العدد : ١٥١٨٨ - الأربعاء ٢٣ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٤ صفر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٨٨ - الأربعاء ٢٣ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٤ صفر ١٤٤١هـ

الاسلامي

الإعجاز التشريعي والعلمي في السنة النبوية (5)

بقلم: د. علي أبوهاشم

الجمعة ١٥ يناير ٢٠١٦ - 02:00



أخرج البخاري في صحيحه عن سَعِيدٌ الْمَقْبُرِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْعُطَاسَ وَيَكْرَهُ التَّثَاؤُبَ فَإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اللَّهَ فَحَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ سَمِعَهُ أَنْ يُشَمِّتَهُ، وَأَمَّا التَّثَاوُبُ فَإِنَّمَا هُوَ مِنَ الشَّيْطَانِ فَلْيَرُدَّهُ مَا اسْتَطَاعَ فَإِذَا قَالَ:هَا. ضَحِكَ مِنْهُ الشَّيْطَانُ. باب مَا يُسْتَحَبُّ مِنَ الْعُطَاسِ وَمَا يُكْرَهُ مِنَ التَّثَاؤُبِ. رواه البخاري في صحيحه. هذا الحديث يحمل توجيهات نبوية لا يستغني عنها كل مسلم، وهي تلامس حياتنا تلامسا مباشرا، كما وجد العلماء والباحثون فيها إعجازا تشريعيا وعلميا، يقول ابن بطال في شرح صحيح البخاري: فذهبت طائفة إلى أنه (أي تشميت العاطس) واجب متعين على كل من سمع حمد العاطس، هذا قول أهل الظاهر، وذهبت طائفة إلى أنه واجب على الكفاية، كرد السلام، هذا قول مالك وجماعة، وهو الراجح، وقال آخرون: هو إرشاد وندب وليس بواجب، ويدل هذا على مدى اهتمام الإسلام بحياة المسلم اهتماما عظيما، كما اهتم الإسلام بالآداب التي يجب على المسلم أن يلتزم بها في حياته وفي سلوكه وتصرفاته، كما أوجب الإسلام للمسلم على أخيه حقوقا وواجبات منها تشميت العاطس، وهو: أن يقول من سمع أخاه يعطس يرحمك الله، فيجيبه العاطس: يهديكم الله ويصلح بالكم، أو يرحمنا ويرحمكم الله، وفيه دلالة على أن العطاس فيه نجاة من أضرار مهلكة وحينما يعطس الإنسان يُخرج كثيرا من الجراثيم والميكروبات التي إن بقيت تضره، ويسن أن يضع العاطس يده على فمه ليمنع الرذاذ من الانتشار على من حوله، لما ورد في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا عطس وضع يده أو ثوبه على فيه وخفض أو غض من صوته. رواه: أبو داود وصححه الألباني، وهذا الأدب النبوي له حكمته الصحية الجلية إذ يندفع مع العطاس رذاذه إلى مسافة بعيدة يمكن أن يصل معها إلى الجالسين مع العاطس أو أن يصل إلى طعام أو إلى شراب قريب منه، وهذا يمكن أن ينقل العدوى بمرض ما (كالزكام) إذا كان العاطس مصابًا به، وليس من خلق المسلم أن يتسبب بشيء من ذلك؛ لذا علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الأدب في أن نضع يدنا أو منديلاً على الفم عند العطاس، لمنع وصول رذاذه إلى الغير وفي ذلك ـ كما نرى غاية الأدب ومنتهى الحكمة كما يُسن له أن يقول: الحمد لله، فإذا قال الحمد لله، قال من سمعه: يرحمك الله. لما ورد في الحديث: عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: إذا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَلْيَقُلْ لَهُ أَخُوهُ، أو صَاحِبُهُ يَرْحَمُكَ اللَّهُ فَإِذَا قَالَ لَهُ يَرْحَمُكَ اللَّهُ فَلْيَقُلْ يَهْدِيكُمُ اللَّهُ وَيُصْلِحُ بَالَكُمْ. رواه البخاري، أما إذا لم يقل العاطس: الحمد لله، فلا يشمته. لما ورد في الصحيح عن أَنَسً، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قال: عَطَسَ رَجُلاَنِ عِنْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَشَمَّتَ أَحَدَهُمَا وَلَمْ يُشَمِّتِ الآخَرَ فَقَالَ الرَّجُلُ يَا رَسُولَ اللهِ شَمَّتَّ هَذَا وَلَمْ تُشَمِّتْنِي قَالَ إِنَّ هَذَا حَمِدَ اللَّهَ وَلَمْ تَحْمَدِ اللَّهَ. رواه البخاري، وذهب البعض إلى أنه يُسن على من سمع عاطسا ولم يحمد الله أن يشمته بعد تذكيره بحمد الله، فيقول له: يرحمك الله بعد أن تحمد الله. ويسن للمسلم عند التثاؤب أن يضع يده على فمه، وأن يخفض صوته لأنّ الشيطان يضحك منه. كما ذكرنا في الحديث، ولما ورد فيما أخرجه البخاري: فَإِذَا تَثَاوَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَرُدَّهُ مَا اسْتَطَاعَ فإنّ أَحَدَكُمْ إذا تَثَاءَبَ ضَحِكَ مِنْهُ الشَّيْطَانُ. وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا تثاءب أحدكم فليمسك بيده. وفي رواية. على فيه، فإنّ الشيطان يدخل. رواه مسلم. هذه الآداب تمثل الإعجاز التشريعي والاجتماعي في الحديث الشريف، أما الإعجاز العلمي في الحديث فيقول الأطباء في العصر الحاضر: التثاؤب دليل على حاجة الدماغ والجسم إلى الأوكسجين والغذاء، وعلى تقصير جهاز التنفس في تقديم ما يحتاج إليه الدماغ والجسم من الأوكسجين، وهذا ما يحدث عند النعاس والإغماء وقبيل الوفاة فإذا بقي الفم مفتوحًا أثناء التثاؤب تسرَّب مع هواء الشهيق إلى داخل الجسم مختلف أنواع الجراثيم والغبار والهَبَاء والهَوام. وأما العُطاس: هو عكس التثاؤب، فهو قوي ومفاجئ يخرج معه الهواء بقوة من الرئتين عن طريقي الأنف والفم، فيجرف معه ما في طريقه من الغبار والهباء والهوام والجراثيم لذلك كان من الطبيعي أن يكون العطاس من الرحمن لأنّ فيه فائدة للجسم، وأن يكون التثاؤب من الشيطان لأنّ فيه ضررًا للجسم، وحق على المرء أن يحمد الله سبحانه وتعالى على العُطاس، وأن يستعيذ به من الشيطان الرجيم في حالة التثاؤب.






كلمات دالة

aak_news