العدد : ١٥١٧٩ - الاثنين ١٤ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٥ صفر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٧٩ - الاثنين ١٤ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٥ صفر ١٤٤١هـ

الثقافي

قضايا ثقافية
النقيضان في الشعر

بقلم: سلمان الحايكي

السبت ١٦ يناير ٢٠١٦ - 03:00



يذهب الكثيرون إلى القول إن معظم الشعراء العرب في العصور السابقة الجاهلية وما بعده وصولاً إلى العصر الحديث هم أكثر الناس رقة ورومانسية ويكرهون مشاهدة العنف والمواقف الدموية ويميلون إلى الحياة المنعزلة عن الناس ويبتعدون عن الصراعات الفكرية المختلفة ويفضلون (السلام) ويكرهون (الحرب) لأنها تؤدي إلى إسالة دماء البشر.
مثل هذا القول يبدو صحيحًا إذا توافرت الظروف الحياتية الطبيعية لكل البشر وليس للشعراء وحسب ولكنه يختلف عن الواقع حين يتحول الشعر ذاته إلى سلاح فتاك يُحمس ويُحفز إلى القتل وإسالة الدماء.
ليس الشعر العربي بمجمله رومانسيًّا ولا هو واقعيا لكن الصراع على الأرض هو الذي يُحدد مسار المضمون من خلال التعبير عن المواقف الإنسانية ونحن نتحدث الآن عن الشعر لأنه أرقى وسائل التعبير التي اكتشفها الإنسان.
لو نأخذ بعض النماذج التاريخية الشعرية كمواد ثقافية يمكنها أن تُقربنا إلى الفكرة المطروحة، وقبل أن ندخل في صلب الموضوع الذي سوف نثير من خلاله العديد من التساؤلات المهمة.
في الشعر الجاهلي لدينا شخصية (عنترة بن شداد) وهذه الشخصية أشار إليها بعض الباحثون وقالوا إنها (خيالية) ولم يكن هناك (عنترة) ولم تكن هناك (عبلة) لكننا نُخالفهم التحليل لأنّ العصر الجاهلي كان يفتقد العنصر الأساسي للرصد والجمع، والذين لا يعرفون التدوين كيف تمكنوا من تقديم أشعار عنترة بن شداد للعصور التالية؟
إن من يطلع على أشعار هذا الرجل الجاهلي سوف يكتشف قدراته الفذة على قول الشعر فهو الذي عاش في عصر يكاد يكون فيه (السيف البتار) هو السلاح الوحيد الذي يفلق الهامات ويُطيح بالرؤوس وكان عنترة بن شداد بطلاً ومقاتلاً ويعشق إهدار الدماء ويدافع عن قبيلته بقوته الخارقة لكنه في نفس الوقت لديه الحاسة الرومانسية في الحب والغزل مع بنت عمه (عبلة) حتى إن لون البشرة لم يفرق بينهما. فالوالد (شداد) والعم (مالك) بينما والدة عنترة (زنجية سمراء) مثلما كانت تحدثنا الروايات الأدبية عنهم والشعرية بالذات.
إن هذه الشخصية قد أفرزت نقيضين أساسيين هما (الرومانسية والواقعية) فلأننا تلقيناها كما هي ولم نحصل على دليل ثقافي يؤكد لنا أنها خيالية وعلى هذا الأساس فرض عنترة بن شداد وعبلة نفسيهما على الأحداث في العصر الجاهلي وما تلاه.
يقول الشاعر عنترة بن شداد في واحد من النماذج الشعرية الدموية:
(وسيفي كان في الهيجا طبيب
يُداوي رأس من يشكو الصداعا)
وهذا البيت كناية عن القوة والواقعية لكن ماذا يمكننا أن نفسر هذه النماذج له من الشعر الرومانسي وهو يعني بها بنت عمه عبلة:
(في الماء لمَّا تنظري
بيقابلك وجه القمر
وع الأرض لمّا تخطري
تهتز أغصان الشجر)
هناك آخرون غير عنترة بن شداد قدَّموا لنا نقيضين في الشعر الرومانسي والواقعي فهناك تحفيز على الحرب وهنا إشعال لنار الحب والغزل ومثل هذه النماذج من شأنها أن تُقدم للثقافة العربية فكرتين تستحقان التوسع فيهما لتكونا زادًا ثقافيًا لأجيالنا القادمة هم يحتاجونه إذا كانوا جادين في البحث فيه.
في شعرنا المعاصر نجد العديد من الشعراء يعيشون بين هذين النقيضين الرومانسية من جهة والواقعية من جهة أخرى وللشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش مثل هذين الموقفين فهو الإنسان الرومانسي الرقيق في آخر أشعاره لكنه الإنسان المتوقد شرارة في بداياته وينطبق على زميله الراحل سميح القاسم وكذلك نزار قباني وآخرين في كل مرحلة وعصر نجد الشعر يسير وفق المكونات الواقعية ويُعبر عنها باللغة المُتداولة وبالصورة التي تعكس واقع الحياة ومتغيرات الكون.

Sah.33883@hotmail.com





كلمات دالة

aak_news