العدد : ١٥١٨٨ - الأربعاء ٢٣ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٤ صفر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٨٨ - الأربعاء ٢٣ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٤ صفر ١٤٤١هـ

الاسلامي

الرسول يحثنا على التجديد (2)

بقلم: ا. د. أمين عبداللطيف المليجي

الجمعة ١٥ يناير ٢٠١٦ - 02:00



كنت قد تكلمت في المقالة الماضية عن الرسول والاحتفاء بيوم مولده، وأكّدت على أننا نحتفي برسول الله كل يوم؛ لأنّ ذلك فيه تجديد للفكر والأيمان، وكنت لا أنوي كتابة مقالة أخرى عن هذا الموضوع حتى ذهبت إلى صلاة الجمعة، ثم بدأ خطيب الجمعة بالكلام عن غير المسلمين من أهل الكتاب، ودار محور الخطبة كله حول عدم جواز تهنئتهم في أعيادهم، وعدم كذا وعدم كذا، وكلام كله يدعو إلى الانعزال عن العالم وعدم مخالطتهم لأنهم من الكفار، ثم الاستشهاد بكلام أحد السلف بمنع جواز بيع الأطعمة لاحتفالاتهم، وغيرها من الأمور التي تخالف ما أمرنا به الإسلام ورسول الإسلام سيدنا محمد -صلى الله عليه وسلم-، أولا: يجب أن نوضح أمرا مهما، ألا وهو كلمة الكفر، لم يأمرنا الله ولا رسوله بقولها لأهل الكتاب أو غيرهم، والحق سبحانه سماهم أهل الكتاب، وموضوع مخالفتهم في أعيادهم، ليس له أساس؛ لأنّ الأصل هو أن لكل عيده، يحتفل به في وقته، ثم مقالة عدم تهنئتهم تخالف ما ورد عن رسول الله من معاملته مع أهل الكتاب، وحسن معاملته لهم، وخلقه العظيم مع كل البشر، فهو رحمة الله للعالمين، كما قال الحق «وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين»، فلم يبعث لعانا ولا صخابا ولا مستهزئا من أحد، حتى من كانوا يعبدون الأصنام، وعندما بدأت قلوب بعضهم تلين للإسلام، أكّد الحق الرحمة بهم واللين معهم، فقال الحق لرسوله: «فبما رحمة من الله لنت لهم، ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك» وما عدا ذلك فهو اجتهاد من أناس رأوا رأيا لا يلزمنا بشيء، كمن رأى عدم جواز قيادة المرأة للسيارة، فهذا رأى صاحبه، ولا يمت لما أمر به الله ورسوله بشيء، فما نعرفه وتعلمناه أن الله سبحانه بعثه رحمة للعالمين، ولذلك، فهو يكرم جاره ويزوره، وأمرنا الحق بذلك، فما ورد عن رسول الله من حديث، يقول فيما معناه «مازال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه» هذا الحديث يكفي للرد على كل رأى يدعو إلى قطيعة أهل الكتاب وعدم تهنئتهم في أعيادهم، فما بالك إذا كان جارك يهوديا مثلا، كالجار اليهودي الذي كان لا يكف أذاه عن الرسول كل يوم يضع القاذورات أمام منزل الرسول، حتى جاء يوم وانقطعت فيها القاذورات من أمام بيت الرسول، فما كان من الرسول الكريم -رحمة الله للعالمين- إلا أن ذهب ليسأل عنه، فذهب إليه وقال له فيما معناه «انقطع ما كنت تلقيه، فحسبنا أن مكروها أصابك»، ولن أكمل القصة وأقول قد أسلم الرجل، فهذا شأن أخر، ولكن أنظر ماذا فعل الرسول، وقد كان حرى به تركه، ولو كان أحد منا لقلنا الحمد لله انقطعت القاذورات، وربما تمادينا في الدعاء عليه وقلنا: يقطعه الله أو يهلكه الله مثلا. فهل بعد كل هذه الرحمة من الرسول يأتي من يقول لا تهنئوهم في أعيادهم، فما بالك إذا كان جارك من أهل الكتاب، والله الذي لا آله إلا هو لقد عاشرتهم في إنجلترا ولم أجد من غالبيتهم إلا كل خير، ولي أصدقاء منهم، دعوني لزيارتهم، وزرتهم في بيوتهم، ولم ألاقي منهم إلا الترحاب وكل الحب، لقد كان لنا جارة انجليزية جاءت وأعطت ابنتي هدية، فماذا أفعل لها، أقاطعها وأقول لها أنت من الكفار؟ رحماك يا رب، ونحن في القرن الحادي والعشرين والناس من حولنا تصنع الخير لنا، ونحن لا نفعل ولا نجتهد بقدر ما يجتهدون في طلب العلم لإسعاد البشرية، بل لا نكتفي بذلك بل نزرع الكره في صدور الناس، خاصة الأطفال منهم، هذا وللعلم يحضر أطفال في المسجد، فما بالك هم فاعلون إذا سمعوا هذا الكلام؟ ولن أذهب بعيدا فابني معي في مرحلة الصبا، وبعد أن فرغنا من الصلاة تكلمت معه وأوضحت له بعض الأمور خشية أن يصيبه من هذا الفكر شيء، فقال لي: إنه لا يعرف من أين أتى الخطيب بهذا الكلام؟ هو قد تعلم أن الرسول كان لا يؤذي جيرانه، وكان يزورهم ويسأل عليهم إذا غابوا، وذكرت له قصة اليهودي جار الرسول، فقال لي: إنه يعرفها، فحمدت الله، وقلت: يحفظك الله ويحفظ الأطفال والشباب من هذا الفكر، فما بالنا نعيش على كلام قاله سلف منذ مئات السنين، لا ندري ما كانوا عليه من أحوال، ولا ندري كيف كان الناس في ذلك الزمان، فكيف نستحضر هذا الكلام الآن؟ ونقول لا تبيعوا أو لا تأكلوا من طعامهم مثلا، فهل هذا الكلام سوف يضيف إلى علمنا أو يمحو جهلنا؟ وهذا مخالف لما قاله الحق ورسوله، فقد قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في حديث ما معناه «أشهد أن الخلق كلهم أخوة» فما بالك لا تبيع ولا تشتري من أخيك مهما كانت ديانته، وقول الحق سبحانه عن مخالطة أهل الكتاب والأكل من ما يأكلون والشرب من ما يشربون، ما عدا ما حرمه الله علينا من أكل وشرب، وللعلم هم يعلمون ذلك ويحترمونه، فقد زرت عائلات إنجليزية، وهم يعرفون أنني مسلم، ولا أشرب الخمر ولا أكل لحم الخنزير، وأشهد الله، ما جاء أحد منهم يوما وسألني أو ألح عليَّ بأكله أو شرب الخمر مثلا، بل أكثر من ذلك، احتراما لديني فلم يشربوا الخمر أمامي في بيوتهم، يقول الحق سبحانه: «الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ». المائدة-5). يا رب بحق رسول الله اهدنا إلى الرحمة وحب الناس، وزرع الرحمة في قلوب الأطفال والشباب، فلنزرع حب الخير وحب الناس وحب العلم وحب العمل والاجتهاد والسعي لإسعاد البشر جميعا، وكل عام وإخواننا المسيحيين بخير.






كلمات دالة

aak_news