العدد : ١٥٢١٠ - الخميس ١٤ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٧ ربيع الأول ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢١٠ - الخميس ١٤ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٧ ربيع الأول ١٤٤١هـ

دراسات

أصحاب الياقات البيضاء.. مجرمون عصريون بلا عضلات

القاهرة: وكالة الصحافة العربية

الاثنين ١١ يناير ٢٠١٦ - 03:00



لم تعد الجريمة مثلما تعارف عليها الجيل الذي تربى على أفلام الأبيض والأسود، وهو الجيل الذي لم يكن يعرف عن البريد سوى صندوق حديدي توضع فيه الرسائل لتصل إلى أصحابها بعد أيام أو أسابيع أو حتى لا تصل. فمع ظهور الإنترنت وثورة الاتصالات وشيوع استخدام البريد الإلكتروني ظهرت جرائم مستحدثة، وتحوّل المجرم من شخص قبيح جاهل يعتمد على العضلات والأسلحة البيضاء والنارية، إلى شخص متعلم وذكي وخبير بأدوات اختراق صفحات الإنترنت وحسابات البريد الإلكتروني للمؤسسات والشخصيات، وغلب على جرائم هؤلاء من المجرمين الجدد أصحاب الياقات البيضاء شكل الجريمة المنظمة والجريمة الإلكترونية في كثير من الأحيان.
فعلى خلاف ما كان يحدث في الماضي، حيث كانت الجريمة تنتشر في طبقات معيّنة، وتحديدًا الطبقات الدنيا من المجتمع، حيث الفقر الشديد والحاجة والجهل، أصبحت الجريمة التي تقع في الوقت الراهن تحدث في أوساط المتعلمين والمثقفين، بل الحاصلين على أعلى درجات التعلّم والتأهيل الفني والتقني، وهو ما تزامن مع تطوّر أساليب الجريمة المختلفة وتطوّر نوعية مرتكبي الجريمة واختفت نوعية من الجرائم.
ففي هذه الأشكال الجديدة من الجرائم ظهرت نوعية جديدة من اللصوص الذين يتعاملون بذكائهم وعقلياتهم، فهناك مثلاً من يُعرفون بـ«الهاكرز»، وهؤلاء مختصون بجرائم الإنترنت، فيمكنهم مثلاً الدخول لأي موقع اقتصادي وتدميره، أو إرسال فيروس لتخريبه، والاستيلاء على مبالغ مالية هائلة من البنوك والمؤسسات الاقتصادية التي تقع فريسة لمثل هذه النوعية الجديدة من الجرائم.
جرائم الهاكرز
الخبير الأمني المصري اللواء سامي عبدالمطلب، يؤكد اختلاف طبيعة وثقافة المجرم في الفترة الراهنة مقارنة بما كان عليه المجرم في الماضي، ويشير إلى أن الجريمة بعد أن انتشرت بين فئة جديدة من المثقفين من أصحاب الخبرات في المجال التقني وتحوّلت إلى جريمة منظمة يتم التخطيط لها بدقة متناهية.
ويوضح أن النوعية الجديدة من الجرائم الإلكترونية لا يرتكبها إلا من اصطلح على تسميتهم بأصحاب الياقات البيضاء، وهم مجرمون على قدر عالٍ من المعرفة الفنية والتقنية بأدوات الاتصالات والإنترنت، وغالبًا ما تكون جرائمهم منظمة بدقة وبعناية، وتنجم عنها خسائر فادحة للمجني عليه سواء كانت مؤسسات أو أفرادًا، وقد تمسّ هذه الخسائر أرصدة مالية أو سمعة تجارية أو شخصية للمجني عليه.
القطط السمان
وبخلاف الجرائم الإلكترونية، فهناك جرائم منظمة أخرى يرتكبها أصحاب الياقات البيضاء، مستغلين شبكات من العلاقات العامة القائمة على تفاهمات ضمنية بين أشخاص فاسدين، تضمّ عناصر منحرفة منتشرة في كافة القطاعات من خلال استخدام سلاح الرشاوى في تمرير الصفقات الكبرى، وبذلك يتمكّن الكبار من الحصول على الأموال بالرشاوى أو بإفساد الآخرين، حتى يفسدوا مثلهم، وتشمل مثل هذه الجرائم الحصول على قروض وتسهيلات مالية بالمليارات وتمرير صفقات وهمية، والحصول على اعتمادات مالية مقابلة لها، وهي جرائم لا يتمكّن من ارتكابها سوى قطاع معيّن من المجرمين الحاصلين على قدر عالٍ من التأهيل العلمي والتقني، وهم مجرمون من طراز غير تقليدي يعتمد على مهاراته وخبراته الفنية والتقليدية في ارتكاب هذه النوعية الجديدة من الجرائم.
وهو نفس ما يؤكده الخبير في علم الاجتماع د.نصر شميس، الذي يشير إلى أن هناك جرائم تختلف كثيرًا عن جرائم البلطجية ومعتادي الإجرام، والذين يلجؤون إلى العنف في جريمتهم، بينما المثقف عادة ما يرتكب جريمة نظيفة، بمعنى أنه نادرًا ما يلجأ المثقف إلى العنف في جريمته، ونادرًا ما يستخدم السلاح الأبيض أو الناري، فهو يلجأ إلى ذكائه وعقله، فيستخدم سلاح الذكاء بديلاً عن العضلات. وذلك كما يحدث في بعض قضايا النصب الكبرى التي تشهدها المجتمعات كافة، وغالبًا ما يكون وراء هذه العمليات نصابون كبار ممن يطلق عليهم القطط السمان.
أما استشاري الطب النفسي د. أحمد عبدالله،، فيرى أن ارتكاب هذه النوعية من الجريمة يرجع إلى أسباب عديدة ومختلفة، ومن بينها الخلل الذي حدث في المجتمعات العربية خلال السنوات الأخيرة بعد أن صعدت طبقة إلى قمة المجتمع وهبطت طبقات أخرى أو تآكلت، ومن بين هذه الطبقات أبناء الطبقة الوسطى التي ذابت وتقلّصت في ظل التغيّرات الاقتصادية والحراك الاجتماعي المصري وحده، وإنما في مختلف المجتمعات العربية. وقد يعود الخلل إلى تخلي الأسرة عن دورها الفاعل في المجتمع، أو نتيجة عدم مباشرتها لدورها في التربية والتنشئة، اعتمادًا على دور المدرسة.
ويشير د. عبدالله إلى أن هناك عاملا آخر قويا ومؤثّرا، وهو تأثير الفضائيات وغيرها من وسائل الإعلام «الإنترنت» بما تبثه من أفلام غربية تحمل أفكارًا وقيمًا ومبادئ تختلف اختلافًا تامًا عن بيئتنا الشرقية بمبادئها وقيمها، وقد تحمل هذه المواد الإعلامية خطط الجريمة في سورة فيلم سينمائي، وربما كانت الأفلام الجنسية التي تبثها الفضائيات تحمل عنفًا من نوع آخر، وكل هذه الأمور تنعكس وتؤثّر على شخصية المتلقي، وتظل تفاعلاتها كامنة بداخله حتى تأتي اللحظة التي تنطلق فيها من خلال الاحتكاك بالمجتمع.
ويضيف د. عبدالله: وربما يعود انتشار هذه النوعية من الجرائم إلى تراجع دور الأب والأم في التربية، أي تراجع دور الأسرة، ويبدو ذلك نتيجة لانشغال الوالدين خارج البيت في العمل، وهو الأمر الذي يدفع الأم بطبيعة الحال إلى أن تعهد بأطفالها الصغار إلى المربية، أو إيداعهم وهم في سن مبكرة للغاية في دور الحضانة دون أن تعلم أن الطفل يفتقد بشدة خلال هذه المراحل لحضن الأم وحنانها ولمساتها، مما يؤثر في تكوينه النفسي عندما يكبر، ومثل هذه الشخصيات المفتقدة إلى العطف والحب والحنان تبدو شخصيات عدوانية في مواجهة المجتمع، وهو الأمر الذي يؤكد أنه لا يمكننا أن نستبدل دور الأم بالمربية أو الشغّالة، فمثل هذه النوعية من العمالة البسيطة لا تتمتّع بالحد الأدنى من الثقافة، وربما لجأت إلى ممارسة العنف في مواجهة الصغار داخل الحضانة، أو البيت في ظل غياب الوالدين، وعدم وجود رقابة عليها، وقد تمارس قسوتها في مواجهة طفل صغير لمجرد أنه يبكي، بينما هي مشغولة برعاية طفل آخر، وهو الأمر الذي قد يدفع للمجتمع طفلاً ذا طباع قاسية يفتقد إلى الحب والحنان اللذين لا ينشآن سوى داخل جو أسري دافئ.























كلمات دالة

aak_news