العدد : ١٥١٨٦ - الاثنين ٢١ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٢ صفر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٨٦ - الاثنين ٢١ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٢ صفر ١٤٤١هـ

الثقافي

نـــبــــــض
الروائي محمد عبدالملك: الأديب العاشق للإنسان والوطن

بقلم: علي الستراوي

السبت ٠٩ يناير ٢٠١٦ - 03:00



على مدى يومي الرابع والخامس من يناير 2016 اقامت اسرة الأدباء والكتّاب بالتعاون مع مركز كانو الثقافي تكريمًا يليق بالأديب الروائي محمد عبدالملك، بتقديم بحوث شارك فيها كل من الدكتور الناقد فهد حسين والدكتور الناقد من المغرب سعيد يقطين والدكتور الناقد العراقي عبدالله إبراهيم، واقفة على جسر إنجاز تجربة ملك الثقافية والأدبية، والتي امتدت لأكثر من نصف قرن من الزمان.
وكانت الرسائل التي قدمت من قبل الباحثين قد وقفت على عمق تجربة محمد عبدالملك، محتوية الأبعاد النقدية عبر رسائل قيّمت التجربة العميقة عند عبدالملك، وكانت الشهادات المقدمة من قبل المعاصرين للتجربة قد أرسى دعائمها عرض أفلام ولقطات وصور من حياة الكاتب وشيء من أعماله الفنية المتلفزة. وتكريمه بتقديم وسام الإبداع وتوزيع نسخ من روايته الجديدة.
الوقوف على تجربة الروائي الأديب محمد عبدالملك، يعني للمتتبع لكل نتاج عبدالملك منذ سبعينيات القرن الماضي، كونه من أبرز القصاصين البحرينيين الذين كتبوا القصة القصيرة، ومن أعمدة التجارب المؤثرة في تجربة جيل السبعينيات من القرن الماضي في البحرينية، وقد حظي بدراسات عدة أهمها دراسة الدكتورة أنيسة السعدون، التي وجهت عنايتها لبيان صلة الراوي في الخطاب والحكاية، من خلال مجموعة من قصص عبدالملك.
فتبين لها أن للراوي في قصصه حضورًا بارزًا، فهو حدد خطية الزمن وانحرافه، وضبط إيقاعه، وكشف أفكار شخصياته وأخفاها، ومكنها من النظر والقول أو أعفاها، وتحكم بشكل لافت فيما يقدمه من منظومات سردية، فقبض على طرق تقديم شخصياته، وكيفية تأويل مصيرها، فملك زمام إصدار الأحكام برؤيته التي اصطبغت برؤى آيديولوجية ساءلت المعتقدات، والمتصورات، والأحوال التي تعيشها شخصياته القصصية، مما جعل قصصه نابضة بتمثلات عديدة لهذا الراوي، حضر معها كاتب واقعي.
ومع عبدالملك ذلك الإنسان الذاهب بنظراته نحو افق بعيد، يصطاد عبر نظراته راس آخر يقوده نحو خيط حلمه الشارد. ومنذ أن عرفته أول مرة عبر مجموعته القصصية «موت صاحب العربة» وهي اولى مجاميعه القصصية القصيرة في عمر لا يتعدى السابعة عشر ربيعًا، احببت هذا القاص الذي يحمل حكايات الناس البسطاء ويكتب عنهم، فلاحقت كل جديد يصدر له مثل مجموعته القصصية «نحن نحب الشمس وثقوب في رئة المدينة والسياج والنهر يجري ورأس العروسة» وشاءت الظروف ان التقي به في التسعينيات من القرن الماضي عندما التحقت بأسرة الأدباء والكتاب البحرينية، يومها اقتربت من محمد عبدالملك فرأيت فيه إنسانا بسيطا باسما شاردا بعينيه، يبحث عن الوجوه ويرسم حالات من الحب الإنساني، إنسان احببته كما احببت في البدء قصصه وأدبه الروائي. وهو العضو في اسرة الأدباء منذ عام 1969 وهو من المؤسسين الأوائل للأسرة، فأهداني يومها روايته الجذور، وغليون العقيد والإمبراطور الصغير وسلالم الهواء الصادرة 2010.
وقد وقفت على بعض رواياته قارئًا للتجربة فمما قلته في روايته الإمبراطور الصغير: صراعٌ لا ينتهي، دوامة مثقلة بما يرزح عليها، هي صعبة في الدوران، أحداث لا تستطيع الخروج من بطن التاريخ، مثقلة بالعذابات والأحزان، والضنك اليومي. تتصاعد الأحداث، والإمبراطور لا يلين وإن لان فللحظاتٍ هي تحت ضغط المحتجين. الجزر الأرخبيلية تفيضُ بالثروات، وكلما لامس الإمبراطور بريق هذه الثروات وتعاظمها ازدادت شهوته نحو الإصرار على البقاء واستعمار هذه الجزر. الإمبراطور الصغير، لا يعنيه الناس الآخرون بقدر ما تعنيه الثروة التي يجنيها من هذه الجزر، ولما مر الوقت سريعًا كبرت هذه المستعمرات لوجود الثروة المخزونة في هذه الجزر.
هكذا قدم الروائي البحريني محمد عبدالملك روايته الجديدة «الإمبراطور الصغير» رواية مشحونة بالأحداث، ومكتظة بالآلام وبشجون الناس الذين يعيشون في أرخبيل مكون من الجزر التي استعمرت من قبل الأجنبي بحثًا عن الثروة المخزونة في هذه الجزر. رواية نهجَ في تأليفها الروائي عبدالملك منهجا توثيقيا تاريخيا، متصلا بأحداث لا تنقطع ومم قلته في قراءتي لروايته «سلالم الهواء»: طفلٌ اعتلى المراجيح، نظر إلى السماء طويلاً، تعلق بشيء كلما اقترب منه ابتعد، وقد يكون ابعد من ذلك، صراعه لم يكن مع الحياة بقدر ما كان صراعه مع نفسه، ذلك الثقيل الذي أصر على أن يسكنهُ ويسجنه من دون إرادته، ذلك الشبح الذي تقمّص جسده، البطلُ البغيض الذي وظفه الراوي، عبر مواقع كثيرة للألم، كان الشبح سيده في الفعل، لصٌ يسرق منه عافيته لحظة بلحظة وهو في الذوبان يصارع خوفه متحديا ذلك اللص، شاهرًا في وجهه كل أسلحته: (يتذكر أنه بجوار بيته عندما زاره الشبح لأول مرة، وكان المكان مفعمًا بالضوء، ومن حوله الأصدقاء يضحكون، شاعرًا بأن بداخله شيئا يتهشم بفعل هذا اللص الغريب).
بهذه الوجهة من الصراع النفسي الذي يسيطر على الراوي تتحرك معادلة الصراع عبر المواجهة والتحدي والثبات أمام الطوفان في رواية (سلالم الهواء).
«سلالم الهواء» رواية للقاص الروائي محمد عبدالملك في طبعتها الأولى 2010 الصادرة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر والتي تحمل من الأوراق 295 ورقة من الحجم المتوسط. كيف بنيت هذه الرواية؟ لا شك أن تجربة القاص الروائي محمد ملك غنية بالتنوع بين القصة القصيرة والرواية، وهذا التنوع خبره عبدالملك منذ أولى مجموعاته القصصية «موت صاحب العربة»، 1973 ولم تكن شخوص أعماله خارجة من كوكب آخر من دون أن تلامس ما لكوكبنا من تأثير كبير على الراوي. فمحمد عبدالملك يتسلل بذاكرته إلى شخوص بعينها يتحسسها من واقع الأحداث التي يعيشها وتتعايش معه، فيندس في حكاياتها مستعينًا بعينين دقيقتين وذاكرة تستلهم ما يحيطها من أحداث. فكلُ تجاربه القصصية والروائية هي نتاج واقع لم ينفصل ملك عنه لحظة، ولم تغف ذاكرته بعيدًا عن نبض تلك الحكايات المتصلة بسرته أولا، وبسرة الآخرين كنتاج واقعي وان لعبت فيها سيرة الخيال، لكون الواقع اقوى في النسيج من هذا الخيال العابر لدى الراوي.
فتحية لا تقف عند حدود الرؤية بل تتعداها فتندس في القلب لك يا محمد الأديب الإنسان، العاشق للخير وتراب الوطن.


a.astrawi@gmail.com



كلمات دالة

aak_news