العدد : ١٥١٨٢ - الخميس ١٧ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٨ صفر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٨٢ - الخميس ١٧ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٨ صفر ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

حتمية الفعل الإلهي

بقلم: عبدالرحمن علي البنفلاح

الأحد ١٠ يناير ٢٠١٦ - 03:00



الخطاب القرآني الموجه إلى الإنسان يؤكد الحتمية في الفعل الإلهي، يستوي في ذلك الفعل الماضي والحاضر والمستقبل؛ ذلك لأنّ الله تعالى هو القاهر فوق عباده، وهو جل جلاله مالك الملك يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء، وهو سبحانه يعز من يشاء ويذل من يشاء.
فهو سبحانه إذا قال:{ أتى أمر الله..} بصيغة الماضي، فهذا يعني أن الأمر قد أتى وانتهى زمنه، ولكنه سبحانه يقول في الآية نفسها:{..فلا تستعجلوه} بصيغة الحاضر، فكيف يصح أن يجتمع في فعل واحد زمنان ماضٍ وحاضر، فالأمر إما أنه أتى وانتهى زمانه، أو أنه لم يأتِ بعد، وعلينا أن ننتظر زمن حدوثه.
إذن، فهناك حقيقة علينا أن نعيها، وهي أن الأفعال بالنسبة للحق سبحانه وتعالى لا ترتبط بالزمان وإنما بالحتمية الإلهية، فالفعل سواء كان ماضياً،أو حاضراً، أو مستقبلاً، فإنه لا محالة آتٍ لأنّ الفاعل هو الله تعالى، وهو سبحانه لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، وهو جل جلاله على كل شيء قدير، ولا يحول دون إرادته شيء، فهو سبحانه حين يقول عن شيء إنه أتى، فهو آتٍ لا شك في ذلك، وإن لم يأت زمانه بعد، لكنه في علم الله تعالى قد أتى وانتهى زمانه وإن لم يتجلى في زمننا الذي نعيشه. 
وفي ضوء هذه القاعدة الجليلة، قاعدة حتمية الفعل الإلهي نفهم قوله تعالى:{ وقل جاء الحق..} بصيغة الماضي؛ لأنّ الحق لا بد وأن يجيء، ولن تستطيع قوة في الوجود أن تمنع مجيئه؛ لأنه سبحانه مالك الملك والملكوت، وهو القاهر فوق عباده. 
ونجد هذه الحتمية نفسها أيضاً في قوله تعالى، وفي الآية نفسها من سورة الإسراء:{.. وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً} الآية 81. 
زهوق الباطل جاء أيضاً بصيغة الماضي للدلالة على تحقق الحتمية الإلهية في حدوث الفعل، وأكّد الفعل «كان» على هذه الحتمية أي: إن من صفات الباطل الملازمة له، التي لا تنفك عنه، ولا ينفك عنها أنه زاهق أمام الحق دائماً وأبداً. 
والحتمية في الفعل الإلهي لم تكن مقصورة على الفعل الماضي، وإنما هي مستطردة في جميع الأفعال بأزمنتها المختلفة، فمثلاً هناك حتمية إلهية في الأفعال المستقبلة من مثل قوله تعالى:{ سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم} البقرة/142. 
ورغم هذا البيان الإلهي الواضح في إخبار الرسول -صلى الله عليه وسلم- والمسلمين بما سوف يقوله الناس، وهم اليهود الذي كان الرسول -صلى الله عليه وسلم- والمسلمون يتوجهون في صلاتهم في بداية البعثة إلى بيت المقدس، وهي القبلة نفسها التي يتوجه إليها اليهود، فقالوا ما حكى القرآن عنهم، وكان بإمكانهم ألا يقولوا ذلك، ويكذبوا القرآن، ولكنهم لم يستطيعوا أن يفعلوا ذلك، وتمت كلمة ربك بالحق. 
إذن، فالمستقبل قد يكون في يد الإنسان؛ لأنّ زمانه لم يأتِ بعد، أما الماضي فقد مضى وانتهى زمانه ولا حيلة عند الإنسان في رده أو التحكم فيه. 
كذلك حين تحدث القرآن عن أبي لهب، وقال أنه سيصلى ناراً ذات لهب، قال سبحانه: { تبت يدا أبي لهب وتب(1) ما أغنى عنه ماله وما كسب(2) سيصلى ناراً ذات لهب(3) وامرأته حمالة الحطب(4) في جيدها حبل من مسد(5)} المسد. 
لقد توعدت هذه السورة أبا لهب بأنه «سيصلى ناراً ذات لهب»، وذلك في زمن لم يأتِ بعد، وكان بإمكان أبي لهب أن يتدارك أمره، وينجو بنفسه من هذا المصير الذي سيؤول إليه في قابل أيامه، ولكنه لم يفعل، وليس مهماً أن نعلم لِمَ لَمْ يقدر، المهم أنه كان بإمكانه أن يكذب القرآن ولكنه لم يفعل حتى نفاقاً، ومضى المسلمون يذكرونه بذلك المصير الذي توعده القرآن به في تعبدهم بتلاوة السورة في صلواتهم وفي تلاوتهم للقرآن، ورغم ذلك ظل أبو لهب على عناده وكفره وجحوده.
كذلك تحققت حتمية الفعل الإلهي في زمنه المستقبل الذي لم يأتِ بعد كما في قوله تعالى:{ سيقول المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها ذرونا نتبعكم يريدون أن يبدلوا كلام الله قل لن تتبعونا كذلكم قال الله من قبل فسيقولون بل تحسدوننا بل كانوا لا يفقهون إلا قليلا} الفتح/15. 
لقد كشف القرآن عن خبايا نفوسهم، وكان بإمكانهم أن ينكروا ما نسبه القرآن إليهم ولكنهم لم يفعلوا؛ لأنّ الحتمية في الفعل الإلهي واقعة لا محالة، فقد قالوا ما نقله القرآن عنهم من دون أن يغيروا حرفاً واحداً منه، رغم أن زمن الفعل في المستقبل ولم يأتِ بعد.
هذه بعض الخواطر التي خطرت لي حول حتمية الفعل الإلهي على اختلاف أزمنته التي تراوح بين الماضي والحاضر والمستقبل، وإن الحق تبارك وتعالى لا يحكمه الزمن؛ لأنّ الأزمنة في الحتمية الإلهية تتساوى فلا ماضٍ، ولا حاضرٍ، ولا مستقبل؛ لأنّ الأفعال عند الله تعالى تتحقق بكن، فأمره سبحانه بين «الكاف والنون» يقول جل جلاله:{ إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون} النحل/40. 
إذان، فزمن الفعل الإلهي متعلق بالإرادة الإلهية، والإرادة الإلهية لا تحتاج إلى زمن، إنما هي «كن فيكون».
هذه الخواطر التي سنحت لي حول حتمية الفعل الإلهي إن كانت صواباً، فهي من الله تعالى وتوفيقه، وإن كانت غير ذلك، فهي من نفسي ومن الشيطان، وأسأل الله تعالى أن يغفر لي ذلك، وألا يحرمني أجر المجتهد المخطئ الذي وعدنا به رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حين قال: [إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر] ابن تيمية/ مجموع الفتاوى/ حديث صحيح.

aalbinfalah@gmail.com






كلمات دالة

aak_news