العدد : ١٥١٨٦ - الاثنين ٢١ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٢ صفر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٨٦ - الاثنين ٢١ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٢ صفر ١٤٤١هـ

المال و الاقتصاد

نظرة محلية للسياسة النفطية في دول مجلس التعاون الخليجي

بقلم: دينيش شارما

السبت ٠٩ يناير ٢٠١٦ - 03:00



يحظى النفط حالياً باهتمام كبير في جميع أسواق المال العالمية نظرًا إلى التأثير المباشر الذي تحدثه تقلبات أسعاره في الاقتصادات العالمية. إذ إنه بعد أن ناهز متوسط سعر برميل النفط الخام 90 دولاراً أمريكياً بين عامي 2011 و2014، تراجع ذلك المعدل إلى أقل من 50 دولاراً أمريكياً للبرميل خلال عام 2015. ومن المتوقع بالتالي أن تتراجع العائدات النفطية لدول مجلس التعاون الخليجي بمعدل يتراوح بين 30% و40% خلال الفترة المتبقية من عام 2015. وعادة ما تتحدد الآفاق الاقتصادية لدول المجلس عبر معادلة عرض وطلب النفط في الأسواق العالمية.
ويُجمِع معظم المحللين على أن تضافر تباطؤ معدل نمو الاقتصاد العالمي وارتفاع إنتاج النفط في مناطق أخرى من العالم سوف يحد من المكاسب السعرية، ويتوقع أن يؤدي إلى ارتفاع هامشي في العائدات خلال السنوات الخمس المقبلة.
التأثير في التجارة العالمية
تتمتع التجارة الخارجية لدول مجلس التعاون الخليجي بصورة عامة بفوائد كبيرة تنجم عن تجارتها النفطية. إلا أنه من غير المؤكد ما إذا كان حجم الطلب على النفط سوف يستقر نظرًا إلى التحديات التي تفرضها مصادر الطاقة غير التقليدية أمثال طاقة الرياح والطاقة الشمسية والطاقة الحرارية وطاقة النفط الصخري. وسوف يتحول التركيز إلى المحافظة على الحصص السوقية بدلاً من السعي لتحقيق عائدات مرتفعة، بينما سوف تواصل دول مجلس التعاون الخليجي بمحاولة زيادة صادراتها من البتروكيماويات.
التأثير على السياسة المالية
سوف يؤدي السعي لتحقيق الأهداف المالية بعيدة المدى إلى تخفيض عجز موازنات دول المجلس والمحافظة على احتياطياتها من العملات الأجنبية. ولكن اقتصاديات تلك الدول سوف تضطر في المحصلة النهائية إلى تنويع مواردها بعيداً عن العائدات النفطية. وقد يتمثل الإجراء الممكن تطبيقه فوراً في تنويع الصادرات بحيث تشتمل على البتروكيماويات والمواد الخام والخدمات. ونظرًا إلى كون بنود الانفاق الحكومي تتمحور حول الرواتب والدفاع والرعاية الصحية والتعليم ودعم الأسعار، سوف يؤثر تراجع العائدات النفطية سلباً في الميزانيات الوطنية وهو ما يفسر سبب شروع معظم الحكومات بتخفيض أو إلغاء دعم الأسعار.
التأثير في السياسة النقدية
تلعب السياسات النقدية المحلية دوراً حيوياً في موازنة الميزانيات. ورغم أنه من المتوقع أن تواصل دول المنطقة ربط أسعار صرف عملاتها بالدولار الأمريكي، إلا أن أسعار الفائدة وعائداتها الاستثمارية قد ترتفع بشكل كبير لسببين يتمثل أولهما في ضرورة موازنة التضخم الناجم عن ضبط الأوضاع المالية العامة، بينما يتمثل السبب الثاني في استقطاب السيولة والاستثمارات في ضوء احتمال تخفيض التصنيف الائتماني لبعض تلك الدول.
ويتوقع صندوق النقد الدولي ارتفاع معدلات التضخم في جميع دول مجلس التعاون الخليجي إلى مستويات مقبولة.
وقد ارتفعت أسعار الفائدة التي تمنحها البنوك للودائع خلال عام 2015، في توجُّهٍ مرشَّحٍ للاستمرار ويعكس بشكل رئيسي تخفيض التصنيف الائتماني الذي حدث مؤخراً والمحتمل حدوثه لاحقاً. ومن المهم بالتالي أن تحافظ الحكومات الخليجية على مستويات مديونية منضبطة كنسبة مئوية من إجمالي نواتجها المحلية. يذكر أن شركة ستاندرد آند بوورز للتصنيف الائتماني خفضت مؤخراً تصنيفها الائتماني للمملكة العربية السعودية إلى + A والبحرين إلى - BBB. مما أدى إلى ارتفاع هامش مقايضة العجز الائتماني للبحرين للخمس سنوات، وهو مؤشر لمخاطر عجز البحرين عن سداد ديونها السيادية إلى 358 نقطة أساس، مدفوعا بارتفاع مديونيتها والتراجع في أسعار النفط. وتعتبر المملكة العربية السعودية الدولة الوحيدة من دول مجلس التعاون الخليجي التي بلغ هامش مقايضة عجزها الائتماني على مدى خمس سنوات 141 نقطة أساس وهو معدل منخفض.
تشير توقعات صندوق النقد الدولي إلى أن العديد من اقتصاديات دول مجلس التعاون الخليجي قد تتعرض إلى عجز يتراوح بين 10% و20% خلال عام 2015، بما فيها البحرين التي يتوقع أن تبلغ نسبة عجزها من إجمالي ناتجها المحلي إلى 14%، والمملكة العربية السعودية إلى 21% وسلطنة عمان على 17% بينما سوف تتراوح نسبة عجز دولة الإمارات العربية المتحدة بين 4% و5% للأجل الطويل.
الإصلاحات الهيكلية
تسلك معظم دول مجلس التعاون الخليجي طريقين في تنويع مواردها الاقتصادية بعيداً عن الاعتماد على عائداتها النفطية. يتمثل أولهما في الاستحواذ على أصول عالمية رخيصة الأثمان نتيجة اختلال تسعيرها والاستفادة من احتياطياتها القوية من العملات الأجنبية. ويتمثل ثانيهما في تطوير القطاع غير النفطي.
كما تتمتع دول مجلس التعاون الخليجي بميزة واضحة في الصناعات البتروكيماوية التي تعتمد على النفط والغاز أمثال تصنيع الألمنيوم والفولاذ والإسمنت وغيرها. وتتمثل إحدى طرق الاستفادة من هذه الصناعات في فرض ضريبة متغيرة على الغاز وغيره من المنتجات البتروكيماوية. وقد تكون المشاركة في الأرباح طريقة ذكية لبيع الغاز بأسعار أعلى. وتستطيع دول مجلس التعاون الخليجي الابتعاد عن الاعتماد على مورد النفط السلعي بالاعتماد على المنتجات النفطية ومشتقاتها.
وسوف تترك تخفيضات الإنفاق الحكومي في البدايات تأثيرا سلبياً على مجمل الوضع الاقتصادي. وهذا هو الوضع الذي قد تساعد فيه إجراءات من قبيل خصخصة بعض الشركات والموارد المؤممة في تحقيق أهداف النمو والإنفاق، في الوقت ذاته ستستفيد الحكومات من العائدات الضريبية الناجمة عن ذلك. وتساهم الخصخصة في تشجيع المنافسة وتحسين مستوى الخدمات في العديد من القطاعات كما شهدنا في تخصيص قطاع الاتصالات. إضافة إلى ذلك، تمتلك دول مجلس التعاون الخليجي أسواق أسهم صغيرة ولكنها نامية، وتستطيع الحكومات تحفيز فئات الشعب المختلفة للمساهمة في هذه الأسواق. يذكر أن إصدارات الأسهم الأولية الجديدة في البحرين والمملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة وقطر حققت نجاحات متزايدة خلال السنوات القليلة الماضية، بينما يشير الاكتتاب الفائض عن الطلب في إصدارات الأسهم الأولية وإصدارات الصكوك الحكومية إلى هيمنة الثقة في أوساط المستثمرين.
ولكي تنجح برامج الخصخصة، لا بد للحكومات المعنية من أن تمتلك إطار عمل قوي للحوكمة والإفصاح وسياسات الشفافية للاستثمارات الأجنبية المباشرة لتضمن للمستثمرين الحصول على معاملة منصفة. وبعد أن دأب صندوق النقد الدولي على الدعوة إلى فرض ضرائب، من المتوقع أن يتم فرض ضريبة القيمة المضافة للمبيعات (فات). وسوف تترك هذه الضريبة تأثيراً قصير الأمد على الأسعار، ولكنها سوف تساعد في تنويع موارد الدخل بينما سوف يكون تأثيرها الاقتصادي طفيفاً على المدى البعيد.
الخلاصة
في قطاع الطاقة، سوف تتحدى موارد الطاقة البديلة، مثل النفط الصخري، هيمنة النفط الخام.
ورغم أن ضبط الأوضاع المالية العامة قد يترك تأثيراً سلبياً قصير الأمد على النمو الاقتصادي، إلا أن دول مجلس التعاون الخليجي بدأت تخفيض الانفاق الحكومي من خلال تخفيض دعمها للأسعار في المجالات غير المؤثرة وراحت تدرس سبل تحسين العائدات الحكومية. ورغم أن احتياطياتها من العملات الأجنبية لا تزال كافية بصورة عامة الآن، إلا أن دول مجلس التعاون الخليجي تواجه احتمال تخفيض تصنيفاتها الائتمانية بالتزامن مع احتمال زيادة معدل الفائدة مما يزيد كلفة رأس المال للمستثمرين.
ورغم أن السياسات الاقتصادية الحرة سوف تشكل تحدياً لأي اقتصاد، إلا أن محصِّلة خصخصة الشركات والموارد الحكومية كانت إيجابية. وقد يسهم طرح حوافز وفرض ضرائب على عمليات الخصخصة وتعزيز السيولة وحشد الموارد في تحقيق أهداف الحكومات في تنمية الاقتصاد. وسوف يتم اتخاذ قرارات السياسات العامة الخاصة بالضرائب وأسعار الصرف بالإجماع في دول المنطقة، نظرًا إلى ضرورة تنسيق القواسم المشتركة أمثال معدلات التضخم وأسعار الفائدة والمعروض النقدي.
محلل مالي معتمد، عضو في
جمعية المحللين الماليين المعتمدين في البحرين





كلمات دالة

aak_news