العدد : ١٥١٨٢ - الخميس ١٧ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٨ صفر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٨٢ - الخميس ١٧ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٨ صفر ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

العرب في مهب الفوضى الخلاقة

بقلم: د. نبيل العسومي

الأحد ١٠ يناير ٢٠١٦ - 03:00



تعد نظرية الفوضى الخلاقة من النظريات الخطيرة والحساسة التي تتبناها الولايات المتحدة الأمريكية في الوقت الراهن تجاه العالم عموما والشرق الأوسط والمنطقة العربية خصوصا، وأصبحت أسلوبا جديدا لإدارة وتوجيه مصالحها وأهدافها. «خصوصا» بعد اضمحلال الآيديولوجية الاشتراكية السوفيتية ورجحان إدارة النظام العالمي وقيادته وفق منظومة الأحادية القطبية. وأخذت هذه النظرية مساراتها العملية في التطبيق بعد أن كانت أمريكا تتعامل عالميا خصوصا مع المناطق ذات الأهمية الاستراتيجية الاقتصادية والعسكرية وفق آلية الانقلابات العسكرية والتدخلات العسكرية المباشرة لضمان أهدافها ومصالحها الحيوية فيها لمنع قيام الأنظمة والسياسات والآيديولوجيات التي تعيق هذه المصالح، وبعد أن وجدت تلك الآليات مكلفة من الناحية العسكرية والاقتصادية والبشرية، ارتأت في الآونة الأخيرة اعتماد عدد من النظريات تكون من خلال اعتمادها القوى المهيمنة عالميا والمحققة لنظام عالمي جديد بأقل التكاليف وبأقصر الطرق وأبسطها ومن دون التدخل العسكري المباشر من جانبها، ومنها نظرية الفوضى الخلاقة التي تستوعب مجمل دول العالم الثالث ومناطق التوتر، والمناطق الثرية في العالم والتي يمكن استخدامها لإدارة المعارك وتصفية الحسابات، ومن تلك المناطق البلدان العربية.
ويعد الخبير والمفكر الاستراتيجي الأمريكي (مايكل ليدن) هو أول من صاغ مفهوم هذه النظرية عام 2003 حيث وضع آلية وخطة جديدة للولايات المتحدة لإدارة أهم المناطق حساسية في العالم وهي الشرق الأوسط بعد أن لاحظ ارتباك السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط وأعطى لها تسميات مرادفه منها (الفوضى والبناء) و(التدمير والبناء). وينطلق في نظريته من أفكار ومتبنيات تعكس الفلسفة التي تدين بها النخبة المسيطرة المتحكمة في القرارات والاستراتيجيات الأمريكية تجاه العالم والشرق الأوسط بالخصوص، وهي اعتماد الواقع أكثر مما يمليه الذهن، أي جعل له الأسبقية والرجحان، وينطلق ليدن بعد قراءة الواقع وتشخيص البيئة المحددة له؛ ليقول: إنه لا بدَّ من التعامل مع معطياته وتطوراته من خلال التغيير الكامل في الشرق الأوسط، وإعادة البناء بعد هدم الأسس والتقاليد القديمة وفرض الإصلاحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية الشاملة لدول الشرق وإبعاد الجهد الأمريكي المباشر، والاكتفاء بصياغة وتنظيم بناء النظام السياسي في هذه الدول، هذا ما صرح به أكثر من مسؤول أمريكي حول إعادة صياغة شرق أوسط جديد ونظام عالمي جديد، منهم (بوش الابن) عند مجيئه إلى السلطة حيث اتضحت معالم هذه النظرية في عهده، وكذلك مستشارة الأمن القومي الأمريكي (كوندوليزا رايس) التي أطلقت هذا المصطلح عند حديثها عن السياسة والمصالح الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط.
لاشك إن بلدان منطقة الشرق الأوسط ومنها بلداننا العربية تعيش حاليا مأساة تطبيق خطوات هذه النظرية من صراعات داخلية طائفية وقومية واثنيه وعشائرية، ومن مميزات هذه الدول أنها تعاني من رجحان كفة الانتماءات القومية والطائفية والعشائرية على كفة النظام السياسي الذي يتمثل في النظام، وبالتالي فأي تغيير طفيف وجزئي أو جذري يلحق بالنظام السياسي القائم فيها، يدخل بنيتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في دوامة الاضطرابات والفوضى، وبالتالي جاءت خطوات ومراحل تنفيذ هذه النظرية متناغمة مع ما تعيشه دول المنطقة من هذه الوقائع بإطلاق الصراع الطائفي والعرقي، حيث تقوم هذه النظرية على بث الشرخ الطائفي والعرقي الملازم لتركيبة شعوب ودول منطقة الشرق الأوسط، وهذا ما تعانيه أغلب دول المنطقة حاليا، منها لبنان التي تدور في دوامة الصراع الطائفي والقومي والاثني بين مختلف مكوناتها، والذي أفقدها مقوماتها كدولة متماسكة ضمن فلك النظام العالمي، كذلك السودان التي تم تغذية نوازع الانفصال فيها على أساس ديني، دولة في الشمال ودولة في الجنوب، بعد أن كانت تمثل لاعبا أساسيا إلى جانب مصر في الجزء الإفريقي العربي، والصومال أيضا مازالت تعيش دوامة النزاع القبلي والعرقي والديني بعد التدخل الأمريكي في العراقي 2003م.
من منطلقات هذه النظرية أيضا” خلق حالة «اللااستقرار»، وحالة إطالة أمد الصراع المصحوب بالأسلوب الدموي للقتل والدمار الناتج عن هذا الصراع والفوضى، مما يجعل المجتمع في حالة اليأس والضغط النفسي، وهذا يخلق حالة النظام الجديد الذي يولد من تفشي الفوضى، ومن أبرز الأمثلة العمليات المسلحة المتمثلة في السيارات المفخخة والعبوات والاغتيالات والإبادة الجماعية لبعض المكونات والتهجير التي يشهدها العراق وسوريا وليبيا واليمن حاليا.





كلمات دالة

aak_news