العدد : ١٥١٧٩ - الاثنين ١٤ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٥ صفر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٧٩ - الاثنين ١٤ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٥ صفر ١٤٤١هـ

مقالات

لا شيء يَعــدِلُ الوطــن..!

بقلم: د. عبدالرحمن بوعلي

السبت ٠٩ يناير ٢٠١٦ - 03:00



في القصيدة الشهيرة لأمير الشعراء أحمد شوقي عن حب الوطن، تحاول الريح التي مرت على عصفورتين وهما تقفان على غصن بان من شجرة عجفاء في بستان خامل متواضع في الحجاز، أن تقنعهما بالذهاب معها إلى اليمن، حيث البساتين والمياه والجنان الحافلة بكل ما لذ وطاب.. فيأتيها الجواب:
هـبْ جَنـّة الخـُلـد الـيمنْ لا شيء يَعــدِلُ الوطــن
كل الأيام إلى انقضاء، كل الرحلات إلى انتهاء، كل الأشياء تمر وتأتي وتذهب وتعود، ويبقى الوطن.. يبقى الوطن ما بقيت الأرض، وما بقيت الروح، وما بقيت الذاكرة والتراث، وما بقي الأبناء، والأحفاد، وأحفاد الأحفاد.
يبقى الوطن طالما كنا مستعدين أن نزرع ليأكل الذين يأتوا من بعدنا كما زرع الذين جاءوا قبلنا كي نأكل.. يبقى الوطن طالما ظل معلم مستعدا أن يعطي من نفسه؛ كي يربي أطفالاً صغاراً، ويعلمهم أن البحرين ليست بقعة على الخريطة، بل هي نقش في القلب ووشم في الروح وعهد يجري في الوريد.
تبقى الأوطان فينا حتى لو غادرناها؛ لأنها ليست بالنسبة إلينا أرضاً نعيش عليها فحسب، ولا بيتاً نسكنه ولا شجرة نستظلها ولا هواءً نتنفسه.. إنها روح أخرى تسكن أجسادنا، إنها مرايانا الذاتية والكلية والجمعيَّة، ففي الأوطان نتنفس حريتنا حتى لو كنا في السجون، وفي الأوطان نمسك بكل تفاصيل كرامتنا حتى لو عشنا على الكفاف، وفي الأوطان نزرع ما هو أكثر من الشجر والحجر، نزرع الأبناء والأحفاد وفلذات الأكباد؛ ليسيروا على ذات الطرق التي سرنا عليها، وتتغبّر جباههم بذات التراب الذي عفّر جباه أجدادنا وآبائنا وعفّر جباهنا، فتلقيناه كأنما هو تاج ملك ووسام بطولة ونيشان امتياز.
كل الخسارات يمكن تعويضها إلا خسارة الوطن.. وكل الفقد يمكن السلوان عنه إلا فقدان الأوطان.. وكل الحنين يمكن إسكاته إلا الحنين للوطن..! كذلك حنَّ الرسول -صلى الله عليه وسلم- وهو الموعود بجنة عرضها السماوات والأرض، حنَّ إلى وطنه (مكة)، وقال إنه من أحب البلدان إلى قلبه.. وهو كما وصفه القرآن الكريم: (وادٍ غير ذي زرع)..! وكذلك حنَّ نبي الله عيسى -عليه السلام- إلى موطنه ومكان ولادته، وحن إبراهيم -عليه الصلاة والسلام- إلى أرضه بعد أن هاجر منها وهجرها، رغم أن الله عوضه عنها ذرية تملأ الأرض!
وكان معاوية بن أبي سفيان يقول: من مروءة الرجل حنينه إلى مسكنه وشغفه بموطنه. ولكن الأوطان ليست دائما كما نريد ونختار ونتمنى. كان غاندي يقول: كثيرون حول السلطة والرياسة وقليلون حول الوطن. ويقول الطيب الصالح: أي وطن رائع يمكن أن يكون هذا الوطن، لو صدق العزم وطابت النفوس وقل الكلام وزاد العمل. ذلك أنّ الأوطان ليست مجرد أرض وفضاءات، إنها الناس الذين يعيشون عليها، والناس الذين يعمرونها، والناس الذين يحبونك فيها وتحبهم، والناس الذين قد يبغضونك فيها وتغفر لهم، والناس الذين قد يخربون أحلامك فيها وتسامحهم، والناس الذين قد يسيء إليك أحد منهم فتصفح عنه وتطلب له المغفرة، والناس الذين يريدونك فيها رقماً وتريدهم أخوة وأحبة.
الأوطان ليست قراراً نتخذه على طاولة اجتماعات، وليست بطاقة شخصية أو جواز سفر نحصل عليه من موظف بعد أن ندفع الرسوم، وليست مكاناً نرتزق فيه أو منه أو عليه، الأوطان ليست وثيقة إسكان، ولا هي وظيفة وثيرة في مكتب وثير أو منصب رفيع، الأوطان تقبل أن تحتوي الآلاف والملايين، ولكنها لا تقبل القسمة على اثنين ولا أكثر.
وهذه المقالة ليست خطبة عصماء في اجتماع نيابي، ولا هي تصريح للنشر في صحيفة محلية، إنها نفثة صدر يتألم كلما امتدت يد من هذا الوطن بسكين إلى ظهره، ويحزن كلما خرجت شوكة من شجر الوطن، نبتت على أرضه وشربت من مائه ثم غرست نفسها في مقلة عينه. هذه المقالة آهة وجع نيابة عن وطن لم يتعود أن يشكو ولم يتعوَّد أن يذم أبناءه أو يقسو عليهم.. وطن كان يجوع ولا يطأطئ رأسه لغير خالقه.. ويعطش والمياه تحيطه ولكن عينه تسقي البعيد، ويبقى حنونا مبتسما صفيا نقيا كما كان دائما وكما سيبقى إن شاء الله..
في الشأن الوطني: مع الشقيقة الكبرى.. قلباً وقالباً
يعجبني شخصياً ويملؤني اعتزازاً أن تكون البحرين في مقدمة الدول التي أعلنت وقوفها الصريح والكامل والمطلق مع الشقيقة الكبرى المملكة العربية السعودية. ويعجبني ويملؤني اعتزازاً أن أرى دول مجلس التعاون الخليجي تتوحد في موقفها (ولا أقول مواقفها) تجاه اعتداء خارجي. وهذه المشاعر تنسحب تقريباً على معظم أهل البحرين وأهل الخليج عموماً. غير أن هذا لا يعني مطلقاً أننا دعاة أزمة أو تأزيم، كما أننا لا نريد ولا نتمنى لهذه المنطقة إلا ما نتمناه لبلدنا ولكل العالم من العيش بسلام وأمان، وأن تتوقف طبول الحروب وضجيج النيران ليحل محلها ضجيج مصانع التنمية التي تنفع الناس.





كلمات دالة

aak_news