العدد : ١٥١٨٨ - الأربعاء ٢٣ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٤ صفر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٨٨ - الأربعاء ٢٣ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٤ صفر ١٤٤١هـ

الاسلامي

الإمام الأكبر الشيخ محمد مصطفى المراغى شيخ الأزهر

بقلم: د. غريب جمعة

الجمعة ١٥ يناير ٢٠١٦ - 02:00




هو محمد بن مصطفى بن محمد بن عبدالمنعم المراغى ولد عام 1880م بالمراغة من أعمال مديرية (جرجا) سوهاج حاليا بالصعيد وتتلمذ على يد الشيخ محمد عبده حين انتقل إلى القاهرة، تولى مناصب عديدة منها القضاء الشرعي، ثم اختياره قاضيا لقضاة السودان ثم رئيسا للمحكمة الشرعية العليا. ونظرًا إلى أنه يحظى باحترام عالمي وخلق ممتاز فقد تم تعيينه شيخا لأزهر عام 1928م، ثم استقال بعد عام واحد؛ نظرًا إلى تأخر الملك فؤاد (ملك مصر في ذلك الوقت) عن توقيع مشروع قانون وضعه لإصلاح الأزهر ثم أعيد إلى المشيخة عام 1935م.
اختاره الملك فؤاد في بعثة من قبِله إلى الحجاز لبحث احتمالات التدخل المصري لإعادة السلام بين الملك علي وابن سعود. ولقد وقف موقفا حازما من إرساليات التنصير التي تعمل وسط المجتمع المصري لزعزعة ثقته بدينه، وكان هذا الموقف لكونه رئيسا لجمعية الدفاع عن الإسلام حتى دعت جريدة السياسية إلى إغلاق جميع الإرساليات.
وحين قامت الحرب العالمية الثانية طلب منه السفير الانجليزي (لامبسون) أن يذيع بيانا على العالم الإسلامي يعلن فيه أن إنجلترا تحارب في سبيل الديمقراطية. فانتهز الفرصة في إحدى المناسبات وألقى خطبة مدوية أمام الملك أشار فيها إلى ما تحملته مصر من ويلات هذه الحرب المدمرة حتى سقطت القنابل على الإسكندرية وبعض المدن المصرية ثم قال بصراحة:
«إن مصر تكابد حربا لا ناقة فيها ولا جمل، وإن المتحاربين في المعسكرين المتنابذين لا يمتان إليها بسبب»
ولك أن تتصور كيف وقع هذه الخطبة على الدولة المستعمرة وعلى الحكومة القائمة آنذاك.
وقد وقف شامخا في قضية الوقف المشهورة حيث رفض إغراء أحد الكبار له بمبلغ عشرة ألاف جينة (وهي بأسعار هذه الأيام تزيد عن ربع مليون جينة). وكان هذا الإغراء مقابل ان يتنحى الشيخ عن نظر القضية؛ لأنه لن يحكم إلا بالحق الذي جاء به شرع الله؛ ونتيجة لرفضه فوجئ وهو في طريقة إلى المحكمة بمن يلقي علية مادة كاوية (ماء النار) للخلاص منه، ولكن الله سلم فأصيب في رقبته فقط فشوهت ولكنة لم يتراجع عن الحكم بما شرع الله.
وقد رفع بعدها دعوى تعويض على الجاني وكان محاميه في هذه الدعوى الأستاذ أحمد لطفي بك نقيب المحامين آنذاك، وقد توفي ذلك الرجل بعد المرافعة ولم يترك لورثته إلا قليلا من المال، فما كان من الشيخ ـ رحمة الله ـ إلا أن تنازل عن قيمة التعويض الذي حكم به له وكان بالآلاف لورثة نقيب المحامين عن طيب نفس.
ولا ينسى الناس موقفة من الملك فاروق حينما طلب منه أن يفتي بتحريم زواج الملكة فريدة بعد طلاقها من فاروق فقال له:
«أما الطلاق فلا أرضاه وأما التحريم فلا أملكة».
كان رحمة الله خطيبا مفوها طالما أمتع الناس بخطبة من فوق منبر الجامع الأزهر، بالإضافة إلى أحاديثه الإذاعية ذات البيان الساحر واللفظ الأسر.
له مؤلفات منها:
1- بحث في ترجمة القران.
2- تفسير سورة الحجرات.
3- تفسير سورة: الحديد ـ لقمان ـ العصر ـ آيات من سورة الفرقان.
4- الدروس الدينية.
5- بحوث في التشريعات الإسلامي.
6- كتاب الأولياء والمحجورين.
وكان ـ رحمة الله ـ من جودة الإلقاء وحسن الاختيار وسهولة العرض ودقة النظر وبراعة الاستشفاف وجمال التعبير، ما جذب جمهورا كبيرا من المثقفين إلى مدارسة كتاب الله والوقوف على أحسن تأويله وأصح معانيه والعمل بما فيه.
ثم يشير ـ رحمة الله ـ إلى سعة الفقه الإسلامي وشموله، حيث كتب رسالة في ذلك ضمنها بعض آرائه التي تيسر للناس حاجاتهم من دون أن يقعوا في عنت أو مشقة، وهذا ما أشار إليه الأستاذ عبدالجواد رمضان في رثائه حيث قال:
لقد ودعت منه الشريعة مذهبا
** إماما له شُرَّاحُه ومتونه
«وفي كتاب الفقه الإسلامي من الآراء والمذاهب ما فيه شفاء للناس، إذا أحسن التخير وصدقت النية، وصحت العزيمة وأعتقد أنه لا يكاد يخطر رأي ببال في حادثة عرضت للفقهاء من قبل، إلا وهذا الرأي موجود، يمكن العثور علية للباحث المجتهد، غير أنه لا يفوتني، وكنت قاضيا من قبل أن إصلاح القانون إصلاح لنصف القضاء فحسب. أما النصف الأخر فهو بين القاضي وبين نفسه؛ لأنّ عليه أن يفهم الوقائع أولا، كما هي بعد تلمس أدلتها ونقدها وبعد الموازنة بينها، وعلية أن يبذل الجهد لئلا يطول الوقت فيفلت الحق من يد صاحبه، وعليه أن يشعر الناس جميعا بالاطمئنان إليه، وأن يحملهم على الرضا بحكمة، ولو كان عليهم بسيرته الطاهرة وبعده عن الشبهات».
ألا ترى أخى القارئ أن الشيخ قد وضع دستور للقضاء.. نعم حتى لا يفلت الحق من يد صاحبه كما قال ـ رحمة الله ـ، وقد يكون للشيخ بعض المواقف السياسية التي أخذت علية وهي ليست مجال حديثنا وليرجع من يريد التعرف عليها إلى تاريخ الحقبة التي عاش فيها الشيخ.
وفي عام 1945م انتقل الشيخ إلى جوار ربه في مدينة الإسكندرية ووري جثمانه الثرى في مدينة القاهرة، مودعا بالدعاء له والترحم عليه.






كلمات دالة

aak_news