العدد : ١٥٢١٨ - الجمعة ٢٢ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٥ ربيع الأول ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢١٨ - الجمعة ٢٢ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٥ ربيع الأول ١٤٤١هـ

دراسات

«أخبار الخليج» تنشر مذكرات سفير البحرين الأسبق لدى طهران – 5
كتاب «في بازار الآيات.. كانت لنا أيام»

بقلم: حسين راشد الصباغ

السبت ٠٩ يناير ٢٠١٦ - 03:00



الفصل الرابع
ففي صباح يوم الاثنين 12-11-1979 اقتادت اللجان الثورية حارس سفارتنا إلى مقرها وأصرت على تفتيش السفارة وقد رفض بناء على تعليماتنا الصارمة وبقي معتقلا في مقر الحرس الثوري إلى ان قام المسؤول الفلسطيني المقيم في طهران هاني الحسن بجهود حثيثة حيث تم على أثرها الإفراج عن هذا الحارس، وهذا يعود إلى علاقة الحسن القوية بالقيادة الإيرانية المقربة من الامام الخميني. ومن الصعب حصر عدد الاستدعاءات الرسمية لي من وزارة الخارجية الإيرانية. ونظرا لكثرتها سأورد بعضا منها ففي 07-01-1981 استدعاني مانوشر فلاح مدير التجارة الخارجية. ان مكتبه متواضع جدا ولاحظت وجود مندوب من الحرس الثوري إلى جانب موظفين ثلاثة يمثلون جهات إيرانية أخرى. الجميع يسجل محضر مقابلتي. ذكر مانوشر ان إيران تسعى إلى تقوية العلاقات التجارية و الاقتصادية بين البلدين.
وفي 10-01-1981 استقبلني محمود بروجردي الوكيل المساعد للشؤون البرلمانية لوزارة الخارجية الإيرانية وهو زوج لابنة الإمام الخميني. انه أساسا مدرس ولكن نظرا لمصاهرته حصل على هذا المنصب المهم. عانيت وغيري من الدبلوماسيين الأجانب العاملين في طهران تغيير وتيرة مناصب المسؤولين بوزارة الخارجية الإيرانية. وقد استدعيت مرات عدة بسبب كلمة الخليج العربي التي وردت مثلا في نشرة إخبارية بإذاعة البحرين أو بالتلفزيون أو في صحف البحرين.
وأوضحت للمسؤولين الإيرانيين الذين استدعوني في هذا الشأن فوجدت أن هناك إصرارا من قبلهم على تسمية الخليج الفارسي بدلا من الخليج العربي وعلينا الامتثال لذلك، عندها شرحت لهم انه عند التوصل الى استقلال البحرين مع إيران أيام الشاه وتخليها عن المطالبة بالبحرين وصدور قرار مجلس الأمن في ابريل 1970 في هذا الشأن اتفق الجانبان على ان تترك هذه التسمية بالخليج العربي لدول الخليج العربية وان تحتفظ إيران بتسمية الخليج الفارسي.
حصار سفارتنا من قبل متظاهرين معادين للبحرين 18-06-1980
في الساعة العاشرة من صباح يوم الأربعاء وصل إلى سفارتنا فريق من المتظاهرين يتراوح عددهم بين ثلاثين شابا يخفون وجوههم بالكوفية ومعهم أربع نساء واحدة ترتدي العباءة البحرينية والنساء الثلاث الأخريات يرتدين الجادر الإيراني الأسود. وكنت أراقب المتظاهرين من شباك مكتبي. ومن حسن الحظ ان أبواب السفارة الخارجية كانت مغلقة كما جرت العادة منذ احتلال السفارة الأمريكية في 4 نوفمبر 1979. كان هؤلاء المتظاهرون يحملون شعارات من القماش مكتوبا عليها الجبهة الإسلامية لتحرير البحرين. اننا هنا نثأر لجريمة قتل الشهيد جميل العلي، ثم بدؤوا الهتافات العالية تارة باللغة العربية وتارة أخرى باللغة الفارسية وذلك على طريقة شعارات مواكب العزاء في أيام عاشوراء في البحرين. وفي الحال طلبت محادثة السيد فردون زند فرد مدير الدائرة السياسية الأولى الذي كان ضمن الوفد الإيراني إلى البحرين الذي ترأسه الوزير قطب زاده في وقت سابق. وقد حادثته حول تجمع المتظاهرين وهتافاتهم المعادية ضد حكومتنا وطلبت منه إرسال الشرطة وفض المتظاهرين بسرعة حفاظا على العلاقات الطيبة القائمة بين البلدين. وان أي تباطؤ في صرف هؤلاء المتظاهرين عن سور السفارة سيترك آثارا سلبية على علاقات البلدين. وقد وجدت تجاوبا طيبا من المسؤول الإيراني الذي أبدى أسفه بل وامتعاضه، وان الخارجية الإيرانية ستتخذ الإجراءات السريعة ضد هذه التظاهرة. كما اتصلت بالسيد ذي العين مدير المراسم الذي كان متجاوبا معي بشكل جيد وبعد نصف ساعة وصلت عدة سيارات محملة بأفراد الحرس الثوري والشرطة الإيرانية وكانوا يحملون أسلحة رشاشة، وقد سدوا بداية الطريق ونهايته، كما وقفوا أمام المتظاهرين وبينهم يرقبون تحركاتهم من دون ان يطلبوا منهم الانصراف أو فض المظاهرات وإنهاء الهتافات المعادية لدولتنا. ومن الهتافات التي رددها المتظاهرون يسقط عيسى وصدام وبيجن والموت لآل خليفة، ثم قالوا الله اكبر لا سنية لا شيعية لكن ثورة إسلامية، يا خليفة يا أصنام يا عبيد الاستعمار، أبدا والله ما ننسى المساجين، وفي البيان والهتافات التي رفعوها ذكروا أن سفير البحرين المحاصر هنا يومه قريبا جدا. واتصلت ثانية بالسيد فردون زند فرد طالبا منه ان يقوم الحرس الثوري والشرطة بصرفهم بسرعة، من ناحية ثانية أحطت السفير الصومالي وهو عميد السلك العربي بهذا الأمر وطلبت منه عقد اجتماع عاجل للسفراء العرب في طهران لدراسة هذا الأمر. كما اتصلت بالعديد من سفراء الدول العربية وأحطتهم علما بهذا الأمر وطلبت تحديد موعد لي مع وكيل وزارة الخارجية أو أي مسؤول إيراني ولكن لم يحددوا لي موعدا. واستمر المتظاهرون بهتافاتهم المعادية حتى الساعة الثانية والنصف ظهرا حيث انصرفوا وتبعهم رجال الحرس الثوري والشرطة حتى نهاية الشارع. وكنت في حينها قد اتصلت بكبار المسؤولين بوزارة خارجيتنا في البحرين. وبناء على ذلك تم استدعاء القائم بالأعمال الإيراني بصورة عاجلة وسلم كتابا مهمّا بضرورة إنهاء هذا الحصار حالا وضرورة حماية الدبلوماسيين البحرينيين وعلى رأسهم جنابنا، وقد ألصقت على أبواب السفارة وجدرانها صور لهادي مدرسي وجميل العلي وشعارات وملصقات أخرى كتبت بالصبغ الأحمر وهي نفس الشعارات المعادية. واذكر ان السفير السويسري في طهران عندما التقيته في 20 مايو 1980 ذكر ان الدبلوماسيين الأوروبيين قلقون على حياتهم نظرا لكثرة الاعتداءات المتكررة عليهم من قبل رجال الحرس الثوري في طهران أو في المطار، ولا سيما عند الحواجز الأمنية المقامة في الشوارع، وطلب مني اخذ الحذر والحيطة وزيادة الحراسة على السفارة ومنزلي ومنزل الدبلوماسيين البحرينيين. وتلقيت مثل هذا التحذير من السفير البريطاني جرهام، ولكن من ناحية أخرى وجدت معظم السفراء الأوروبيين مرتاحين جدا للحد من نشاط الشيوعيين واليساريين وخاصة ان الحرس الثوري قد شن هجوما قويا على مكاتب مجاهدي خلق و فدائيي خلق وقد أغلقوا مكاتبهم وصادروا محتوياتهم.
بعد انفضاض حصار سفارتنا من قبل فئة بحرينية شيعية وفئات خليجية أخرى داعمة لها وهم جميعا من المعارضة الخليجية المدعومة من قادة جمهورية إيران الإسلامية والتي تحمل أسماء جبهات تحرير البحرين ودول الخليج الإسلامية الأخرى. لفت نظري في السفارة أنا والدبلوماسيين العاملين معي ونحن نتفقد سور السفارة الخارجي وكذلك بوابتها وجود اكثر من صورة لسيد هادي مدرسي وقد تطرقت إلى ذكره في حلقات سابقة وكان قد ابعد من البحرين ومن الشارقة بالإمارات نهاية 79. قلت في نفسي: ما اشبه اليوم بالبارحة ليس في البحرين فقط بل في دول الخليج، ولا بد هنا من التطرق بعد هادي مدرسي في البحرين إلى عباس المهري في الكويت. انه تاجر كويتي معروف وهو ينحدر من أرومية فارسية. كما انه مصاهر للإمام الخميني، ومن ألقابه في الكويت انه الممثل الخاص للخميني فيها، كما انه المسؤول عن صلاة الجمعة، وقل مثل ذلك عن هادي مدرسي الذي يقول إنه ممثل الإمام الخميني الخاص في البحرين كما انه إمام الجمعة فيها. ان تنظيم الإمام الخميني قائم سواء داخل إيران أو خارجها على قيام رجال الدين الشيعة الذين ينحدرون من أرومية أعجمية وغير ذلك. ومن الجدير بالذكر ان كثيرا من قادة أهل السنة في البلاد العربية بعد قيام الثورة الإيرانية أيدوا هذه الثورة وكان من أكثرهم تأييدا بل واندفاعا الفلسطينيون المقيمون في لبنان، ولكن قادة الثورة الإيرانية لم يعيروا هذا أي اهتمام يذكر بل دعموا وأيدوا قادة الطيف الشيعي من دون سواهم في دول الخليج.
كان عباس المهدي له ندوة أسبوعية في الكويت بدءا من سنوات الستينيات والسبعينيات من القرن العشرين أيضا. يعقدها في مساجد وحسينيات الكويت الكثيرة والمنتشرة في كل أحيائها وقد زرت بعضا منها خلال عملي في الكويت في مجال التدريس ابتداء من عام 1964 حتى نهاية 1968. ان عدد المساجد الشيعية في الكويت يصل إلى عشرين مسجدا أو أكثر وزرت بعضا منها ولاحظت ان المسجد بجانب انه للعبادة وأداء الصلوات فهو أيضا بمثابة ناد ومكان لعقد الاجتماعات و الندوات. وبه مكتبة تحتوي على كثير من كتب الشيعة المهمة، اذكر منها كتاب فصل الخطاب في تعريف كتاب رب الأرباب للطبرسي. كما أهداني احدهم من الأصدقاء كتاب أهل الشيعة وأصولها للمرجع العراقي الشيعي المشهور محمد حسين كاشف الغطاء. إلا أنني وجدت ان عدد الحسينيات في الكويت يربو على خمسين حسينية منتشرة في جميع أحياء الكويت و مدنها. وتوجد فيها أيضا مكتبات توزع الكتب ولا سيما الدينية منها مجانا.
ان زيارتي للمساجد والحسينيات في الكويت هو أمر طبيعي كنت أحرص عليه. انه ديدني كما كنا في البحرين ونحن صبية صغار نشارك في مواسم العزاء ومواكبها في مدينة المحرق حيث نتقدم الصفوف مع حاملي الرايات السوداء من دون إحساس يذكر بان هناك فروقا طائفية بين السنة والشيعة.
ولاحظت ان هناك مراكز دينية شيعية للنساء ولهم أيضا مدارس كالمدرسة الجعفرية إلى جانب عدة مدارس للجالية الإيرانية الكبيرة في الكويت. ان عباس المهري يحرص دائما على رفع شعارات الدفاع عن الحرية والتقدمية والديمقراطية وعلى أساس ان لا يمس الطيف الشيعي الذي ينتمي إليه. بعد هذه الندوات الكثيرة التي كان ينظمها المهري أثير كثير من اللغط والاهتمام والقلق من الجهات الكويتية الرسمية. وبتاريخ 01-09-1979 كان هناك اهتمام بالشعارات التي طرحها المهري والطيف الشيعي فيها والتي تمثلت في دعم الثورة الإيرانية بصورة فيها كثير من المبالغة وتهديد امن الكويت واستقرارها. عندها قامت سلطات الأمن الكويتية باعتقال عباس المهري. ومن المعروف ان المهري ترأس لجنة شعبية كويتية يغلب عليها الطابع الشيعي حيث غادرت الكويت بطائرة خاصة. وقدمت التهاني لقائد الثورة الإيرانية الإمام الخميني بعد نجاح ثورته. وان المهري هو الذي استخرج بطاقة زيارة للإمام الخميني عندما أبعد من العراق وأراد الدخول إلى الكويت. وفي 04-10-1978 اجتمع مجلس الوزراء الكويتي وقرر منع الإمام الخميني من دخول الكويت وهذا المنع أغضب المهري وجماعته من شيعة الكويت. عندئذ نددوا بقرار حكومة الكويت وكرروا قولهم إن الكويت ليست محمية إيرانية ليقوم عندئذ سفير إيران في الكويت بطلب من حكومة الشاه ليمنع الإمام الخميني من دخول الكويت وان سمو الشيخ جابر الأحمد أمير دولة الكويت ليس موظفا في البلاط الشاهنشاهي الإيراني لكي يمتثل لأمر الشاه وان الشيعة في الكويت كانوا دائما يرددون أنهم يمثلون نصف سكان الكويت. وانهم قد ساهموا بل يساهمون في بنائها ونهضتها وازدهارها. واذكر وأنا في بيروت خلال عام 1978 أمارس عملي الدبلوماسي كنت أتابع ما تنشره الصحف اللبنانية باهتمام شديد ولا سيما في مجلة الأسبوع العربي حيث ربطتني علاقة حميمة برئيس تحريرها ياسر الهواري وكذلك مجلة الحوادث ورئيس تحريرها سليم اللوزي ورياض الريس. وطبعا غسان التويني صاحب جريدة النهار وميشال ابو جودة وعموده العربي والدولي وكنت كوّنت هذه العلاقة مع هذه النخب الصحفية اللبنانية الهامة والتي امتدت من شهر يونيو 68 حتى نهاية 1976 والتحاقي بالعمل الدبلوماسي. كانت هذه الصحف المذكورة ترصد كل التطورات التي تجري في إيران وفي دول الخليج العربي.
واذكر وأنا في بيروت خلال عام 1978 كنت أتابع ما تنشره الصحافة اللبنانية مثل مجلة الحوادث ورئيس تحريرها سليم اللوزي وكذلك صحيفة النهار وصاحبها غسان التويني وكاتب الأعمدة فيها اللامع الصيت ميشال ابو جودة وكذلك الصديق رياض الريس الصحفي والإعلامي السوري المعروف، كانت تربطني علاقة حميمة بياسر الهواري رئيس مجلة الأسبوع العربي وكنت قد كونت هذه العلاقة الحميمة مع هؤلاء الصحفيين خلال عملي في الإعلام بدولة البحرين ابتداء من يونيو 1968 حتى نهاية 1976. وأود هنا ان اذكر ان كثيرا من العائلات الإيرانية التي عاشت في الكويت تحمل جنسيتها فعائلة بهمن لهم عضو في مجلس الأمة الكويتي ومعظم أفراد هذه العائلة هم من كبار التجار ورجال الأعمال في الكويت وقل مثل ذلك عن عائلة مقامس وقبازرد وعائلة بهبهاني ذات النفوذ المالي والتجاري الواسع بل لها نفوذ سياسي أيضا وكانوا وكلاء سيارات عدة حيث اشتريت منهم أول سيارة لي في حياتي اقتنيتها كانت سيارة فولكس فاجن، هذه الخنفساء كانت وسيلتي الوحيدة في التنقل في أنحاء الكويت في فصل الشتاء القارس الشديد البرودة وكنت أتمتع بتدفئة مركزية رائعة متنقلة توفرها هذه السيارة المتواضعة، وقد لاقت هذه السيارة رواجا شديدا في الكويت نظرا لبساطتها وجمال محياها الغريب والملفت للنظر وهذا يذكرني بالزميل والصديق الكويتي سفير الكويت ومندوبها الدائم في الأمم المتحدة في نيويورك محمد عبدالله ابو الحسن عرفته خلال عملي في الأمم المتحدة والذي امتد سنوات خمسا ما بين 1982 وعام 1987 وان ابو الحسن قد امتد عمله في الأمم المتحدة لسنوات طوال بعد ذلك حتى تحرير الكويت من الغزو العراقي في فبراير سنة 1991. واذكر أنني التقيت السفير محمد ابو الحسن في بكين خلال عملي الدبلوماسي فيها كان حينئذ يرافق سمو الشيخ سعد العبدالله الصباح ولي عهد الكويت في زيارة للصين عام 1995. انه حقا من السفراء الكويتيين المحظيين من قبل النظام الكويتي واختم هذا الفصل بان الثورة الإيرانية الإسلامية ما هي إلا الشرارة الأولى التي سوف تفجر كل المنطقة وتثير فيها القلاقل والاضطرابات وطبعا باسم الدين، وهذا ما نلمسه اليوم في الساحة العربية. وان الإمام الحسين ابن علي بن أبي طالب يعني لهم ثورة الغد على الظلم والاستبداد وأملا في غد أفضل. ان إيران الثورة كما يرددونها اليوم هي رائدة الأمة الإسلامية لذلك هم يدعمون كل تحرك شيعي في المنطقة ولا سيما في دول الخليج وفي السعودية ولبنان وسوريا بل واليمن.























كلمات دالة

aak_news