العدد : ١٥١٨٦ - الاثنين ٢١ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٢ صفر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٨٦ - الاثنين ٢١ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٢ صفر ١٤٤١هـ

الثقافي

أسرة طيبة جدًا - بلاغة التلقي والشرود

بقلم: عبدالمنعم حسن محمود

السبت ١٦ يناير ٢٠١٦ - 03:00



(رائع هذا الظلام، ثقيل الثياب، لكن سوادها يجعلني أرتخي أكثر، أبحث عن جلباب أبي لأنام مستدفئًا، لا أخاف شح السنابل، تلف الكرمة، أو جفاف النيل. لا يهم أن لطمني أمام أم الأولاد، أو حتى صغاري، ونعتني بلفظة- مرة- حين استبد برأيه ألا يرى كم أنا محب وحضاري، حين أناقش امرأتي في أمر تربية الأولاد، لا يهم أن يكون لي رأي، أو ربطني مع بهائمه في زريبة منعزلة من أجل أن يربي الأولاد والأعمام والإخوة والزوجات كما يحب، فنحن أسرة طيبة).
الاحتفاء بإصدار جديد للأديب المصري ربيع عقب الباب، ليست حقلاً لحجز الإنارة والساوند سيستم، والبطاقات الملونة. منجزه (القصصي- الشعري- المسرحي- الروائي)، وليمة متحركة لا يلفت عنقها الفريون، ولا تحترق بفعل الغاز المشتعل من تحتها، تحمل مفاتيح شهيتها لكل مغلوب على أمره، أوقعه حظه الناصع في بروتوناتها موجبة الشحنة. حالة تجريبية لا تكف عن التجريب ولا تعرف غيره، النص يجاور آخر ولا يشتهيه، كل نص أت من ملجأ مغاير، تتسع لهم ثقوب الأزقة ومنعرجاتها، وتستعيذ بمكنونها من منافذ التكييف والقاعات المظللة. أبناء سبيل وعاملين عليها. نصوص مهتدية وضالة حد اليقين. لكل منها خياشيمها وأوكسجينها، حيث لا وحدانية مختنقة بدال مستبد.
(لا تهم خيوط الدم، تروى الأرض تحت أقدامنا، ولا الخمس عشرة غرزة، وعاهة تلازمها حتى الممات، لا يهم كل هذا، فنحن أسرة طيبة)
(أسرة طيبة جدًا)، مجموعة قصصية صدرت مؤخرًا عن دار الإسلام، للقاص والروائي ربيع عبدالرحمن عقب الباب، تزامنًا مع إصدار مسرحيته الجديدة (خسوف). المجموعة القصصية تميزت بألا حبال لها ولا رسن، تتبعك كيفما تبدل مناخ القاع الذي تقطن فيه، تقتسم معك نبق التسامر وأوجاع الروماتزم، ترتق ما انشطر في الوجدان ولا تخبيء إبرتها في جيبها الخلفي. تخرجك من معين اللحظة الراهنة وتدخلك فيها من جديد. كمساوم بارع تحاول أن تقتات من معروضاته، عروض تبني نفسها وتهدمها في آن واحد، تجتاز معها جسور المعنى، ولا تمنحه شرف أن يكون سيدًا:
(ابتلت سراويل السادة، وكبراء البلد، وأنت تحكي ما وقع لك. ضحكا معًا، جلجلت ضحكاتهما، تلاشي موسي. شرد حامد، تذكر حلمه القاسي، وهذه السنين التي قضاها، يجر طاحونة عقب الباب الكبير، بعد أن نفق بغل السرجة، والكرباج السوداني يلذع جلده، وبلا رحمة، ينعق، وينهق كبغل أو ثور عنيد).
تفاصيل للانسداد تقص شريط أنفاقها وفق طريقتها في الهطول والابتهاج. كثبان من رمل المفارقة والمسافات التي تحمل دفترًا للحضور والتأجيل. نصوص خارجة عن مقابر الطاعة ومحددات التغليف سهلة الالتقاط لمن لدية سلسلة فقرية وبضعة انحناءات وحزمة قمصان مزركشة. نصوص لا يفتر متلقيها من تلمس أثر الكتابة بين أنفاسها، وإعادة إنتاجها من جديد وفق ما يشتهيه النخل من سموق- أسرة طيبة جدًا- مجموعة قصصية مستبدة وعادلة. خمس وعشرون نفقًا ومصعد واحد. دهاليز للتحسس واللمعان. منحنيات تغري البياض، بياض الورقة ولا تنحني له. لا تستجيب لتوقعاته، ولا تلفتها انتظاراته.
(نحن أسرة طيبة إلى أقصى حدود الله، نعرف ما لنا وما علينا، والفضل عائد لرب أسرتنا، فهو برغم حكمته، وصبره، قد ينسى حين أتكلم دون إذنه، لغة الكلام).
نصوص- أسرة طيبة جدًا- تعيد تقطير ما ترسب في القاع حد التسامي، لا تعير اهتمامًا لما هو سائل، تتعاطف معه ولا تمنحه نصف ابتسامة شاردة. تسفلت طريقها بأسمنت ساخر، وصلصال اسمر من لهيب الشمس وظلها. لا تحمي شجيراتها بسياج الأنا. الأنا ليست فارهة وليست فخيمة. أنا لا تنتظر ظل الآخر، ترسم ظلالها ولا تعرف ماهية الانحسار وكيفية الحصول عليه.
(في مساء متآمر وجحود، كانت الحجارة تأتي من هنا وهناك، تحطم نوافذ وأبواب المكان، وتقتحم على التمثال خلوته، وقدسيته المعهودة، تصاحبها صيحات وصرخات وحديث كاذب علت به ألسنة النساء والغلمان الذين قهرهم العشق، وما نالوا غير الخيبة والانكسار)
تتعثر وأنت تتجول في المجموعة بنصوص صامتة تخدش الهدوء وتسخر منه حد التقدير والبصق عليه. لا فضيلة في- أسرة طيبة جدًا- غير فضيلة اللامعقول في جلباب المعقول، فضيلة أن يعمل النص على ابعادك عنه كقارئ، فيفشل القارئ والكاتب وينجح النص، ينجح باحتفاظه بكامل بذور البقاء، ولا استسقاء في ظل هذا المطر المهيب.
(عبرت فوق أشواك اللعبة الرخيصة. أنت قارة من شتاء وقيظ، أنت تدرى، وإن لم تقل ذلك، لكن.. أنت تأنف عليك تمزيق الخيوط فورًا تلك التي تشدك إليها، فهي تقطعها كل يوم، وتعود تنسجها لتقطعها، تقرع أجراس الرحيل، كأنها في رقبة عنزة، لا تري شيئًا، تلهو في صحراء وأنت محض عقرب، أيضا لم تعد تفهم شيئا، ربما دلفين طفل، أو قرد.. محض قرد يلهو مع العابرين)
نصوص- أسرة طيبة جدًا- تشتغل على نزعتها القصصية وفق حالة شعرية مبردة حد الغليان، حالة سردية ترتفع درجة حرارة حد التجمد. لا تتدعى حق انعكاس سؤال الحياة على الحياة، وإنما تعمل على تشكيلها على هيئة استفهام لا يسهو. وتسخر من بنيتها القصصية، وتركل بمرفقها الأيسر وحداتها الأرسطية الثلاث، زمانًا ومكانًا وحدث. وتكتفي بسيرتها الجماعية بضمير يتيم يسعده بأنه أنجب نفسه بنفسه ولا حاجة لوالدين.
(لفت انتباهها صوت أنين، بدا ضعيفًا، وحين كانت عيناها تلتصقان بحجر خلف السور ينام في حضن العيدان، كان يعلو، يضغط على روحها بقسوة ليعبر هاجس ملح يتحكم فيه فضول ما، تداخلت في بعضها هاجمات الأنين، رئتاها تشيل وتعبر جسدها، ما بين الأنين وأصوات: كوني دائمًا فوق العريشة، ليراك البعيد والقريب، إياك وتركها. تحول الأنين إلى بكاء، خالطه صفير لا تدري من أين يأتي، احتضنت نخلة من الاثنتين، ضغطتها بقوة كأن وحشًا يجذبها: تأكّدي لو صرخت طلبًا للنجدة، سوف تكون الدنيا عندك. تفتت قوتها، تهدل جناحاها، تهاوي ما تتمتع به من عافية وبأس).






كلمات دالة

aak_news