالم مستغلة «التغاضي» التركي والدعم اللوجستي الذي تحصل عليه عبر الحدود التركية السورية الطويلة، فتركيا لم تعرف هذا النوع من العمليات الإجرامية من قبل ذلك إن جل الصراع الدموي كان متركزا بين عناصر حزب العمال الديمقراطي الكردستاني التركي والجيش التركي من دون أن يستهدف الحزب التجمعات المدنية كما تفعل (داعش) الآن.
الموقف من الإرهاب ومن العمليات الإرهابية والقتل العشوائي الشامل للمدنيين الأبرياء، يجب ألا يكتنفه أي غموض أو تبرير ولا أن يكون مرتبطا بأي شكل من الأشكال بالموقف من النظام السياسي في البلد الذي يتعرض لمثل هذه الأعمال الإجرامية، وبالتالي فإنه لا يمكن أن يكون هناك موقف متردد من إدانة العملية الإرهابية الأخيرة التي وقعت في قلب مدينة إسطنبول التركية واستهدفت السياح الأجانب في تلك المنطقة، فمثل هذه الجرائم لا يمكن قبول أي موقف يبررها، فالإرهاب لا يمكن أن يكون مرفوضا هنا ومقبولا هناك، ومثل هذه الجرائم لا يمكن إعطاؤها صفة النضال كما يحدث الآن على الساحة السورية مثلا.
هل ما تتعرض له تركيا الآن من أعمال إرهابية وجرائم قتل جماعية في أوساط المدنيين الأبرياء هو ارتداد طبيعي للسياسة الخاطئة التي انتهجها حكم جماعة الإخوان المسلمين في تركيا (حزب العدالة والتنمية) من الأزمة السورية؟ الجواب بنعم على هذا السؤال لا يعني تبرير تلك الجرائم الإرهابية، فالسياسة الخاطئة التي يسلكها النظام التركي حيال الأوضاع في سوريا لا يجب أن يدفع ثمنها الشعب التركي والأبرياء الآخرين، فالجرائم الإرهابية التي ضربت تركيا حتى الآن استهدفت التجمعات المدنية البريئة وهي غير مسؤولة إطلاقا عن أخطاء حكومة جماعة الإخوان المسلمين التركية.
فالخلاف مع الحكومة التركية لا يتعلق بموقفها من النظام السوري بقيادة الرئيس بشار الأسد في سوريا، فمن حق تركيا أن تصادق ما تشاء من الأنظمة السياسية وأن تختلف مع من تشاء، أما من حيث قبولها أو رفضها لطبيعة النظام السوري أو غيره، فهذه مسألة تختلف تماما، فالشعب السوري وحده صاحب الحق في تحديد النظام السياسي الذي يحكمه، ومع أننا مقتنعون بأن الشعب السوري الشقيق يستحق نظاما سياسيا يختلف عن النظام الذي يحكمه حاليا إلا أن هذه القناعة لا يجب أن تسلب الشعب السوري حقه في تحديد خياراته بنفسه، وليس من خلال الوصاية والفرض الخارجي كما تتعامل تركيا الآن وغيرها مع الأزمة السورية.
خلافنا مع تركيا ليس في الموقف من النظام السوري، فلكل طرف قناعاته ومواقفه التي يراها، الخلاف حول الانزلاق غير المدروس والخاطئ في حساباته السياسية، بل والأعمى لتركيا في هذه الأزمة، فالحكم التركي وتحت حجة «دعم» «الثورة» السورية والحق المشروع للشعب السوري في التمتع بحقوقه الإنسانية الكاملة فتحت أبوابها وحدودها لاستقبال العناصر المقاتلة من مختلف دول العالم وساهمت في تحويل سوريا إلى واحدة من أخطر بقاع العالم من حيث تجمع الإرهابيين وتملكهم بمواطئ أقدام قوية ومؤمنة في الكثير من المواضع لدرجة استدعت تدخل دول عظمى وكثيرة في الآونة الأخيرة للحد من خطورتها بعد أن تجاوزت هذه الخطورة الحدود السورية والعراقية إلى حدود الدول الأخرى بما فيها تركيا.
الشعب التركي البريء هو الذي يدفع الآن ثمن أخطاء حكومته في تعاملها مع الأزمة السورية ومع المطالب المشروعة للشعب السوري الشقيق من خلال سماحها وتشجيعها وتبنيها لتدفق عناصر الجماعات الإرهابية إلى الداخل السوري، فهذه الأخطاء لم تجر الويلات على الشعب التركي فحسب وإنما ساهمت في تشويه المطالب المشروعة للسوريين بعد أن تمكنت الجماعات الإرهابية من حرف مسار هذه المطالب نحو أعمال لا تمت بصلة لهذه الحقوق عبر استهداف الأقليات العرقية والدينية والمذهبية التي شكلت على مدى قرون فسيفساء جميلة ميزت الشعب السوري بشكل دقيق، وساهمت في تقوية نسيجه الوطني.
فتركيا وغيرها من الدول التي تعرضت لإرهاب (داعش) مثل فرنسا وبريطانيا والعديد من الدول، مسؤولة عن تحويل سوريا وليبيا إلى أخطر بؤر تأوي الإرهابيين من مختلف بقاع العالم، فهذه الدول ساهمت في إسقاط نظام العقيد معمر القذافي في ليبيا وإضعاف النظام المركزي في سوريا وهي مسؤولة الآن اكثر من غيرها عن محاصرة هذا الغول الخطير، الذي لا يهمه من احتضنه ومن موله وأطعمه. على الحكومة التركية أن تراجع سياستها تجاه (داعش) وغيرها من الجماعات الإرهابية التي تهدد أبناء الشعب التركي، كما تهدد أبناء الشعوب الأخرى وأن تنتقل أنقرة من الحرب الورقية على الإرهاب إلى التحرك الفعلي لمواجهة هذه الآفة الخطيرة، فمن يضع عقربا ساما في جيبه عليه أن يتوقع لدغته في أي لحظة.






إقرأ أيضا لـ"عبدالله الأيوبي"


//