العدد : ١٥٢٣٦ - الثلاثاء ١٠ ديسمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٣ ربيع الآخر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢٣٦ - الثلاثاء ١٠ ديسمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٣ ربيع الآخر ١٤٤١هـ

الثقافي

قصة قصيرة
مواجهة خطــرة

بقلم: محمد المرباطي

السبت ١٦ يناير ٢٠١٦ - 03:00



فرعك الباسق يترنم في زرقة السماء.. أشاهد ظلك المتحور من جسدك الممشوق القوام.. كنت تقف بجانب نخلة جنية الرطب.. تحتمي بجذعها الصلب.. تتقي درء شر غادر مستطير لا تدري مكمنه الخفي.. ولا تعلم أنَّى ينتشر كفطر سام برؤوس سوداوية مروعة.. لم تكن لتعبأ من ارتفاع لهيب الشمس المشرقة بنعومة الحرير في ذاك الصباح الندي.. ولا لتضجرك نعيق الزواحف ولا هسهسة الفئران المزعجة.. ولا لتضايقك صخب أجنحة طيور الفضاء المحلقة.. لم تكن لتبالي بشيء.. لا تحمل همًّا ولا تشتعل في قلبك النقي آبار الكراهية.. تحمل في وجدانك براءة الصغار العطوفين.. لا تعلم من أمر دنياك وما يحيط بك من الكيد والمؤامرات.. وحدي الذي كنت أحمل همّ التفكير في مستقبلك المظلم.. وقدرك المحزن الذي ستحمله ما بقي من عمرك الشاب.. مطرك سيكون الخوف.. ربيعك سيغدو الألم.. حلم وطنك.. أمل أبنائك.. إن حياتك المؤلمة تؤرقني.. اليوم سأحدثك لتواجه مصيرك القاسي الذي ابتليت به.. سآخذك في جولة أعلمك فيها قوة الصبر والتحمل.. حدثتك قائلا:
- انظر إلى تلك الحديقة اليانعة الخضرة، ماذا تجد فيها؟
قلت برهافة القلب الطهور.. وبسماتك تسبقك:
- أرى الأشجار الشاهقة المتدلاة من بين أغصانها الثمار الشهية.. وهناك ألمح شجيرات صغيرة تحمل أصنافا من الفواكه اللذيذة.. وأرى سيقان الخضراوات الورقية المنبسطة على الأرض بزهور خلابة وتبرز من بين بعضها نضج حبات الطماطم والخيار والقرنبيط..
مسحتُ على شعر رأسك الناعم الذي يعبث نسيم رائق الهبوب بخصلاته وأنا أسألك:
- أكنت غافلا عن الخيرات الوفيرة التي تعم هذه الحديقة قبلا..؟
أجبتني وأنت تنظر حواليك بعينيك الشهلاويتين التي غلبهما الحياء من هذا السؤال المباغت وتهمس بتلعثم:
- لا أدري.. لم أكن أتوقع أن كل هذا الخير موجود فيها..
طفتُ معك في أرجاء الحديقة المنعشة للروح والأبدان المتعبة المنهوكة، وتطرب لها الآذان المرهفة الذواقة لألحان الطيور والبلابل. وسألتك مرة أخرى لاختبر وعيك ونضجك في الحياة:
- أتعلم كيف نمت هذه الحديقة الغناء الشهية الفواكه والخضراوات..؟
رأيتُ عليك ألوانا قاتمة من طيف قزح ترتسم خجلاً على محياك البريء.. فأجبتَ كالغافل الماسك على جمرات جهله:
- آسف.. إني لم أفكر قط في ذلك..
أمسكتُ بيدك ودسستها في الطين الموحل البني الغامق.. قائلا لك:
- خذ شيئًا في قبضتك من تراب الحديقة.. ماذا ستنبئك تلك الحفنة من الطين المبلول؟
تغمس أصابعك الواهنة وتلطخ يدك بالوحل المتسرب بين أصابعك، وأنت تقول فرحا:
- إنها ناعمة ولها رائحة جذور النباتات الزكية.. يا له من طين جميل في ألوانه البنية المائلة للصفرة تجعلني أشكلها على هيئة ألعاب ودمى فخارية.
تفكيرك الغض يجعل الصدر المغتم ينشرح.. طلبت منك أن تعاين التربة جيدا وسألتك:
- لماذا التربة الجميلة هذه كما وصفتها، تجعل الأشجار الخضراء منعشة ومثمرة وخضراواتها الورقية زاهرة ناضجة؟
كدتُ أن أشفق عليك وأنت تلوك التربة بين أصابعك الخمسة المنحنية، محتارا ضائعًا كمن يبحث في أعماق بحر لجي عن سر جريانه الدائم، وتجهد تفكيرك لتحضر جوابك على السؤال الصعب العصي على إدراكك وفهمك.. وتهز رأسك نافيًا بحركات من شفتيك المرتسمة بتعابير الإحراج الخجلة على قسمات وجهك المرتبكة وأنت تقول:
- أرجوك علمني.. أريد أن أنشأ حديقة رائعة مثلها.
بدأتُ أعجب بك.. إنك تريد أن تتعلم.. وهذه الخطوة الأولى المهمة في هذه الحياة القاسية المريرة.. سأخبرك بالنقطة الأساسية، قائلا لك:
- اشتم هذا الطين أولاً.. إنك ستجد رائحة الحب المنبعثة من ثنايا هذه التربة الناعمة.. انك لا بدَّ أن تعشق هذه التربة، كعشقك للحياة الرائعة.. إنها ستحبك هي بدورها وتنمو وتكبر مع غنائك لها ولمسها برقة أناملك.. والمياه الرطبة التي تراها مختلطة بها هي التي تشفق عليها وتعطيها من روحها وتغذيها بالحياة.. فإنّ أهملت ريها الدائم وسقيها الدؤوب فمآلها إلى الهلاك والذبول.. وستجد في عمق هذه التربة الصغيرة في قبضتك أشياء ثمينة ونفيسة لا تراها بعينيك التي لم يقو بصرها بعد ولا تحسها برؤيتك التي لم تتوسع بصيرتها إلى الآن.. إنها عناصر التغذية الأساسية المتحللة الذائبة في ذراتها.. فاحرص على توفير أغلى العناصر الغذائية المكملة لتمتصها الجذور بشكر وامتنان لتهب لك ما تشتهيه نفسك من ثمارها.. وأخيرا، لا تحرمها من أهم عناصر وجودها والتي لن تكلفك البتة.. أشعة الشمس وضوؤها المتدفق الوهاج..
أخذت تصرخ فرحا متراقصا ما بين الزهور والثمار وأنت تقول بلغتك العذبة:
- لقد حفظت كل أسرارك..
مازلت قلقًا عليك وعلى مستقبلك.. فأنت بعد لم تفهم كثيرا.. هناك مازال الكثير من الصعوبات المتربصة بك.. والكثير من الأعداء الانتهازيين لا ينتهون.. يتجددون للفتك بك كتجدد خلايا الجراثيم القاتلة، كلما تهيأت لها منك الغفلة والاهمال والشرود.. سألتك سؤالا أخيرا متوسمًا فيك الأمل:
- لقد علمتَ أسرار نمو أرضك وازدهارها وإنتاج خيراتها.. أتكفيك كل هذه الأسرار؟
أصفر وجهك.. وأخذتك الدهشة الغريبة.. وكدت تبكي لهذا السؤال الصعب عليك، وأنت تقول:
- أبعد كل ما علمتني هناك أسرار خافية؟ لقد أصبحت خائفًا من هذه التربة الموحلة اللزجة في يدي.
ربتُ برفق على كتفك الذي بدأ يشتد ويقوى.. طمأنتك بأن هذه الأسرار المخيفة، هي أهم ما تحمي بها تربتك مدى الدهر، وتستمر حياتك المثمرة في العطاء.. هونتُ الأمر عليك.. مبددا مخاوفك بقولي:
- لا تبتئس.. تعال معي إلى تلك الشجيرة الصغيرة التي تتساقط أوراقها وتجف ثمارها.. امسك هذا المعول واحفر بعمق تحت هذه الشجيرة الذابلة الروح..
ما الذي دهاك..! ما بك..؟ لِمَ ترتجف خوفا..؟ ارجع ولا تخف.. إنها مجرد دودة عملاقة الحجم بشعة الألوان.. اقلع الشجيرة التي تحتها هذه الدودة..
الفزع والرعب أخذا منك كل مأخذ، وأنت تصيح مولولا:
- أوه ما أبشعها من دودة مقززة.. يا إلهي.. توجد منها المئات تحت هذه الشجيرة المسكينة.. لقد التهموا جذورها وسيقانها.
رحت أتأمل خوفك وفزعك، وأرقب تصرفك العفوي في مواجهتك الخطرة معها للقضاء عليها.





كلمات دالة

aak_news