العدد : ١٥١٨٩ - الخميس ٢٤ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٥ صفر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٨٩ - الخميس ٢٤ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٥ صفر ١٤٤١هـ

الاسلامي

الــعـظـــات والـعـبــــر
فـي حيـاة النبـي أيـوب عليـه السلام (1-2)

بقلم: حسن علي البنفلاح

الجمعة ١٥ يناير ٢٠١٦ - 02:00



ورد في الذكر الحكيم اسم النبي أيوب -عليه السلام- في عدة سور ومن بينها النساء، والأنعام، والأنبياء، وص. كما جاء ذكره عليه السلام مع جملة من الأنبياء الذين أوحى الله إليهم فقال تعالى: «وَأَوْحَيْنَا إلى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ» النساء/163.
تلازمت حقبة النبي أيوب مع حقبة أبي الأنبياء إبراهيم الخليل عليهما السلام، ويعد أيوب من ذرية إبراهيم كما أشار إلى ذلك القرآن الكريم بقوله تعالى: «وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ» الأنعام/84، وقد شهد الله لأيوب بمقام العبادة عندما قال جل في علاه: «وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ» ص/41، كما امتدحه سبحانه وتعالى بسلاسة العبادة فقال تعالى « نِعْمَ الْعَبْدُ» ص/44، وأثنى عليه وشهد له بالصبر فقال تعالى: «إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا» ص/44، ولقد فسر العلماء والمؤرخون دلالة اسم أيوب فقالوا إن الاسم يأتي بمعنى شديد الأوب، والأوب هو التسبيح لله كما جاء في نداء الله إلى الجبال بأن تؤوب مع داوود: «وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ » سبأ/10، وتكرر الوصف لأيوب في قوله تعالى: «وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ » ص/44.
لم تتطرق بعض من آيات السور التي ورد ذكر أيوب فيها إن الله سبحانه وتعالى قد أوكل إلى أيوب دعوة قومه إلى الإيمان بالله وتوحيده من الشرك والأوثان، ولكن حياته تميّزت كنموذج عالي الشأن في الاستعانة بالصبر وقوة احتمال البلايا والرزايا والإخلاص في الإيمان؛ ليكون في ذلك قدوة حسنة وأسوة عظيمة لمن يتخذ الصبر سلاحا لمواجهة نكبات الحياة.
كان أيوب عليه السلام رجلا يتمتع برفاهية العيش وكثرة المال بكل أصنافه من أنعام ومواشي وأراضي شاسعة، كما كان عنده الأولاد والأهل والأقارب، ولكن قُدّر لهذه الأموال أن تتبعثر وتتلاشى ويموت الأولاد ويهلك الزرع والضرع، وبقضاء الله وحكمته أهلك أولاده فماتوا جميعا الواحد تلو الآخر، كما أرسل الله على مزروعاته عوامل التعرية التي أتت عليها كلها فتلفت، وكان عليه السلام في كل مصيبة يتم إخباره بها يرجع إلى الله بالتسبيح والحمد، وفي آخر الأمر اتخذ الصبر معينا له على تحمل كل هذه الفواجع.
وقد كُتِبَ عليه أن تكون آخر فواجع البلاء التي ابتلى بها المرض عندما سلط الله عليه مرضا خبيثا أصابه في جسمه فتحول هذا الجسم إلى حالة من الوهن والضعف، ولم يجد حوله إلا امرأته التي أخلصت له، وكانت صادقة في شعورها نحوه فلازمته في الوقت الذي كان في أشد الحاجة إلى إنسان يقف بجانبه ويواسيه فيما هو عليه من مرض. لقد اقتنع عليه السلام بأن هذا هو حال الدنيا فالناس مع الغني يقبلون عليه ويصادقونه طمعا في ماله؛ فإذا افتقر أو مرض ابتعدوا عنه ونسوا صحبته، وهذا ما يحدث واقعيا في حاضرنا عندما يلتف أصحاب المصلحة حول صاحب المال والمنصب والجاه يمدحونه ويتمسحون بفضائله مادام في عز وخير، حتى إذا ما انتهى هذا الخير وتضاءل العز واختفى الجاه هربوا من حوله، إلا من كان لديه قلب طاهر وضمير حي ومحبة كامنة في قلبه ليس غايتها إلا التقرب إلى الله بوسيلة الصحبة والعون وشد الأزر.
هكذا كان حال أيوب عليه السلام عندما داهمه المرض وعانى من مضاعفاته، انفض من حوله الجميع ما عدا زوجته التي أخلصت في حبه ورعايته. ولكنه لمّا سقط صريعا من المرض لم يعد يزوره أحد أو يقوم برعايته أي من أقربائه أو حتى أشخاص كانت تربطه بهم صلة اجتماعية كالأصدقاء والمعارف وغيرهم، ما عدا زوجته التي لازمته وقامت بالعناية به وإصلاح شأنه وإعانته على قضاء حوائجه.
ولكن بعد أن طال المرض بأيوب ضعف حال زوجته وقل المال في يدها، فاضطرت إلى خدمة بيوت القوم لتحصل على الأجر الذي يعينها على تدبر أمرها وأمر زوجها المريض من أجل الإنفاق على بيتها وهي صابرة محتسبة على فقر زوجها بعد غناه، مستعينة في ذلك بربها العالم بحالها، وكانت تردد على مسامع زوجها عبارة «إنا لله وإنا إليه راجعون» بإخلاص المرأة المكافحة المؤمنة بقضاء الله وقدره، وفي يوم قالت لأيوب: يا أيوب لو دعوت ربك بأن يفرج عنك هذه الكربة ويمتعك بالصحة والعافية ألا تظن إنه سبحانه وتعالى سيستجيب لدعائك، فقال لها: لقد عشت سبعين سنة سليما معافى، فهل كثير عليّ أن أصبر سبعين سنة عليلا؟
سدت جميع الطرق في وجه زوجة أيوب، وأوصد الناس أبوابهم دونها، ولم يعودوا يستخدمونها بعد أن دب الخوف في قلوبهم من إنها قد تنقل ما عند زوجها من أمراض إلى بيوتهم وأجسامهم، فشعرت بذلك وأحست بابتعاد القوم عنهما فقامت بحلق شعرها من أجل أن تبيعه وتشتري بثمنه طعاما لهما، وعندما فعلت ذلك تأخرت عن موعد إعطاء الدواء لزوجها فأقسم يمينا أن يعاقبها، ولما رجعت ومعها الطعام سألها: من أين لكِ هذا؟ فكشفت عن رأسها فعلم بالأمر عندها رق قلبه لها وقدر صنيعها ووفاءها.
لجأ أيوب إلى ربه بالدعاء ليكشف عنه كربته وبلاءه ويرحمه من مرضه: «وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ » الأنبياء/83، بعد أن أرجع هذا البلاء وهذا الضر إلى الشيطان وهذا ما ذكره التنزيل الحكيم في قوله تعالى: «وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ » ص/41. لقد سمع الله نداء أيوب فاستجاب لدعائه وكشف عنه الضر والبلاء «فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ» الأنبياء/84، وذلك عن طريق إرشاده باتخاذ الأسباب من أجل العلاج والخروج من المرض الذي ابتلى به فخاطبه جل شأنه في قوله: «ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ » ص/42، فعلمه الله سبحانه وتعالى سر الشفاء بالركض وممارسة الرياضة البدنية والاغتسال بالماء البارد والشرب منه، وعندما امتثل أيوب لما أمره الله به؛ أذن سبحانه وتعالى بشفائه والبراءة من أسقامه. بعدها أخبر الله أيوب كيف يبر بقسمه الذي أقسمه على نفسه بأن يضرب زوجته عندما غابت عنه، وذلك بأن يجمع الورود الطيبة الزكية ويرميها على زوجته حبا لها ووفاء لإخلاصها له: «وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ» ص/44.
وبعد أن أنعم الله على أيوب بالشفاء رزقه الذرية الصالحة وعوضه عن أمواله التي فقدها: «وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ » الأنبياء/84، كما كان لصبره وقوة إيمانه وشدة احتماله على ما مر به من أمراض ونكبات وهبه الله الخير العميم: «وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لأولِي الأَلْبَابِ» ص43.
تعتبر حياة النبي أيوب عليه السلام منهجا متكاملا للصبر والعبادة الصالحة، وشهادة تقدير عليا في الإيمان بالقضاء والقدر، وطاعة أمر الله بقلب صادق مخلص لرب الكون الذي لا يخفى عليه شيء في السموات والأرض إلا يعلمه «إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ » ص/44.






كلمات دالة

aak_news