العدد : ١٥١٨٩ - الخميس ٢٤ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٥ صفر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٨٩ - الخميس ٢٤ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٥ صفر ١٤٤١هـ

الاسلامي

دفاعًا عن السنة النبوية (1)

بقلم: د. سمير عبيد

الجمعة ١٥ يناير ٢٠١٦ - 02:00



الحمد لله رب العالمين، وصلِّ اللهم على نبينا محمـد وعلى آله وصحبه وسلم وبعد، فإنّ عداء السنة النبوية ورواتها قديم، وفي العهد العباسي عادى المعتزلة رواة السنة، وعذب بسببهم الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله في محنته المعروفة، ثم رفع الله عز وجل شأن رواة السنة بين المسلمين وأخمد ذكر أعدائها، فذهب الزبد جفاء وبقي ما ينفع الناس في الأرض.
وفي العصر الحديث حمل المستشرقون لواء التشكيك في السنن ورواتها لهدم الإسلام، وتصدى لهم العلماء وأبطلوا شبهاتهم، ولكن تشبه بالأعداء قوم ينتسبون إلى الإسلام، وصار همهم التشكيك في صحيحي البخاري ومسلم، وانتشرت بعض شبهاتهم في وسائل التواصل الاجتماعي، وقد فاق هؤلاء في كرههم للسنة أعدى أعداء الإسلام من المستشرقين، لأنّ المستشرقين لا ينكرون نسبة الصحيحين إلى البخاري ومسلم، وإنما يتخذون سبلاً أخرى للتشكيك في السنة.
لماذا الهجوم على الصحيحين وعلى البخاري على وجه أخص مع أنه توجد قبلهما وبعدهما كثير من كتب السنن كموطأ مالك ومسند الشافعي ومسند أحمد والسنن الأربعة؟ من الواضح لكل ذي عقل أن الهدف ليس نقد الكتابين فقط، وإنما الهدف هو هدم السنة كلها؛ لأنّ هدم الصحيحين وهما أصح وأعلى الكتب عند جميع علماء الحديث والفقه يعني بالضرورة هدم كل ما عداهما من كتب الحديث دونهما، إنهم يعلمون أن قطع الرأس يعني موت الجسد؛ لذا قلما انتقدوا كتب السنة الأخرى مع أنه يوجد فيها من الأحاديث أضعاف ما في الصحيحين.
من شبهاتهم قولهم إنه لا توجد نسخة كتبها البخاري أو مسلم ولا نسخة كتبت في عهدهما، وإنما توجد أقدم النسخ المخطوطة للكتابين بعد عصرهما بزمان ليس بقليل، وهذه شبهة واهية فالبخاري ومسلم ماتا قبل ما يقارب الألف ومائتي سنة، ولو سئل أحد هؤلاء الطاعنين في الكتابين عن رسائل أو صفحات قليلة مما كتبه جده الذي ربما يكون قد مات قبل مائة سنة أو أقل فربما لا يجد ورقة واحدة مكتوبة بخط جده، ومع ذلك يريد أن يكون كل ما كتبه العلماء من كتب قبل أكثر من ألف سنة باقيًا بأكمله كما كتبه مؤلفه إلى اليوم؛ فهل يقول هذا عاقل؟
إن الحوادث والعوامل التي تتلف الكتب كثيرة جدًا كالفتن والحروب، وقد أحرق التتار كتبًا لا حصر لها في بغداد وغيرها، وأحرق النصارى مئات الآلاف من الكتب في الأندلس، ومنها الحرائق والأمطار والرطوبة والسيول والقوارض وإهمال الورثة الذين لا يعرفون قيمة الكتب، وجفاف الورق وتيبسه وتكسره وتلفه بطول الزمان، ومن جهة أخرى فقد أدى تطور الخط العربي وإتقانه وجماله بكثرة الكتابة والممارسة في العصر العباسي وما بعده إلى أن ينسخ الناس نسخًا جديدة من كل الكتب القديمة، وأدى ذلك إلى اندثار كثير من تلك النسخ القديمة.
إلا أن هذه العوامل كلها لا تؤدي إلى فناء الكتب، لأنّ رغبة العلماء في امتلاك نسخ نظيفة وقوية تجعلهم يقومون بنسخ الكتاب القديم ومقابلته وتصحيحه بأدق طرق التصحيح، ويبذلون الأموال في سبيل ذلك، حتى يصير لكل عالم نسخته الخاصة به من كل الكتب المهمة التي تعد كالأمهات والأصول في بابها وخاصة الصحاح، فتبقى النصوص كما هي منتقلة من نسخة إلى أخرى عبر الأجيال، وربما ضاع الأصل الأول بطول الزمان.

* أستاذ الحديث المساعد بجامعة البحرين







كلمات دالة

aak_news