العدد : ١٥١٨٨ - الأربعاء ٢٣ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٤ صفر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٨٨ - الأربعاء ٢٣ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٤ صفر ١٤٤١هـ

الاسلامي

(مــــن وحـــي الإســــلام)
الوشائج الإيمانية والاجتماعية بين المسلمين(1)

بقلم: يوسف الملا

الجمعة ١٥ يناير ٢٠١٦ - 02:00



جاء الإسلام ليجمع القلوب على المحبة والإخاء، ويضم النفوس على الألفة والتعاون، ويوحِّد العقول على الأفكار والآراء السديدة مستهدفا من وراء ذلك إقامة مجتمع موحد الكيان متحرر من الفرقة والضعف، ومناهض للهزيمة والتواكل والتخاذل، ويسعى إلى تحقيق الغايات السامية والمقاصد الكريمة، كما جاءت رسالة السماء العظمى وشملت توحيد الله عز وجل وإعلاء كلمته، ونشر الحق والعدل واستقرار الطمأنينة بين جنبات المجتمع، ولم تغفل الشريعة في هذا الشأن حقا أو واجبا إلا وقد بينته، وسيَّان كان ذلك في الأحكام الكلية أم الجزئيات؛ لأنها تميزت بطبع عمومي وشمولي يتسم بالمساواة والوسطية والاعتدال، تتجدد دائما بتجدد العصور واختلاف البيئات لصالح البشر في حياتهم الدنيوية والأخروية.
ومن خصائص الشريعة الغراء أن جاءت بتعاليم تنظم كل أنواع السلوك الإنساني، ووثقت علاقة الفرد بغيره، الأسرة وعلاقة الانسان بالمجتمع، وعلاقة الحاكم بالمحكومين، بعد علاقة العباد بالحق تبارك وتعالى.
قال تعالى: «وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون) سورة المؤمنون الآية 52.
وحتى تستقيم هذه الروابط الأدبية الوثيقة –وهي روابط الأخوة الحقة– وتؤكد فاعليتها؛ فلا بدَّ أن تزول من أمامها جميع الفوارق الاجتماعية، وما تدعية من أنساب عريقة وأموال وفيرة ووجاهات عريضة، إلى غير ذلك مما درج الناس على اعتباره من المميزات والفوارق بينهم جمعيا.
قال تعالى: «قل يا أيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم فمن اهتدى فإنما يهتدى لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها وما أنا عليكم بوكيل» سورة يونس الآية 108.
* القواعد الإيمانية والتعاون المشترك:
إن أعظم المبادئ التي نادى بها الإسلام في رسالته الحضارية إلى الناس جميعا هو مبدأ (إنما المؤمنون إخوة) وهذا المبدأ بلا ريب يندر وجوده في الديانات الأخرى، فالأخوة في العقائد الأخرى تعتمد على النسب في حدود الجسد، أما الأخوة الإيمانية فهي اتحاد معنوي في أكرم مقومات الإنسان في نظر التشريع الإسلامي.
ولا يمكن أن تتجسد هذه الأخوة الإيمانية إلا اذا ألغيت شتى الفوارق الاجتماعية والطبقية والعرقية والإقليمية بين المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، وبذلك يتحول الجميع إلى إخوة متحابين توحدهم وشائج الدين الواحد والمصالح المشتركة والسلوك المتماثل.
وإذا كان التماثل الوظيفي للجسد يتطلب الاتساق والانسجام بين أعضائه؛ لكي يستقيم الجسد، فإنّ الأخوة هي الأخرى تحتاج إلى التعاون والتآزر والتآلف بين أفراد المجتمع؛ لكي تتكامل مقومات المجتمع.
عن النعمان بن بشير -رضي الله عنه- قال: قال -رسول الله صلى الله عليه وسلم-: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى) رواه البخاري ومسلم.
إن تداعيات الجسد بجميع أعضائه عند الألم والمرض يتطلب قيامه بالدفاع المستميت إذا تعرض طرف من أطرافه أو جانب من جوانبه لهجمات عدو طامع في إيذائه وتوجهه عند المرض والنوائب.. وهذا التماثل العضوي يصور شدة الحساسية وسرعة الاستجابة بين المؤمنين عند تعرضهم للمصائب والكوارث كما يحدث بين أعصاب الجسد وأجهزته المترابطة. كما أن الأذى والألم قد يتجاوز النطاق المادي فيتحول إلى الأذى المعنوي الذي يصيب الكرامة والسمعة والشرف والمال.
ويقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره، بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه». رواه مسلم.
ولما كان التشريع الإسلامي هو النظام الرباني الضابط لحياة البشر فى عبادتهم وأخلاقهم ومعاملاتهم المادية؛ كان لزاما عليهم أن يرتبطوا في عقد اجتماعي موحد. مؤكدين بذلك مودتهم الفكرية والاعتقادية، والتئام عواطفهم وروابطهم الأدبية والمعنوية.
يقول عليه أفضل الصلاة والسلام: «إياكم والظن فإنّ الظن أكذب الحديث، ولا تحسسوا ولا تجسسوا، ولا تنافسوا، ولا تحاسدوا ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانا كما أمركم الله تعالى». رواه مسلم. ويذكر الشيخ عبدالرحمن الميدانى عن تلك الروابط الإيمانية التي تجمع المسلمين قائلا: «إذا كان الاشتراك في النسب كافيا لإيجاد رابطة الأخوة بين الأفراد، وإن اختلفوا في العقائد والعواطف والمصالح، فإنّ الاشتراك في العقيدة الراسخة والعاطفة المثلى ونظام العيش والمصالح المشتركة أحق وأجدر بهذه الأخوة». (أسس الحضارة الإسلامية).. والإسلام كثيرا ما يهتم بالتعاون والتواصل، ويحث على الاتحاد لقوة الجماعة وشد أزرها للنهوض بمسؤولياتها. وهذا مجال حدوثه إلا اذا تمسك المسلمون بمنهج الإيثار، وإنكار الذات لتوطيد العلاقة بين الأفراد، ودفع الأذى والعدوان عنهم.
قال تعالى: «...وتعاونوا على البر والتقوى، ولا تعاونوا على الإثم والعدوان. واتقوا الله إن الله شديد العقاب» سورة المائدة الآية2.
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا. ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم أفشوا السلام بينكم». رواه مسلم.
إذا فدخول الجنة بادرتها الإيمان، وكمال الإيمان يعتمد على المحبة، وملاقاة الرجل لأخيه وطلاقة وجهه له والإفساح له في المجالس، ونصيحته بالحسنى، وإرشاده إلى طريق الخير كلها من عناصر الأخوة الإيمانية والاجتماعية.







كلمات دالة

aak_news