العدد : ١٥١٨٩ - الخميس ٢٤ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٥ صفر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٨٩ - الخميس ٢٤ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٥ صفر ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

من مفكرة سفير عربي في اليابان
هل عام 2016 بدء قرن جديد للشرق الأوسط؟

بقلم: د. خليل حسن j

السبت ٠٩ يناير ٢٠١٦ - 03:00



سأعيد بتصرف ترجمة مقال بروفيسور جامعة كولومبيا بنيويورك جفري ساكس «قرن جديد للشرق الأوسط» والذي يبدأه بقوله: «يكرر الغرب السؤال: لماذا لا يستطيع الشرق الأوسط أن يحكم نفسه؟ والجواب أن أحد أهم العوائق للحكم الرشيد في المنطقة هو افتقارها للحكم الذاتي، بعد أن شلّت المؤسسات السياسية بسبب التدخلات الأجنبية المزمنة والمتكررة. ويبدو لي أن قرنا من الزمن يكفي، فيجب أن يمثل عام 2016 بداية قرن جديد لسياسات شرق أوسطية محلية، تركز بشكل عاجل على التحديات التي تواجه التنمية المستدامة». وينهي تعليقاته بالجواب التالي: «ولذلك حينما تسأل القيادات الغربية العرب: لماذا لا يستطيعون حكم أنفسهم؟ يجب أن يكونوا مستعدين للجواب. فلقرن من الزمن أدت تدخلاتكم الغربية الى ضعف المؤسسات الديمقراطية، برفضكم نتائج صناديق الانتخابات.. بالإضافة الى إشعال الحروب المتكررة، والآن المزمنة، وتسليح الجهاديين الأكثر عنفا، وخلق حقول القتل التي تمتد اليوم من باكو إلى كابول». ثم يتساءل: «فإذن، ما الذي ينبغي عمله لخلق شرق أوسط جديد؟» ويقترح البروفيسور خمسة مبادئ، تشمل توقف العمليات السرية المخابراتية للدول العظمى، التي يجب أن تدفع بأهداف سياساتها الخارجية المشروعة للمنطقة من خلال مجلس الأمن، وبالقبول بواقعية الديمقراطية في الشرق الأوسط التي ستؤدي الى النضوج السياسي، والتي قد تحقق في البدء انتصارات لحركات الإسلام السياسي التي ستفشل في انتخابات قادمة لعدم كفاءتها، مع التفهم بأن أهم تحدّ يواجه المنطقة اليوم هو كفاءة التعليم، ومعالجة الضعف الاستثنائي للتدهور البيئي، وما يرافقه من جفاف وعدم ضمان الأمن الغذائي. وينهي البروفيسور مقاله بالقول: «وهذه جميعها تحديات حقيقية يواجهها الشرق الأوسط. فالشرخ السني الشيعي، ومستقبل الأسد السياسي، والخلافات العقائدية، أقل أهمية على المدى الطويل للمنطقة من كفاءة التعليم والمهارات الوظيفية والتطورات التكنولوجية. فعلى مفكري العالم الإسلامي المتفتحين والجريئين أن يساعدوا في إيقاظ مجتمعاتهم الغافلة بهذه الحقائق. كما على الأشخاص ذوي النوايا الحسنة في العالم أن يساعدوهم، لكي يحققوا ذلك من خلال تعاون سلمي، مع وقف الحروب والمؤامرات على غرار الإمبراطوريات البائسة». ويبقى السؤال لعزيزي القارئ: كيف ستحقق شعوب الشرق الأوسط قرنها الجديد، مع بداية عام 2016؟
لنتفهم هذه القضية بشكل مبسط، ليسمح لي عزيزي القارئ أن نأخذ من تحديات العقود الماضية والقادمة تجربة مملكة البحرين الصغيرة والمنظمة والعصرية مثلا، لتحقيق القرن الجديد في منطقة الشرق الأوسط. فقد استقلت إمارة البحرين من بريطانيا في عام 1971، لتتحول من قرية تاريخية إلى دولة عصرية، ولتصبح مركزا ماليا عالميا في الشرق الأوسط، ومع إطلالة عام 2001 تحولت الى مملكة دستورية وليدة. وتعيش اليوم مملكة البحرين تحديا جديدا بعد أن وافق مجلس الشورى على اقتراح بقانون، يحظر على المواطن الجمع بين الانتماء الى جمعية سياسية واعتلاء المنبر الديني، بعد التجربة المريرة التي مرت بها المنطقة. وقد أيدت الحكومة هذا الاقتراح من خلال تصريح سعادة الأستاذ محمد المطوع وزير شئون مجلس الوزراء، بقوله: «هناك ضرورة لإعادة تشكيل القواعد السياسية في مملكة البحرين، عبر تعديل قانون الجمعيات السياسية، من خلال وضع شروط تمنع تشكيل أي جمعية على أساس طائفي أو مناطقي. بل يجب أن تقوم جميع الجمعيات السياسية على قاعدة وطنية تشمل كل البحرينيين من دون النظر إلى أي اعتبارات أخرى، طائفية، أو مناطقية، أو ما شابه ذلك. فإن المنطقة تمر بمرحلة حرجة، بسبب الخلافات الطائفية، والسياسات الإقليمية لبعض الدول، والتي من شأنها تأجيج الصراعات وإثارة الحساسيات الطائفية».
ونحن نتفق مع البروفيسور جفري ساكس على مبادئه الستة لكي يكون عام 2016 بداية قرن جديد في مملكة البحرين، كجزء من الشرق الأوسط، وذلك بوقف تدخل الغرب أو «الشرق» في أمورها الداخلية. كما تعمل مملكة البحرين بشكل تناغمي جميل مع جميع دول العالم والمؤسسات الدولية، وخاصة الأمم المتحدة، بل قبلت بواقعية الديمقراطية التي حققت كثيرا من الانتصارات للإسلام السياسي من خلال الصناديق الانتخابية منذ عام 2003. وأعظم تحدّ تواجهه مملكة البحرين اليوم هو تحقيق التنمية المستدامة، من خلال بنية تعليمية إبداعية متطورة، بعيدة عن «برستيج» الشهادات النظرية غير الفاعلة، لتهيئ موارد بشرية منتجة، تستطيع تحقيق إبداعات تكنولوجية، وريادة في الأعمال التجارية، من خلال تطوير الشركات الصغيرة والمتوسطة، وخلق وظائف مبدعة، تحقق التنمية المستدامة لهذه المملكة الصغيرة، المتعددة الأجناس والأعراق والأديان والطوائف والثقافات، كألوان الطيف الجميلة.
وقد أصبح اليوم، بعد الصراعات الدموية الإرهابية لخلافات الإمامة والخلافة، من الضروري منع خلط المنبر الديني بالخطاب السياسي، والذي استغل بشكل خطير في التجربة الديمقراطية البحرينية، خلال العقد الماضي للتكفير والتخوين والانقلاب على المملكة الدستورية. وليسمح لي عزيزي القارئ أن أعرض أمثلة حية لما أقول. فقد سيطرت على مجلس النواب البحريني بعد التصويت على الميثاق الوطني في عام 2001 الجمعيات السياسية الإسلامية التقليدية والعديد الآخر المتطرف المنشق منها، واستمرت انتصاراتها الانتخابية حتى عام 2015، حينما هزمت جميع جمعيات الإسلام السياسي، بعد أن خسر البعض في الانتخابات، أو انسحب البعض الآخر بسبب قصر النفس والنظر، لتترك الساحة الانتخابية للمستقليين الإصلاحيين، والتي هي ظاهرة بارزة اليوم في العالم. فمثلا يسيطر على الساحتين السياسيتين البريطانية والأمريكية اليوم المستقلون، حيث انخفض عدد أعضاء حزب المحافظين البريطاني الحاكم من ثلاثة ملايين في عام 1950، إلى 135 ألفا في عام 2015، كما يزيد عدد الأمريكيين الذين يعتبرون أنفسهم مستقلين على المؤيدين للحزبين الجمهوري والديمقراطي، في الوقت الذي يتزعم الحملة الانتخابية للحزب الجمهوري رونالد ترامب، وهو رجل أعمال ملياردير مستقل.
فلنتدارس عزيزي القارئ المعارضة بمملكة البحرين، والتي تتزعمها جمعية الوفاق الإسلامية التي يترأسها رجل دين، كما أن نائبه رجل دين، بل الأب الروحي لهذه الجمعية عالم دين، وقد ولدت من ضلوعها عدة جمعيات سياسية إسلامية صغيرة، يتزعم كل منها أيضا شيخ دين. كما أن هناك ضمن ما بقي من جمعية الوفاق الإسلامية خلاف كبير، بين مجموعات معتدلة، تتقبل إصلاحات التنمية المستدامة من خلال المملكة الدستورية ومجموعات أخرى متطرفة تريد الانقلاب على المملكة الدستورية، وتأسيس نظام ثيوقراطي، على غرار نمط النظام الثيوقراطي الإيراني. وقد استنكر مؤخرا أحد زعماء هذه الجمعية سماحة الشيخ فاضل الزاكي، من خلال خطبة يوم الجمعة 11 ديسمبر 2015، استمرار مسلسل التضييق على الوضع الديني في البحرين، فقال: «طالعتنا الصحف بخبر تصويت مجلس الشورى على قانون يحظر على رجال الدين الجمع بين الخطابة وبين الانتماء للجمعيات السياسية.. مثل هذا القانون يمثل مخالفة صريحة لتعاليم الإسلام التي توجب على عالم الدين أن يمارس دوره الإصلاحي في المجتمع، من مختلف المواقع، ولا ينحصر دوره في زاوية ضيقة، كما يمثل خرقا واضحا لأبجديات العمل الديمقراطي»..
وليسمح لي عزيزي القارئ أن أسأل سماحة شيخنا الفاضل: ماذا يقصد بأن مثل هذا القانون يمثل مخالفة صريحة لتعاليم الإسلام، التي توجب على عالم الدين أن يمارس دوره الإصلاحي في المجتمع، من مختلف المواقع، ولا ينحصر دوره في زاوية ضيقة؟ ألا تلاحظ سماحة شيخنا الفاضل أن بعض رجال الدين تركوا دورهم الإصلاحي الأخلاقي والروحاني في المجتمع، والذي أساسا يعتمد عليه بقاء واستمرارية وإصلاح الأمم، وانشغلوا بنجاسة وانتهازية السياسة؟ وما هي الزاوية الضيقة التي يتحدث عنها سماحتكم؟ هل رجوع رجل الدين للاهتمام باختصاصه في أمور الدين والعبادات والروحانيات وأخلاقيات السلوك المجتمعية، التي نحن في أتم الحاجة إليها اليوم لتحقق مجتمعاتنا التنمية المستدامة، هي الزاوية الضيقة التي يتحدث عنها سماحتكم؟ ألم يغير عالم العولمة والتكنولوجيا الجديد العلوم نحو اختصاصات عديدة متنوعة، بل برزت آلاف الاختصاصات الفرعية في كل اختصاص، سواء كانت الرياضيات أو العلوم الفيزيائية، أو العلوم الكيماوية، أو العلوم البيولوجية، أو العلوم التكنولوجية أو العلوم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، بل حتى العلوم الثيولوجية؟ وهل تعتقد أن رجل الدين يمكنه أن يلمّ بجميع هذه العلوم، بالإضافة الى العلوم الدينية والروحانية والأخلاقية التي درسها وهيأه المجتمع لها؟ ألا تعتقد يا سماحة الشيخ الفاضل أن اختصاص علوم الدين والعبادة والروحانيات والأخلاقيات أسمى من العلوم الطبيعية والتكنولوجية والاجتماعية؟ أليس إنقاصا لرجل الدين أن يترك مسئولياته الدينية والروحانية والأخلاقية السامية ليتفرغ للصراعات السياسية المادية الانتهازية النجسة؟ وما هي الديمقراطية التي تتحدثون عنها؟ فهل النظام الثيوقراطي الفارسي الإيراني هو المثل الأعلى لديمقراطية الشرق الأوسط؟
وليسمح لي القارئ العزيزي أن نتعرف بدقة أكثر على سماحة الشيخ الفاضل، فاضل الزاكي، الذي هو من أحد زعماء جمعية الوفاق الإسلامية، والتي «تعتبر» نفسها زعيمة المعارضة للمؤسسات الديمقراطية البحرينية. ولنتذكر عزيزي القارئ أن عبارة «زعيم المعارضة» تعني في الأنظمة الديمقراطية رئيس حكومة الظل، أي يعتبر هذا الزعيم مهيأ لأن يرأس الحكومة، حينما يحصل حزبه على الأكثرية في مجلس النواب. فليسمح لي عزيزي القارئ أن أسأل سماحة الشيخ فاضل زكي: هل يمكن أن تحقق مملكة البحرين التنمية المستدامة لو كان سماحته رئيسا لحكومة الظل؟ وطبعا للإجابة عن هذا السؤال نحتاج الى التعرف على سيرة سماحة شيخنا الفاضل الذاتية، التي ستوضح مستوى تعليمه ودرجاته العلمية وشهاداته الأكاديمية وأبحاثه في المجال السياسي والاقتصادي والعلمي، ومؤلفاته، وخبراته السابقة في الإدارات الحكومية. فقد كتبت الويكيبديا الإلكترونية سيرته الذاتية تقول: «لقد ولد سماحة الشيخ فاضل زكي في عام 1974 في البحرين، وهو رجل دين شيعي بحراني، من قرية أبو صيبع، تخرج من الثانوية العامة سنة 1992، ثم التحق بحوزة علوي الغريفي الواقعة بمنطقة النعيم، حيث درس فيها المقدمات، ثم ذهب إلى مدينة قم لدراسة بقية المقدمات والشروع بدراسة السطوح. ثم بدأ بحضور دروس البحث الخارج لكل من: المرجع الوحيد الخراساني، وموسى الشبيري الزنجاني، ومسلم الداوري، ومنير الخباز، وحسين الشاهرودي، وعيسى أحمد قاسم، وحسن سويدان العاملي. وخلال بقائه في الحوزة العلمية بمدينة قم، قام بتدريس العديد من المتون الحوزية في الفقه وعلم الرجال لعدة سنوات، وله العديد من دروسه الصوتية على مواقع الإنترنت، وكان عضوا في الهيئة العلمية لجامعة آل البيت بمدينة قم لعدة سنوات. وفي عام 2009، تم انتخابه لعضوية الهيئة المركزية في المجلس الإسلامي العلمائي بالبحرين في دورته الثانية، ثم ترك الحوزة العلمية في مدينة قم، واستقر في البحرين حيث شغل منصب أمين سر الهيئة المركزية بالمجلس، ثم صار رئيسا للجنة الشرعية بالمجلس. ويمارس التدريس حاليا في حوزة الإمام زين العابدين بقرية بني جمرة، ويؤم الجماعة حاليا في عدة مساجد بقريته أبو صيبع، ويقوم بإلقاء المحاضرات الدينية في عدة مناطق في البحرين». وأما عن مؤلفاته، فقد ذكر أن الشيخ الزكي قام بتحقيق بعض الكتب، ومنها فهرست علماء البحرين لسليمان الماحوزي، بالإضافة الى ذلك له عدد من المؤلفات منها، تلامذة العلامة الشيخ حسين آل عصفور، والعالم الرباني الشيخ ميثم البحراني، وكتاب وقعة الحرة. ويشير مؤلف كتاب وقعة الحرة الشيخ الزاكي الى أنه: «يسعى إلى البحث حول واقعة الحرة، وما جرى فيها من أحداث سجلتها كتب التاريخ، ومحاولة ربط بعضها ببعض في سياق تسلسلها الزمني، لرسم صورة واضحة ومتكاملة ترفع أي إبهام قد يثار حولها. بالإضافة إلى إعطاء نظرة تحليلية للواقعة، ببيان أسباب قيام أهل المدينة ضد يزيد، وأهداف هذا القيام، وأسباب الهزيمة ونتائجها، بالإضافة إلى حجم الجرائم التي ارتكبها جيش يزيد في المدينة، ودفع شبهات من يسعى لتبرئته، واستعراض ما دونته المصادر من نصوص شعرية حولها، ومحاولة جرد أسماء من قتل في هذه المعركة. ويعد أول كتاب معاصر، يتحدث عن الواقعة بدراسة مستوعبة ومستقلة، إذ لم نعثر في المكتبات من أفرد لهذه الواقعة كتاباً مستقلاً، سوى بعض الكتب التي ألفت في القرون الإسلامية الأولى، ولكنها لم تصل إلينا».
ولنسأل سماحة شيخنا الفاضل: هل هذه السيرة الذاتية تؤهل سماحتكم لكي تكونوا زعيم المعارضة، ورئيس حكومة الظل، في الديمقراطيات العريقة التي تتحدثون باسمها، والتي يكون لها عادة دور رئيسي في تحقيق التنمية المستدامة؟ أليس من الحكمة أن يبتعد رجال الدين عن منابر السياسة النجسة، للوقاية من الصراعات الدموية لخلافات الإمامة والخلافة، التي دمرت التنمية المستدامة في الكثير من دول الشرق الأوسط، وذبحت وقتلت وجرحت الملايين، وخلقت اثني عشر مليون لاجئ؟ أليست مأساتنا كما قالها المفكر العربي جبران خليل جبران أننا: «نتزوج ولا نحب، نتكاثر ولا نربي، نبني ولا نتعلم، نصلي ولا نتقي، نعمل ولا نتقن، نقول ولا نصدق؟» ألم يحن الوقت لبدء بناء قرن جديد للشرق الأوسط، قرن الانضباط والنظام والقانون والعلم والمعرفة والإنتاجية والإبداع والإتقان، بل قرن الصدق والتقى وبناء الضمير الحي وتربية أخلاقيات السلوك الفاضلة؟ ولنا لقاء.

* سفير مملكة البحرين في اليابان





كلمات دالة

aak_news