العدد : ١٥٢٠٨ - الثلاثاء ١٢ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٥ ربيع الأول ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢٠٨ - الثلاثاء ١٢ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٥ ربيع الأول ١٤٤١هـ

الثقافي

سرديات:
سرديات: كيف نجعل من السرديات العربية مقررات أدبية جاذبة في مجال التلقي الأكاديمي؟ (2-4)

بقلم: د. ضياء عبدالله خميس الكعبيّ

السبت ٠٩ يناير ٢٠١٦ - 03:00



لا بد أن يُعاد النظر في صحائف التخرج ومتطلباته لبكالوريوس اللغة العربيّة بحيث يدخل تدريس الفلسفة الإسلاميّة والمنطق وعلم الأصول وعلم الكلام والبلاغة الإقناعيّة والحجاج والتاريخ العربيّ الإسلاميّ والحضارة العربيّة الإسلاميّة جنبًا إلى جنب مقررات النثر العربيّ القديم في السنة الثانية والثالثة من التخصص وذلك من خلال تجذير نظام الوحدات course/unit في الدرس الأدبيّ الجامعيّ «فهذا النظام يتيح للطالب الانتقال من حصة الأدب إلى حصة المنطق ليقف فيها على مظاهر تأثر الثقافة العربيّة بالمنطق في مجالات علم الكلام والبلاغة وأصول الفقه والنحو والتشريع، وفي نمط التفكير العربيّ الإسلاميّ عامة. وهذا الطالب نفسه يلتحق بعد ذلك بحصة التاريخ التي يتعلم فيها النظر إلى التاريخ في علاقته بالفيلولوجيا وبالأدب وهو ما يمكنه من بناء تصوّره للتاريخ وللأدب في تعالقهما النسقيّ ويقدم له إمكانية صوغ رؤية نسقيّة تكاملية لحضارته ولمشروع ثقافة أمته الذي يشكل الأدب جزءًا حيًّا من ديناميتها الفاعلة». وهذا يعني أن توصيفات المقررات ومحتواها ستكون متكاملة ومعضدة لبعضها في تعميق الرؤية النسقيّة الناظمة للدروس ونظام الوحدات الدراسيّة course/unit يسمح بإدخال مثل هذا التغيير والتعديل.
أمّا التعديل الآخر المطلوب إجراؤه فهو إعادة النظر أيضًا في توصيفات ومحتويات مقررات النثر العربيّ القديم؛ إذ لا بد أن تُراجع بالنظر إلى سياقاتها الثقافية التي تخلّقت قيه وهو سياق بيّنا سابقًا ضخامة الحقول المعرفيّة التي ينتمي إليها ويحتويها. ورؤية مثل هذه تقتضي التنويع في اختيار النصوص النثرية والخروج من المفهوم الضيق لكلمة «نثر عربيّ قديم» إلى مفهومات أوسع تتعلق بالسرديات العربيّة القديمة في نصوصها المتنوّعة التي لم تقتصر فقط على الجماليّ وإنما تعدته إلى غير الجماليّ الذي لا ينتمي إلى دائرة الثقافة العالمِة، وهذا ما سنبينه عند حديثنا عن تجاور الجماليّ والثقافيّ في درس النثر العربيّ القديم وهي النقطة التالية.
النقطة الثانية في المشروع المقترح: تجاور الجماليّ والثقافيّ في درس النثر العربيّ القديم:
نشير في هذا التجاور بين الجماليّ والثقافيّ إلى حقيقة أساسية مؤداها أنَّ الفصل بين الأدب والسياقات الثقافيّة فصلٌ تسرب إلى «الأكاديميا العربيّة» بفعل المؤثر الاستشراقيّ الذي آثر المفهوم الرومنطيقيّ في تضييق مفهوم الأدب وجعله يقتصر على الكتابة الإبداعيّة فقط دون التطرق إلى أنماط المعارف المتنوّعة التي تنتظم مفهوم الأدب بمعناه القديم الواسع وخاصة الأدب العربيّ القديم. وقد تنبّه كارل بروكلمان إلى أنًّ «تضييق مفهوم الأدب ليقتصر على الشعر والنثر الفنيّ فحسب إنما هو من نتاج العصر الحديث. ولذا نراه في كتابه «تاريخ الأدب العربيّ» يتناول الأدب بأوسع معانيه على «كل ما صاغه الإنسان في قالب لغوي ليوصله إلى الذاكرة» بخلاف منظور ريجيس بلاشير وآندريه ميكال اللذين ضيّقا معنى «الأدب» لينسحب على الشعر والنثر الفنيّ؛ أي على المعنى الحديث لمصطلح «الأدب». وقد أثّر هذا المفهوم الاستشراقيّ على كتابة «تواريخ الأدب العربيّة» عند كل من جرجي زيدان ومحمد بك دياب ومحمد روحي الخالدي في كتابه (تاريخ علم الأدب عند الإفرنج والعرب وفيكتور هوكو، 1904)، ولا سيّما أنَّ عددًا من كبار المستشرقين الأوروبيين حاضروا في قسم اللغة العربيّة بالجامعة المصرية وتتلمذ على أيديهم عدد من كبار المفكرين والنقاد المصريين مثل طه حسين وأحمد حسن الزّيات وسواهما. وهكذا عرفت مقررات الأدب العربيّ القديم في الجامعات العربيّة هذا التناول التاريخيّ.
ركّزت المقاربات الشكلانيّة والبنيوية على «أدبيّة الأدب» literacy، وعملت على دراسة النصوص معزولة عن سياقاتها التاريخيّة والبيوغرافية الثقافيّة وانعكست هذه المقاربات على درس الأدب العربيّ في بعض الجامعات المغربيّة من خلال إدخال بعض أدبيات تحليل النصوص المعاصرة من اللسانيات والسيميولوجيا والبنيوية بدءًا من سبعينيات القرن الماضي، وإن كانت هيمنة التاريخيّ ستستمر رغم هذه المقاربات.
وسيتجاوز النقد في مرحلة ما بعد البنيوية هذا الفصل اللاحق بالجماليّ والثقافيّ انطلاقا من تفكيكية جاك دريدا التي عملت على تفكيك المركزيات والاعتناء بالهوامش، وانطلاقا كذلك من تحليل الخطابات عند ميشيل فوكو مرورًا بالدراسات الثقافيّة والنقد الثقافيّ والتاريخانيّة الجديدة التي وسّعت مفهوم النص وجعلته ينفتح على الممارسات المؤسساتيّة والبنيات الاجتماعيّة التي سيكون من المفيد دراستها بوصفها شفرات ونصوصًا، وهذا ما ينبغي أن يتحقق في درس الأدب العربيَّ القديم بما في ذلك دروس النثر العربيَّ.
ليست الدعوة إلى تجاور الجماليّ والثقافيّ في مقترحنا تعني الدعوة إلى موت الأدب والنقد الأدبيّ وإحلال الثقافيّ محلهما كما دعا إلى ذلك بعض النقاد الغربيين مثل لسلي فيدلر LeslieFiedler وإيستهوب Antony Easthope وسواهما، وتابعهما في ذلك وتبنى دعوتهما الغذّاميّ الذي أكّد في كتابه «النقد الثقافيّ» موت النقد الأدبيَّ وإحلال النقد الثقافيّ محله، وإنَّما ندعو إلى التجاور بين التمثيلات الثقافيّة والتمثيلات الأدبيّة في مقررات النثر العربيَّ القديم على سبيل التعاضد والانفتاح والتداخل مما يثري ويخصب الممارسات النقدية ويجعلها تتحرر من أسر القراءات الضيقة المغلقة؛ فالأدب العربيّ القديم بما في ذلك الشعر والمرويات والمدوّنات والمرويات السردية ذو طبيعة منفتحة تنفتح على الأدب بمعناه القديم الواسع الذي تتلاقح فيه مصنفات الفقه والفلسفة والمنطق والتاريخ والمسالك والممالك إلى جانب عيون الأخبار والأشعار. وقد انتبه الباحث أحمد بوحسن إلى مفهوم الأدب في سياقاته الثقافيّة الواسعة التي احتواها كتاب «الأغاني» لأبي الفرج الأصفهانيّ، وعدّ الكتاب أنموذجًا يجب أن يُحتذى لتجاور الدراسة الأدبيّة الضيقة إلى الدراسة المتعددة الاختصاصات والمعارف في سياق الدراسات الثقافيّة.
النقطة الثالثة في المشروع المقترح: تجاور خطابي الثقافتين العالِمة والشعبيّة في مقررات النثر العربيّ القديم: أسئلة الهامش والمتن:
على الرغم من كون المرويات والمدوّنات السردية العربيّة القديمة تشكّل جانبًا كبيرًا لا يُستهان به في الموروث الحضاريّ العربيّ الإسلاميّ وذلك من خلال انفتاحها وتعالقها وتناصها وتداخلها مع الأنواع الأدبيّة ومع الذات العربيّة في مختلف بناها الذهنيّة والفكرية إلا أنَّ الموروث النقديّ والبلاغيّ العربيّ قد غيّب القص العجائبيّ والسيرة الشعبيّة وأنواعا سردية أخرى، على سبيل المثال: خطاب الأحلام والرؤى والمنامات وخطاب التحامق والجنون وكرامات الصوفية وغيرها بفعل تضافر عوامل عدة أظهرها اهتمام النقاد والبلاغيين العرب القدامى بالدراسات الإعجازية وبنقد الشعر.






كلمات دالة

aak_news