العدد : ١٥١٧٩ - الاثنين ١٤ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٥ صفر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٧٩ - الاثنين ١٤ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٥ صفر ١٤٤١هـ

الثقافي

بــريـــدا... عـالــم مـن السحــــر

قراءة: زهراء الشيخ

السبت ١٦ يناير ٢٠١٦ - 03:00



من أنا؟ تمحورت رواية الكاتب باولو كويلو «بريدا» حول الاجابة عن هذا السؤال، والذي طرحته البطلة «بريدا»، سؤال بسيط للوهلة الأولى لكنه الأخطر حين يتعلق الأمر بالإنسان وقدره، والرواية هي الرحلة التي فيها عرفت واكتشفت البطلة ذاتها. وهناك عدة طبعات وإصدارات للرواية في أكثر من دار نشر.
في بريدا ينطلق كويلو من تأكيد القوة الداخلية عند الإنسان، تلك القوة التي تمنحه طاقة في تحمل الصعاب، وتدفعه إلى المجازفة والبحث، وهذا الموضوع مثل محور العديد من روايات باولو، وأهمها الخيميائي، وتكون بريدا مدفوعة برغبة الاكتشاف التي لا تهدأ في روحها، فلم ترض أن تعيش حياة بشكل بسيط، بل أرادت أن تكون لها أسطورتها الشخصية.
بينما انطلقت بريدا، من خلال الأسئلة التي تعدها حياة، لاذت بساحر كي يعلمها حكمة الطبيعة، الأكوان المتوازية، الطقوس السرية لتعاليم القمر وتعاليم الشمس، أكّد لها وجوب تحمل ما تتعرض له من عوائق قائلا: «حين تجدين طريقك، ينبغي لك ألا تخافي. أنت تحتاجين إلى شجاعة كافية كي ترتكبي الأخطاء» (ص32).
وبهذا تصبح بريدا تلميذة للساحر الذي رأى أنها خليلته، وتستمر في البحث عن المعرفة وتلتقي الحكيمة ويكا التي تدلها على أن الإنسان أبدي، يمر بحيوات عدة وميتات عدة منبثقًا من مكان مجهول إلى مكان آخر مجهول، ونبهتها إلى اعتياد الحقيقة القائلة إن هنالك أشياء كثيرة في السحر لا ولن يكون بالمستطاع تفسيرها.. تتحدث عن فكرة التناسخ، لا تناسخ الأجساد فقط بل انشطار مرافق للأرواح، حيث كل روح تتحرك وتنشطر إلى اثنين، وتلك الأرواح الجديدة بدورها تتحول إلى اثنين، وهلم جرًّا، حتى يكون الانتشار الواسع في نطاق أجيال قليلة.

توجد شخصيات أخرى في حياة بريدا، منها حبيبها لورينز، الذي تكتشف فيه خليلها، تحبه ويبادلها الحب، على الرغم من أنه لا يؤمن كثيرا بمزاعمها، تقرر أن تكتشف السر معه تحديدًا، وبعض الشخصيات الهامشية.
تؤكد الساحرة ويكا لبريدا أن الإنسان لن يكتشف سر الطبيعة وسر القوة حتى يكتشف سر نفسه، تقول الساحرة عن تلك القوة: «هذه القوة حاضرة في كل شيء من حولنا: إنها حاضرة في العالم المرئي للناس الاعتيادي وفي العالم اللامرئي للناس الاعتيادي وفي العالم اللامرئي للصوفيين. يمكن قتلها، سحقها، إخفاؤها، وحتى إنكارها يمكنها أن تبقى ساكنة على مدى سنوات، منسية في زاوية ما في مكان ما، يمكننا أن نعاملها بأي طريقة نشاء، إنها ما ان يجرّب الإنسان، هذه القوة، حتى يتعذر عليه نسيانها، رجلا كان أم امرأة، (ص133). تكون تلك القوة: الجنس، وسيلة لاكتشاف السر، والسر نفسه يكمن في الجسد، ولا يتمكن الإنسان من اكتشافه إلا عبر الجنس، الذي يشكل بوابة التعرف على العالمين: الداخلي والخارجي، وفي الوقت نفسه يؤكد لها الساحر بدوره أن الجنس بوابة الدخول إلى عالم السحر، وأن علاقات المرء مع العالم الخارجي تأتي من خلال الحواس الخمس، وأن الغوص في عالم السحر يعني اكتشاف حواس أخرى مجهولة، ولا يكون اكتشاف تلك الأبواب إلا عبر الجنس الذي يدفع إلى ذلك. حيث لا يهم ما إذا كان المرء يسعى إلى الحكمة أم السعادة عبر قوة الجنس.
في تلك الأثناء تقرر بريدا أن تكتشف السر مع حبيبها، وتفعل ذلك عندما كانا يتمشيان على طول الحروف، وهكذا اكتشفت بريدا السر، تعلمت السحر، تعرفت على جسر يربط المرئي باللامرئي، ثم استكملت اكتشافها في الليلة الباخوسية التي دعت إليها «ويكا»، حيث اكتشفت أن الإنسان يعيش حقيقته عبر العري، تلك الحقيقة التي قد يسترها الثوب.
من أنا؟ سؤال طبيعي ومهم، وكل فرد منا لا بدَّ أن يكون قد سأل نفسه هذا السؤال مرات، وجميل أن تقرأ قصة أي إنسان أثناء بحثه عن ذاته، وبالأخص إذا كانت رحلة مشوقة وتعرض بأسلوب ممتاز، ومن هذه الناحية تكون قراءة الرواية أمرا بديهيا، لما تميز به هذا الكاتب من أسلوب وأدب رفيع، ولكن الطريق الذي اكتشفت عن طريقه البطلة ذاتها كان غرائبيا بعض الشيء، والطرح ممل لأن فيه تفاصيل دقيقة عن السحر وعالمه، بالإضافة إلى أنه أدخل أمورا فلسفية عن الروح لا يمكن تقبلها، ولكن يبقى عمل له جوانب جيدة وجوانب ليست كذلك، بينما للكاتب روايات تصب في الموضوع نفسه، وتقدم محتوى أفضل بكثير، كروايته «الخيميائي». «بريدا» ليست الأفضل ولا الأنسب، حيث إنَّها تناسب فئات عمرية محددة، كما أنها تتطلب مستويات معينة من الوعي والثقافة، واهتمامات خاصة، لذا لا أنصح بها.




كلمات دالة

aak_news