العدد : ١٥١٨٦ - الاثنين ٢١ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٢ صفر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٨٦ - الاثنين ٢١ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٢ صفر ١٤٤١هـ

الثقافي

سرديات:
كيف نجعل من السرديات العربية مقررات أدبية جاذبة في مجال التلقي الأكاديمي؟ 3-4

بقلم: د. ضياء عبدالله خميس الكعبيّ

السبت ١٦ يناير ٢٠١٦ - 03:00



ذكرنا عند حديثنا عن هيمنة التحقيب التاريخيّ على درس الأدب العربيّ القديم وجود أصوات ونبرات معارضة لهذا التقسيم تمثلت في طه حسين وشكري فيصل وسواهما من الذين لم يرتضوا أبدًا هذه القسمة، وأخذوا يبحثون عن طرائق جديدة فاعلة وناجعة لدروس الأدب تحدث تكاملاً بين التاريخيّ والأدبيّ الجماليّ على أن تكون الأولوية للأدبيّ ويأتي التاريخيّ والثقافيّ مساندًا ومكملاً. ورأينا في محاولة شكري فيصل واحدة من المحاولات التكامليّة منهجيًا بغض النظر عن موافقتنا أو مخالفتنا إياها.
في أوائل الألفيّة الثالثة خصّصت مجلة (الآداب) البيروتية ملفًا كاملاً عن تدريس الأدب العربيّ في بعض الجامعات العربيّة وبعض الجامعات الأجنبيّة في بريطانيا وأمريكا 1. وقد شارك في الملف بعض الباحثين من جامعات لبنانية ومصرية ومغربية وأمريكية مثل الأكاديمي والناقد المغربيّ محمد مفتاح والأكاديمي رشيد بناني وعبدالعالي بوطيب وإدريس نقوري والناقد المصريّ سيد البحراوي والناقدان اللبنانيان سامي سويدان ومصطفى الجوزو وأستاذة الأدب العربيّ بجامعة كولومبيا ماجدة النويهيّ. وتعود أهمية هذا الملف إلى عوامل عدة منها حداثته الزمنية نسبيًا إذ أُعِدَ في عام 2001، وكذلك اشتماله على توصيفات وتحليلات معمقة عن واقع دروس الأدب العربيّ بما في ذلك دروس النثر العربيّ القديم والإشارة أيضًا إلى فلسفة التعليم والبيداغوجيا المطبقة إلى جانب العوائق والعراقيل التي تحول دون تحقيق مقررات الأدب العربيّ لأهدافها وفقًا لسياسة المدخلات والمخرجات. ونظرًا إلى أهمية هذا الملف سنستفيد من نتائجه مما جاء فيه في توصيفنا لدروس النثر العربيّ القديم في بعض الجامعات الخليجيّة في التحليل والربط والمقارنة.


ـ أنموذج مقترح لتدريس مقررات النثر العربيّ القديم في الجامعات العربيّة:
النقطة الأولى في النموذج المقترح: لا بد من اتساق مقررات النثر العربيّ القديم ضمن منظومة نسقية متكاملة في إطار دروس الحضارة العربيّة الإسلاميّة:
أشرنا ونحن بصدد تحليل مساقات النثر العربيّ القديم في بعض الجامعات الخليجيّة إلى غياب النسق المتكامل والمنظومة الكلية التي تحوي مقررات الأدب العربيّ القديم مما أدى إلى بروز النظرة التجزيئيّة المتشظية التي حوّلت هذه المساقات إمّا إلى دروس مدرسية في تاريخ الأدب وإمّا إلى نصوص مزدحمة يُؤتى بها للحفظ وللاستشهاد على ظاهرة أدبيّة معينة لتحقيبها تاريخيًا أو لتصنيفها نوعيًا أي وفقًا لنظرية الأنواع الأدبية.والجامعات الخليجيّة في هذا التناول الذي بيّناه ليست بدعًا ولا منفردة وإنما هذه هي الصورة السائدة في معظم الجامعات العربيّة في نطاق تدريس الأدب العربيّ باستثناء الجامعات التونسيّة التي يوجد بها شعبة تاريخ الحضارة ضمن قسم اللغة العربيّة التي تقوم أساسًا بالإفادة من مقاربات مناهج النقد الأدبيّ مثل البنيوية والبراغماتيّة والوظيفيّة ومن مقاربات العلوم الإنسانيّة مثل الأنثروبولوجيا الثقافية الدينية وعلم الأديان المقارن في النظر إلى النصوص بوصفها ظواهر اجتماعيّة وثقافيّة يتم إنتاجها في سياق تاريخيّ متحرك. وقد اعتمدت الجامعة اللبنانية منذ تأسيسها سنة 1959 «شهادة في الحضارة العربيّة» تتضمن دراسة الحضارة العربيّة الإسلاميّة في العصور: الجاهليّ والإسلاميّ والأمويّ والعبّاسيّ والأندلسيّ وماسمي عصرا الانحطاط والنهضة.2
إنَّ غياب بعض المواد عن بكالوريوس اللغة العربيّة مثل الفلسفة وعلم الأصول ودروس الحضارة العربيّة الإسلاميّة؛ أي غياب النسق الشامل الناظم للمعارف أدى بدرس الأدب إلى أن يصبح معرفة تجزيئية أو تخصصية بحتة بالمادة بعيدًا عن المنهجيّة الشاملة الناظمة إذ لا فلسفة ولا إطار فلسفي فكري ينتظم هذه الدروس. وقد أشار الناقد المغربيّ محمد مفتاح إلى غياب الرؤية الناظمة للمشروع الثقافيّ والحضاريّ للأمة العربيّة عن دروس الأدب العربيّ في الجامعات المغربيّة مما أدى إلى التعامل الانتقائيّ والعشوائيّ للمناهج إذ يقول في حديثه عن بنية مقررات الأدب في الجامعات المغربيّة «تصادفنا في هذا الصدد سيادة المنظور التجزيئيّ على التفكير في قضايانا التربوية والتعليميّة وإشكالية غياب المشروع الثقافيّ والحضاريّ للأمة؛ فالمقررات الخاصة بالدرس الأدبيّ يغلب عليها الطابع الانفصاميّ التجزيئيّ. إنهّا مجرد أشتات من الأدب الجاهليّ والأمويّ والعبّاسيّ ومن أدب عصر النهضة والعصر الحديث لا ينتظمها مشروع لاحم وتعتمد الانتقائية في اختيار موادها الأدبيّة فتنصب على كبار الشعراء الذين أُنجِزت حول إبداعاتهم الشعرية دراسات مختلفة. وتتميز مقررات الدرس الأدبي بظاهرة الانفصال عن الواقع الذي أنتج النصوص الأدبيّة فطالب الأدب مثلا يدرس أشعارًا من العصر العبّاسيّ دون أن يدرس ما يوازيها في التاريخ وعم الكلام والمنطق والبلاغة ومن كل ما يخص الحضارة في العصر العبّاسيّ، وكأنَّ النص الذي يدرسه هذا الطالب منزلا من السماء أو مفصولاً عن سياقاته المؤثرة فيه. ومن شأن ذلك أن يؤثر في درجة إدراك النص وفهم فعاليته وتحسس إيماءاته وإحالاته».3
1 مصطفى الجوزو «في مناهج اللغة العربية وآدابها في الجامعة اللبنانية: نظرة تاريخية نقدية»، مجلة الآداب، العددان5/6، أيار/ مايو-حزيران/ يونيو 2001، ص81.
1 محمد مفتاح، «الدرس الأدبي في الجامعة المغربية وغياب المشروع الحضاري»، مجلة الآداب، العددان 5/6 أيار/ مايو- حزيران/ يونيو 2001، ص47.
1 انظر: مجلة الآداب، بيروت، العدد 5/6، أيار /مايو- حزيران/ يونية 2001 السنة التاسعة والأربعون، (ملف تدريس الأدب العربي في الجامعات)، ص ص45-95.
2 مصطفى الجوزو «في مناهج اللغة العربية وآدابها في الجامعة اللبنانية: نظرة تاريخية نقدية»، مجلة الآداب، العددان5 /6، أيار/ مايو- حزيران/ يونيو 2001، ص81.
3 محمد مفتاح، «الدرس الأدبي في الجامعة المغربية وغياب المشروع الحضاري»، مجلة الآداب، العددان 5/6 أيار/ مايو- حزيران/ يونيو 2001، ص47.




كلمات دالة

aak_news