العدد : ١٥١٨٩ - الخميس ٢٤ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٥ صفر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٨٩ - الخميس ٢٤ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٥ صفر ١٤٤١هـ

الثقافي

جماليـــات الشعـــر العــامــي لـــدى الشـــاعــر عبـــدالرحمــــن رفيـــع

بقلم: خليفة اللحدان

السبت ٠٩ يناير ٢٠١٦ - 03:00



في بحـّة العلان وتجليات محمد بن فارس وآهات الغواصين وطيبة الناس البسطاء أبحر شاعرنا المبدع عبدالرحمن رفيع في بحور الحب والشعر ولم يعد، عشق الشعر وتولـّه بالبحرين وتجذرها في كل ذرة من كيانه، بحضوره الباهر وبساطته وصدقه المتناهي في حب الناس، كان صوتهم النابض بالحياة ولسان حالهم بأسلوبه الفكاهي الفريد وطرفه ونوادره التي تجلو عن النفس الهم والحزن
بيعوني في سوق الحراج
برخيص لو فلسين
بيعوني بس يبقى النخل
ويبقى البحر بحرين
ولد شاعرنا في فريج الفاضل في بيت متواضع بسيط مثل بيوت كل البسطاء مليء بالحب والدفء، تنفس رائحة البحر وسرت في عروقه حبات الندى مع كل صباح ندي، سافر بخياله مع نوارس البحر وهي تجتاز المدى البعيد يحن لمراتع الطفولة والصبا رفع شراع الحب في أغاني البحار الأربعة وتاه في الدوران حول البعيد وأضناه السؤال وغاص في بحر العيون وعاد في أول المحبة محملا بالورود والرياحين العطور وأعطانا أندر وأثمن الدانات في حب البحرين وحب الناس وحب الحياة.
وأعود إلى ذيك العهود
يطره علي
أول ما يطره الشته
يطره علي بيتنا العتيج
اللي على سيف البحر
والدنيا صخّه المطر
لقد كان شاعرنا منذ الطفولة مفعم بالحرية وحب الحياة، ظلت صور الطفولة والشقاوة منقوشة في وجدانه ينهل منها كيف يشاء ومتى شاء فهي مخازن للغلال لا تنضب ولا تنتهي، وبريشة الفنان ينقلنا إلى زمن الكتاتيب ذلك العالم المليء بالشقاوة والسحر والنقاء.
أيام زمان واحنا يهال
أول ما عيني فتـّحت
واعظامة اريولي قوت
ودّوني لمطوّع
وحكروني في حجرة مربعه
الملــّه ريال ٍ عيوز
خرفان جليل المنفه
يقرا علينا شي عظيم
ما نفهمه بس نسمعه
متربعين.
ما نحترك طول النهار
فوق الحصير.
وبعد مرور الأربع السنين العجاف كما يصورها لنا شاعرنا بكل تفاصيلها بكل عفوية وصفاء فإنه لا يغفل أن يصور لنا الفرق الشاسع بين تلك السنوات الأربع وسنوات المدرسة بكلمات غاية في البساطة عميقة في الدلالة والمعنى
واذكر في يوم
في بالي دوم
قالوا لي: باجر استعد للمدرسة
ليلتها في قلبي الفرح
زاد وطفح
والله كريم
خلــّصني من لمطوع
ومن بيته اللعين
المتبع لكنوز شاعرنا عبدالرحمن رفيع يصاب بالحيرة في اختيار أيما الدانات التي استخرجها لنا من قلبه النابض بالحب والوفاء، لقد كان شعره ظاهرة لم تجد من يعتني بها أو يقوم بدراستها دراسة عميقة بكل حياد بعيدا عن التنصيفات التي تقتل الأبداع، من النادر أن يجيد الشاعر الكتابة بالفصحى والعامية ومن يستسهلون الكتابة بالعامية يدركون صعوبتها عندما يحاولون الكتابة بها، الكتابة بالعامية كالرسم بالألوان المائية من ينظر إليها يظن أنها سهلة وفي متناول الجميع ولكن عند التجربة يدرك ذلك. فتأمل كيف ينقلك عبر الزمن في كلمات بسيطة وصور موحية ليرسم لنا أجمل اللوحات.
ويقرقعون
شاعر متمكن من لغته الفصحى يكتب قصائد عامية تهز النفوس وتمتلك المشاعر، وتصبح حديث الناس والأوساط يحفظها الكبير والصغير، لقد مست وترا حساسا في نفوسهم تعبر عن ما يشعرون به دون زيف أو تزويغ، يتلمس بإحساسه المرهف معاناتهم ومشاعرهم الفياضة.
سوق السمك
متروس رياييل وحريم
والله كريم
خيرات بلدنا مالها عد
كل واحد بذلك شهد
وهناك عيوز شايله جفير
باين عليها مرة فقير
يا خاله ليش ما تشترين
كل السمك زين وسمين
قالت: ياولدي شاشتري؟
الله يعين المسلمين
الصافي يغلى ماعليه
الكنعد يغلى ماعليه
الزبيدي يغلى ماعليه
الشعري الربعه ابثمان؟!
الله يجازينك يا زمان
يفتح التعجب دوائر كثيرة من الاندهاش، بساطة متناهية في التناول والطرح لا يسعف الكلمات ولا يجبر المعاني تنساب طيعة سلسلة من دواخل وجدانه ويتدفق النهر الجارف يقتلع الأحزان ويزرع البهجة والفرح، وتسجل هذه القصائد حضورا مبهرا لافتا وتضع بصمة واضحة مميزة لهذا الشاعر الذي لم ننصفه ولم ينصفه الزمن.
اركض اركض
الأوادم يركضون
اللي يوقف لحظه وحده
يتأخر شهر
واللي يتأخر شهر
يوقف قرون
لم يتصور أن قصائده الشعبية ستلقى هذا القبول العارم لقد كانت النفوس عطشى لهذا اللون من الشعر فقد مس شغافهم واسقط عن كواهلهم الكثير من الهموم والتعب، فكيف استطاعت هذه اللهجة الدراجة كما يسمونها أن تجد لها هذا الصدى والإقبال لدى الناس.
بلدنا روضة من لورود
اذا شفتها انفتح لي باب
من الجنة قبل مردود
وعوّد عمري الضايع
كأني من جديد مولود
بلدنا نسمة في ربوعها
تداوي الياس والميهود
وموب عجبه إذا في يوم
عصرت قلبي
وكتبت بدمه بس سطرين
مهب غواص في بحر العين
طبعنا يا هل البحرين
يتدفق شعره كينابيع البحرين العذبة الصافية التي كانت ملاذ الناس وسر حياتهم وكانوا يتحسرون وهم يرونها تنضب وتتلاشى أمام أعينهم وكان شاعرنا يعب تلك الينابيع العذبة في روحه وفي وجدانه فتدفقت شعرا في عذوبة (لحنيني) وسحر (عذاري) وفتنة (قصاري) وذلك في رأيي أنه سر تعلق الناس بشعره العذب الجميل الذي يستدعي الذكريات الجميلة للنفس ويخرجها من همومها اليومية التي لا تنتهي.
اليوم تغير كل شي
اليوم إذا طق المطر
ماله حلاة أيام زمان
الله على أيام زمان
يوم كنا في بنك الشته
بعد العشه
ندفى حول المنقلة
وأمنا العيوز
ملتفه في برنوص متين
تروي لنا
إحزاه طويله من حزاوي الأولين
في فتنة شهر زاد وخيالات السندباد واندفاعه عبر البحار والصحاري الوهاد والمدن الجميلة يحلق شاعرنا بجناحيه ليجلي لنا صورا شعرية متدفقة كأنها أنفاس العشاق لحظة الانتظار، تخرج من روحه بيادر مفعمة بالدفء والحب والحنان والظلال مفتوحة كالسماء الصافية لا تعزلها الأسوار ولا الغصون الشائكة تمتد كشعاع الشمس كزخة المطر كالنسمة الباردة المنعشة كتفتح الزهور في الأكمام كطيران العصافير وحفيف الشجر.
الشاعر عبدالرحمن رفيع بشعره الرصين وأسلوبه الفكاهي العفوي العميق ظاهرة فريدة نادرة كشجرة الحياة الوارفة الظلال مدت غصونها في أعماق الناس لتبق خالدة على مر الزمن وهذه مقتطفات من كنوزه الثمينة وهي دعوة لقراءة دواوينه التي لا تنسى أبدا.





كلمات دالة

aak_news