العدد : ١٥١٨٩ - الخميس ٢٤ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٥ صفر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٨٩ - الخميس ٢٤ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٥ صفر ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

صناعة الذاكرة

بقلم: الدكتور زكريا خنجي

الأحد ١٠ يناير ٢٠١٦ - 03:00



بعد أن أمضى الباحث (مارك روزنزن ويج) -وهو محاضر في جامعة كاليفورنيا- سنين الطويلة يدرس فيها قدرة التخزين لدى الذاكرة البشرية اكتشف أن طاقة التخزين لدى الإنسان هائلة جدًا، حيث يقول: «إنه إن تم تغذية الذاكرة البشرية بعشر معلومات جديدة في كل ثانية مدة ستين سنة متواصلة، فإنّ مقدار ما تم تخزينه في ذاكرة الإنسان تعادل أقل من نصف المساحة المخصصة لتخزين المعلومات فيه».
ويعلق هو على الموضوع فيقول: «ولا تعجبوا من ذلك فأنتم الآن تختزنون داخل هذه الذاكرة الصغيرة الحجم الملايين من المعلومات والتي بدأتم بتخزينها في ذاكرتكم منذ الصغر وإلى الآن، وإن شئتم كنوع من التجربة اشتروا مجلدات فارغة من أقرب مكتبه لديكم وقوموا بنقل المعلومات التي تختزنها ذاكرتكم إليها من حروف وكلمات ومعلومات وأرقام وصور وأشكال وأصوات وغيرها الكثير، ستستمرون بكتابة ملايين المعلومات ولن تتوقفوا».
يقول (ريتشارد ليفيتون) -وهو مؤلف كتاب بناء العقل-: «قد تحتوي خلية التفكير الواحدة على 10000 نقطة اشتباك والتي تصلها بالخلايا المجاورة، وهناك تريليونات من الاشتباكات المتداخلة والمحاور العصبية، وعلى التقدير الذي يبين المتوسط لا الحد الأعلى فإنّ لكل خلية تفكير 1000 نقطة اشتباك مما يعني أن مخك يحتوي مجملاً على 100 تريليون نقطة اتصال، وهنا يكمن السبب وراء إمكانية تحسين قدرتك العقلية وعمل اتصالات أكثر سرعة من الحاسب الآلي».
وتقول بعض الدراسات إن دماغ الإنسان يمتلك القدرة على تخزين ما يعادل 256 اكسا بايت، وهو ما يعادل 256 مليار غيغا بايت، وكي يكون الموضوع قريبًا أكثر، فإنّ هذا الرقم يعادل 1,2 مليار قرص تخزين صلب خاص بالحاسوب.
هذه الأرقام إن صحت فهذا يعني إننا نمتلك قدرات ذهنية في غاية الروعة وقدرات تخزين معلومات لا تضاهيها أكبر الحواسيب التي صنعها الإنسان حتى اليوم، ولكن هل يستخدم الإنسان كل تلك الطاقات العقلية التي يمتلكها؟ ترى كم في المائة من قدراتنا العقلية نستخدم؟
يقول الدكتور محمد السقا عيد في مقال له بعنوان (ذاكرة الإنسان.. إعجاز وبيان): «فليس هناك ذاكرة ضعيفة كما يعتقد البعض بذلك، لكن في الحقيقة أن هؤلاء الأفراد يمتلكون ذاكرة غير مدربة».
يروي توني بوزان هذه القصة يروى أنه في بدايات هذا القرن – يقصد القرن العشرين – حضر الصحفي الروسي الشاب سيرشيفسكي – الذي أشير إليه بحرف (S) في كتاب (ذهن من هو حاد الذاكرة) من تأليف الأستاذ الدكتور لوريا – اجتماع المحررين، ولاحظ الآخرون شيئًا يثير مخاوفهم، وهو أنه – أي (S) - لا يدون الملاحظات، وعندما ضُغط عليه ليفسر الأمر أصبح مرتبكًا، وما أثار دهشة الجميع أنه بدا واضحًا بالفعل إدراكهم لعلة وجوب تدون الملاحظات على الجميع.
وكان تفسيره لعدم تدون الملاحظات هو أنه يمكنه تذكر ما كان يقوله رئيس التحرير، إذن فما المشكلة؟ وعندما تحدوه أعاد (S) الحديث بأكمله على مسامعهم، كلمة بكلمة وجملة بجملة وإيماءة بإيماءة.
في الثلاثين عامًا التالية كان (S) يخضع لاختبارات وفحوص من قبل الكسندر لوريا الطبيب النفسي الروسي البارز والخبير في الذاكرة.
وأكّد لوريا أن (S) كان طبيعيًا، وأن ذاكرته كانت رائعة حقًا، وصرح أنه عثر مصادفة وهو في سن مبكرة جدًا على المبادئ الأساسية لتقوية الذاكرة، وأن هذه المبادئ قد أصبحت جزءً من وظيفته الطبيعية.
وكذلك تروي كتب التاريخ للكثير من علماء المسلمين هذه القدرة على الذاكرة والتذكر، فيروى أن تم اختبار قوة الذاكرة لدى الإمام البخاري -رحمه الله- فعمد من اختبره إلى مئة حديث نبوي شريف، فقلبوا متونها وأحاديثها وجعلوا لكل رجل عشرة أحاديث وأمروهم إذا حضر البخاري المجلس أن يلقوا ذلك عليه، فأخذ كل رجل يعرض أحاديثه على البخاري وهو يرد عليهم بقوله «لا أعرفه»، حتى إذا انتهوا جميعًا، فقال للأول: أما حديثك الأول فقد قلت كذا وكذا وصوابه كذا وكذا، وحديثك الثاني قلت كذا وكذا وصوابه كذا وكذا، وحديثك الثالث... واستمر في سرد وتصحيح الأحاديث كلها، فرد كل متن إلى إسناده، وكل إسناد إلى متنه حتى انتهى من المئة. وقال ابن حجر: «لم يكن العجب من رده الخطأ والصواب، بل العجب من حفظه للخطأ على ترتيب ما ألقوه عليه مرة واحدة».
العوامل التي تؤثر على الذاكرة والتذكر
وربما الحقيقة التي يمكن أن نستشفها من خلال هذه القصص والحكايات وغيرها الكثير أنه لا توجد هناك ذاكرة قوية وأخرى ضعيفة كما يعتقد البعض، لكن الحقيقة أن هؤلاء الأشخاص يملكون ذاكرة غير مدربة، فالمعلومات التي يبدو أن الإنسان قد طوى صفحاتها مازالت موجودة بالذاكرة، ولكن لكي تظهر يلزمها إظهار (عملية استرجاع)، وهذه هي العملية تحتاج إلى تدريب؛ لأنها تبحث في طيات وتعاريج المخ فتبحث عن كل المعلومات المتعلقة بالماضي وربما الماضي البعيد، ولقد أكّدت العديد من الدراسات الطبية والنفسية والعصبية أن هنالك العديد من العوامل التي تؤثر على عملية استرجاع الذاكرة لدى الإنسان، ومن أهمها:
1- العوامل الصحية والعضوية والنفسية التي تؤثر في حياة الإنسان وفي قدرته على التعلم والانتباه والفهم والحفظ، مثل إصابات الدماغ، وإصابات الحواس، والأمراض النفسية كالقلق، والتوتر، والاكتئاب، والمخاوف بأنواعها.
2- مستوى التعلم والإتقان للمادة التي يتعلمها الإنسان، ومستوى التدريب العملي إلى جانب التعلم النظري، وكذلك التعلم على مراحل منتظمة مقابل التعلم المكثف يتخللها استراحة عقلية ونفسية مناسبة، مع وجود اهتمام ودافعية لعملية التعلم أو لاكتساب الخبرات، فالأمور التي تهم الإنسان تثبت في ذاكرته أكثر من الأمور التي لا تهمه والتي سرعان ما ينساها.
3- مدى استعمال الخبرات خلال حياة الإنسان، فقد ثبت بأنه كلما استعمل الإنسان خبراته على فترات زمنية غير متباعدة، كلما أدى ذلك إلى مستوى احتفاظ مرتفع وذاكرة قوية قاوم عملية النسيان.
4- درجة المعنى أو الفهم لخبرات الإنسان أو لما يتعلمه في الحياة، فقد ثبت أن الخبرة ذات المعنى والمترابطة في عناصرها، والمفهومة بشكل واضح تسهل عملية الاحتفاظ في الذاكرة، كما تسهل عملية التذكر.
5- وهناك ما يسمى بعامل الكف حيث تؤثر المعلومات المتعلمة (أو المكتسبة) الجديدة أو اللاحقة على المعلومات المتعلمة والخبرات السابقة لدى الفرد، ويحدث بينهما تداخل وتفاعل يؤدي إلى ترك أو نسيان المعلومات التي لم تعد تفيد الإنسان في حياته.
6- عوامل عامة ولكنها مهمة مثل العوامل والأوضاع التي يمر بها الفرد مثل قدرات الفرد العقلية (الذكاء) ودافعية الفرد، واهتماماته، وصحته، وحالته النفسية، وأوضاعه الأسرية والاجتماعية والتعليمية، وعوامل الكبت، والحرمان، وكذلك عمر الفرد ومرحلة نموه، والإدمان على الكحول والمخدرات وغير ذلك، فالمعروف أن الشراب يدمر ألف خلية عصبية مع كل مرة يشرب فيها الإنسان.
النسيان
وإن كان النسيان مشكلة عند العديد من الناس، إلا أنها تعد عند بعض العلماء إحدى وظائف الدماغ، حيث يقوم الدماغ بعملية كف أو تثبيط لبعض الذكريات التي لم تعد تهم الإنسان، ويدفع الدماغ بهذه الخبرات إلى حيزّ اللاوعي أو ما نعرفه في بعض الأحيان باللاشعور، وربما على ذلك اختلفت النظريات النفسية المفسرة للنسيان، ولكننا سنحاول أن نوجز ثلاثة منها، وهي:
1- نظرية الضمور: وتهتم هذه النظرية بأن ذكرياتنا وخبراتنا السابقة تسجل في الدوائر الكهربائية والعصبية في المخ تمامًا كما تسجل الأغاني أو المحاضرات على شريط التسجيل، وتضعف آثار الذاكرة بمرور الزمن.
2- نظرية التداخل: وهي أن تداخل أوجه النشاط المختلفة أثناء النهار، وكثرة الأعمال الحركية والذهنية من طبيعتها أن تؤثر على عملية التدعيم، ومن ثم يسهل نسيان المواد المستذكرة.
3- نظرية الكبت: وهذه تتبع نظرية التحليل النفسي في تفسيره لحتمية الأمور، فنحن ننسى الحوادث التي إذا تذكرناها نشعر بألم نفسي شديد، نظرًا إلى ترابط هذه الذكرى بحادث أو شخص أو نشاط سبب لنا في فترة سابقة ألمًا وقلقًا شديدين، فالنسيان في هذه الحالة عملية دفاعية لا شعورية، ضرورية.
عمومًا، أيًا ما كانت النظريات التي تفسر النسيان وربما تجعله إحدى وظائف المطلوبة من الدماغ، إلا أن هناك أمور لا يرغب الإنسان في نسيانها وخاصة ما تتعلق ببعض الأمور الحياتية والمهنية الآنية، فكيف يمكننا أن نستحث الدماغ؟ وكيف يمكن أن ندرب أدمغتنا على تنشيط مثل هذه الذاكرة؟ وهذا موضوع آخر سنتحدث فيه.

Zkhunji@hotmail.com





كلمات دالة

aak_news