العدد : ١٥٢١٣ - الأحد ١٧ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٠ ربيع الأول ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢١٣ - الأحد ١٧ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٠ ربيع الأول ١٤٤١هـ

دراسات

أسعار النفط في العام الجديد.. إلى أين؟

مركز الخليج للدراسات الاستراتيجية

الاثنين ١١ يناير ٢٠١٦ - 03:00



أنهى مزيج خام برنت المرجعي التداول يوم الأربعاء الموافق 6 يناير 2016 عند 34.8 دولارًا للبرميل وهو الأدنى له منذ صيف 2004، وألقى التوتر في العلاقات بين إيران والمملكة العربية السعودية بظلاله على السوق النفطية بعد قيام الأولى – إيران ـ بالهجوم على مقر السفارة السعودية في طهران وقنصليتها في مشهد، بعد قيام الأخيرة (السعودية) بإنزال عقوبة الحد بحق رجل الدين نمر باقر النمر.
ويعد البلدان عملاقي الدول المنتجة داخل أوبك، وباحتياطي نفطي مؤكد يصل إلى أكثر من 400 مليار برميل. وستعمل «الأزمة» القائمة بين البلدين إلى جعل التوافق داخل منظمة أوبك بخفض الإنتاج أشبه بـ «السراب» يصعب بلوغه حاليًا.
وهناك سؤال مهم يطرح نفسه هو: ما هي الرؤية المستقبلية لأسعار النفط مع انبلاج عام جديد؟ ولاستشراف مسار الأسعار المحتملة خلال العام الحالي لا بدَّ من التوقف عند ما يلي:
أولاً: في جانب العرض: مازال السوق يعاني تخمة في الإمدادات، إذ وصل الإنتاج العالمي بحسب أرقام وكالة الطاقة الدولية إلى 96.1 مليون برميل يوميًا عام 2015 مقابل 93.6 مليون برميل يوميًا عام 2014، أي بزيادة قدرها 2.5 مليون برميل يوميًا. وهذه الزيادة في الإمدادات مردها تضافر العديد من العوامل لعل من أبرزها:

1ـ ثورة الوقود الصخري: تشهد الولايات المتحدة الأمريكية منذ ما ينوف على عقد من الزمن تطورا لافتا في الإنتاج غير التقليدي من النفط المضغوط tight oil جاء بعد توظيف تكنولوجيا التكسير الهيدرولوكي Fraking بالإضافة إلى تكنولوجيا الحفر الأفقي الثلاثي الأبعاد. وقد أضافت هذه التقنية أكثر من 4.5 ملايين برميل يوميًا إلى إنتاجها الكلي الذي يزيد اليوم على 9 ملايين برميل يوميا. وقد أدى هذا التطور إلى أن تحل الولايات المتحدة محل السعودية في لعب ما يعرف بالمنتج المرجح (Swing Producer) بعد تبني الأخيرة سياسة نفطية جديدة، كما أن الزيادة في الإنتاج الأمريكي جعل من درجة اعتماد وارداتها على النفط المستورد بما فيها النفوط ذات منبع خليجي/شرق أوسطي والتي لا تزيد حاليًا على 20% من إجمالي وارداتها في تراجع مستمر.
ويرى بعض المراقبين أن هذا التطور سيترتب عليه تغير جذري في سياسة أمريكا في المنطقة لا سيما بعد انسحابها من العراق وأفغانستان، رغم أن لأمريكا مصالح حيوية في الشرق الأوسط لن تحيد عنها بغض النظر عمن يدير دفة الحكم في البيت البيضاوي سواء كان ديمقراطيا أم جمهوريًّا، إذ إن للولايات المتحدة أهمية بالغة في استمرار التدفق الآمن للإمدادات لحلفائها في حلف شمال الأطلسي عبر مضائق الخليج المتعددة، منها مضيق هرمز الحيوي ومضيق باب المندب بالإضافة إلى قناة السويس التي تربط البحر الأحمر بالبحر الأبيض المتوسط.
2ـ الزيادة الكبيرة في الإنتاج خارج منظومة أوبك: ومن أبرزها الزيادة الكبيرة في الإنتاج الروسي الذي وصل إلى 10.6 ملايين برميل يوميًا وهو معدل لم تشهده منذ الحقبة السوفيتية أواخر ثمانينيات القرن الماضي. ويأتي ذلك في ظل الزيادة الكبيرة في إنتاج العديد من الدول الأعضاء في أوبك ذاتها، مع إنتاج السعودية أكثر من 10 ملايين برميل يوميًا في حين تجاوز الإنتاج العراقي حاجز الـ 4 ملايين برميل يوميًا.
3ـ سياسات أوبك النفطية: ساد عدم التوافق بين أعضاء منظمة أوبك خلال المداولات العديدة التي شهدتها المنظمة عام 2015 كان آخرها الاجتماع الذي انعقد في مقر المنظمة في العاصمة النمساوية فيينا يوم 4 ديسمبر 2015، والذي طغى عليه انقسام المنظمة إلى فريقين مناوئين إن صح التعبير، فريق الحمائم بقيادة المملكة العربية السعودية (بالإضافة إلى الإمارات والكويت) يقابله في الجانب الآخر فريق الصقور بقيادة إيران بالإضافة إلى فنزويلا والعراق والجزائر.
وخلص العديد من الدول الأعضاء في المنظمة أنه ما لم يتم التنسيق مع الدول المنتجة الأخرى خارج أوبك فإنّ تخفيض حصص الإنتاج التي تزيد على 31.5 مليون برميل يوميا حاليًا سيعني فقدان حصتها السوقية لصالح المنتجين الأكثر كلفة.
4ـ رفع الحظر عن صادرات الولايات المتحدة من النفط الخام: صوت الكونجرس الأمريكي بمجلسيه النواب والشيوخ يوم 18 ديسمبر 2015 على قرار تاريخي أجاز بمقتضاه إعادة العمل بتصدير النفط الخام المتوقف منذ عام 1975 على أثر حرب أكتوبر عام 1973 وما ترتب عليه قيام العرب بإعلان الحظر النفطي لصادراتها للولايات المتحدة (وهولندا) لمواقفهما الداعمة لإسرائيل. وسيؤدي هذا القرار إلى فتح الأبواب أمام أسواق النفط الخام الخفيف (الحلو) الذي تنتجه الولايات المتحدة من مكامنها الصخرية. كما سيجعل هذا القرار من خام غرب تكساس الوسيط (WTI) الذي يعد السعر المرجعي للخامات الأمريكية، السعر المرجعي العالمي للنفوط الخفيفة العالية الجودة، وسينافس في ذلك خام برنت المعتمد كمرجع عالمي للتسعير حاليًا الذي يضم مزيجا من النفط الخام الأثقل.
وقد وصلت أول شحنة فعلاً من النفط الأمريكي المصدر إلى الموانئ الإيطالية في 30 ديسمبر 2015 بلغ حجمها 500 ألف برميل. ويعد هذا التطور إضافة جديدة للمعروض العالمي من النفط الذي وصل حد «الإشباع» مع امتلاء «الصوامع» بمخزونات النفط التجارية على اليابسة ما حدا بالعديد من الدول الصناعية إلى تخزين نفوطها على ظهر الناقلات العملاقة في أعالي البحار.
ثانيًا: في جانب الطلب: يعد النمو في الناتج المحلي الإجمالي المحرك الرئيسي للطلب على النفط في العالم، وتشير التوقعات الأخيرة الصادرة عن صندوق النقد الدولي إلى أن الاقتصاد العالمي لن ينمو بأكثر من 2.9% عام 2016 نظرًا إلى تراجع النمو في الدول الواعدة في آسيا، لا سيما في الصين والهند بالإضافة إلى الركود في منطقة اليورو.
يذكر أن الطلب العالمي على النفط بحسب بيانات وكالة الطاقة الدولية ارتفع من 92.8 مليون برميل يوميا عام 2014 إلى 94.6 مليون برميل يوميًا عام 2015 أي بواقع 1.8 مليون برميل يوميًا فقط. في حين تشير التقارير إلى أن النمو في الطلب العالمي لن يزيد على 1.2 مليون برميل يوميًا عام 2016، وهذا يعني استمرار التخمة في المعروض والذي يتراوح بين 1.5 إلى مليوني برميل يوميًا. كما أن قرب عودة إيران لأسواق التصدير بزخم كبير بعد رفع العقوبات الاقتصادية عنها، إذ يتوقع أن يصل إنتاجها الإضافي ما بين 500 و 700 ألف برميل يوميًا خلال أشهر قليلة من سريان رفع الحظر، ما يضيف إمدادات إضافية لسوق يعاني من التخمة أصلاً.
وتشير أغلب المعطيات لعام 2016 إلى أن الضغط على أسعار النفط سيأخذ مداه خلال النصف الأول من العام لا سيما إذا علمنا أن المخزونات التجارية للدول الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية تزيد على 3 مليارات برميل، ناهيك عن الارتفاع في سعر صرف الدولار مقابل العملات الأجنبية الأخرى بعد قيام البنك الاحتياطي الفيدرالي في الولايات المتحدة – البنك المركزي – برفع أسعار الفائدة بربع نقطة مئوية، ما يجعل من الدول المستورة للنفط تدفع فاتورة أعلى – إذ لا يزال النفط حتى يومنا هذا مقوم بالدولار- الأمر الذي يقلل من الطلب على النفط.
وجاء البيان الختامي لمؤتمر المناخ الذي انعقد في العاصمة الفرنسية باريس خلال الفترة من 31 نوفمبر إلى 12 ديسمبر من العام الماضي ليشدد على ضرورة الحد من استهلاك الوقود الأحفوري باعتباره الملوث الرئيسي للبيئة وأحد أسباب الاحتباس الحراري، مقابل تشجيع الاستثمار في الطاقة المتجددة لا سيما الطاقة الشمسية وطاقة الرياح.
بيد أن هناك مؤشرات تشي بأن الأسعار في طريقها إلى التعافي خلال النصف الثاني من العام، إذ تسبب انخفاض الأسعار في تراجع كبير في الاستثمارات في مناحي عديدة من الصناعة البترولية لا سيما عمليات الاستخراج والتنقيب، والتي زادت على 200 مليار دولار، الأمر الذي سيؤدي إلى إعادة التوازن بين العرض والطلب بدءًا من الربع الثاني من العام، مع بوادر انتعاش اقتصادي في الولايات المتحدة وعودة الإنتاج الصناعي في الصين إلى مستوياته المرتفعة.
وهناك ما يدل على أن السياسات النفطية لأوبك بقيادة المملكة العربية السعودية – والتي وقفت صامدة أمام كافة الضغوط التي مورست لخفض الإنتاج – أخذت تأتي أكلها بدليل انخفاض منصات الحفر في الولايات المتحدة إلى ثلث معدلاتها السابقة، إذ وصلت في نهاية عام 2015 إلى 536 منصة عاملة، ما يدل على أن الإنتاج الأمريكي بما فيه إنتاجها من الوقود الصخري آخذ في التراجع. إذ تشير آخر البيانات المتاحة إلى أن الإنتاج الأمريكي انخفض بمعدل 80 ألف برميل يوميًا عام 2015.
وقد تشهد أسعار النفط تداولاً في البورصات العالمية (بورصتي نيويورك ولندن) خلال عام 2016 عند عتبة الـ 55 -60 دولارًا للبرميل، كما أن هناك إجماعا على أن الأسعار لن تعود إلى معدلاتها السابقة والتي تجاوزت الـ 150 دولارًا للبرميل صيف عام 2014 قبل نهاية العقد الحالي.
وأعلنت أغلبية دول مجلس التعاون الخليجي عجزا في موازناتها في عام 2016، إذ أصبح من المتعذر للعديد منها الاستمرار في معدلات الإنفاق السابقة في ظل تدني الأسعار إلى حوالي 36 دولارًا للبرميل. وعلى هذا المنوال أعلنت المملكة العربية السعودية – صاحبة أكبر اقتصاد عربي وخليجي – ميزانية متحفظة على أساس سعر 37 دولارًا للبرميل، وهي الأكثر تحفظًا منذ ما لا يقل عن 10 سنوات، بيد أنها بما تحتفظ به من احتياطيات أجنبية تبلغ حاليًا 640 مليار دولار يمكنها استيعاب هذا التراجع ولسنوات قادمة شأنها شأن دول خليجية أخرى تتمتع بأرصدة نقدية كبيرة في صناديق الثروة السيادية لديها. والتي وصلت في الإمارات العربية المتحدة (جهاز أبوظبي للاستثمار) عند 450 مليار دولار، وفي الكويت تقدر صناديق الثروة السيادية فيها عند 220 مليار دولار، بينما وصلت في قطر إلى 66 مليار دولار، في حين تعد الأدنى في مملكة البحرين (ممتلكات) عند 6 مليارات دولار.
وهناك من يرى أن التراجع في إيرادات الدول الخليجية هو بمثابة «النعمة» لا «النقمة» كما يحلو للمغرضين تسويقه، إذ إن انكماش الأسعار وتراجع الإيرادات دفع بالدول الخليجية إلى إعادة النظر في سياسات دعم المحروقات التي تستنزف الكثير من موازناتها بما يؤدي إلى الترشيد العقلاني للاستهلاك الذي يغلب عليه سمة الإسراف. إذ أعلنت المملكة العربية السعودية عن رفع أسعار المشتقات النفطية في نهاية ديسمبر عام 2015، ما سيوفر للمملكة 7 مليارات دولار. وحذت مملكة البحرين حذوها بإعلانها رفع أسعار الديزل والكيروسين بدءًا من العام الجديد وكذلك رفع أسعار الكهرباء والماء.
وكانت الإمارات العربية المتحدة السباقة بين دول المجلس، إذ أعلنت في أغسطس من العام الماضي تعويم أسعار المشتقات النفطية ليتم تحديدها وفقًا لقوى السوق. بيد أن أسعار البنزين التي تتراوح بين 0.20 دولار /لتر في السعودية كحد أدنى إلى 0.31 دولار /لتر في سلطنة عمان كحد أعلى تظل الأرخص في العالم، حيث يصل سعر لتر البنزين على سبيل المثال إلى أكثر من 1.84 دولار/لتر في بريطانيا في حين تصل إلى 1.77 دولار /لتر في تركيا.
وأخذت العديد من الدول الخليجية بما فيها السعودية والإمارات والبحرين بالتوسع في استثماراتها في الطاقة البديلة المتجددة بعيدًا عن الاعتماد على الوقود الأحفوري، بما يفضي إلى تنويع قاعدتها الاقتصادية.
وإذا تطرقنا إلى أثر الانخفاض على الدول المستوردة.. الأردن نموذجًا: يبقى أن نشير إلى أن المستفيد الأكبر من الانخفاض السعري للنفط الخام الذي فقد أكثر من ثلثي قيمته مقارنة بعام 2014 هم الدول المستوردة للنفط، ومنهم على سبيل المثال لا الحصر: دول الاتحاد الأوروبي واليابان وكوريا ودول الجوار الجغرافي (لبنان، تركيا، مصر).
ويعد الأردن في سلم الدول المستفيدة باعتباره دولة تعتمد اعتمادا كبيرًا على الواردات لتلبية الطلب المحلي، والتي تصل إلى أكثر من 97%. ومن شأن انخفاض الأسعار العمل على تخفيض «فاتورة الواردات» بمعدل قد يصل بحسب بعض التقديرات إلى أكثر من 500 مليون دولار. علما بأن فاتورة المملكة من الواردات النفطية بلغت حتى عهد قريب أكثر من 4 مليارات دولار. وسيعمل هذا التطور إلى خلق فائض في الحساب الجاري من ميزان المدفوعات. وقد تلمس المواطن الأردني مؤخرًا أثر هذا الانخفاض مع استمرار التخفيضات الشهرية التي تصدرها وزارة الصناعة والتجارة كان آخرها التخفيضات التي طالت البنزين والديزل مع إطلالة عام جديد. في حين تم الإبقاء على أسطوانة الغاز للاستخدام المنزلي دون مساس عند 7 دنانير للأسطوانة وهو يقل بكثير عن معدلاتها للأعوام السابقة والتي وصلت إلى 10 دنانير للأسطوانة.
والخلاصة هي أن ما تشهده منطقة الشرق الأوسط من قلاقل أعاد إلى الواجهة من جديد قضية التدفق الآمن للإمدادات، لا سيما أن الدول النفطية الرئيسية فيها تقع على مرمى حجر من مضيق هرمز، الشريان الحيوي الذي تمر من خلاله يوميًا 17 مليون برميل يوميًا على ظهر الناقلات العملاقة. وهناك خشية لدى المراقبين من أن يتطور الصراع بين إيران والسعودية إلى مواجهة عسكرية من نوع ما – وإن كان ذلك مستبعدًا مع وساطات تبذل لنزع فتيل الأزمة ـ ما يعرض التدفق الآمن للإمدادات للخطر، وهو ما قد يدفع الأسعار إلى مراتب فلكية قد تصل إلى 200 دولار للبرميل.
وبالرغم مما يعانيه السوق من تخمة في المعروض بيد أن هناك رؤى تلوح في الأفق حاليًا تشي بأن ارتفاع الأسعار العالمية خلال العام الجديد 2016 مع توقع وصول سعر مزيج خام برنت المرجعي – وفقا لمسوحات جديدة شملت آراء أكثر من 30 محللاً – إلى 57 دولارًا للبرميل، أي أكثر بنحو 20 دولارًا من سعر تداوله اليوم، يعزز من ذلك تباطؤ الإمدادات وسط معلومات تفيد بتأخر وصول النفط الإيراني إلى الأسواق الدولية ناهيك عن تراجع الاستثمار العالمي في صناعة النفط.
























كلمات دالة

aak_news