العدد : ١٥١٨٦ - الاثنين ٢١ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٢ صفر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٨٦ - الاثنين ٢١ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٢ صفر ١٤٤١هـ

الاسلامي

الـعــظـــات والــعـــبـــر
في حياة النبي يونس عليه السلام (3-3)

بقلم: حسن علي البنفلاح

الجمعة ٠٨ يناير ٢٠١٦ - 03:00



النبي يونس عليه السلام مثله كمثل من سبقوه من الأنبياء، ومن جاؤوا بعده، فقد أوحى الله إليه الرسالة لكي يبلغها إلى قومه، وضرب القرآن مثلا لهذا عندما خاطب نبيه محمد صلى الله عليه وسلم بأن ما يوحى إليه من السماء إنما هو وحي من ربه مثله في ذلك مثل من سبقوه من الرسل، ويونس عليه السلام واحد منهم «إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إبراهيم وَإسماعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا(163)» النساء. ومن هذا يتضح أن الأنبياء لا يمكن أن يتصرفوا في رسائل السماء إلا في حدود ما أمرهم الله به، وبالتالي عليهم التقيد بما يخبرهم به وحي السماء.
قيمة الإنسان بإيمانه:
الإيمان هو العنصر الأهم في حياة أي إنسان فبدونه لا أمان للإنسان في دنياه وفي آخرته، والجزئية الأهم والأعظم في الإيمان هي الاعتقاد الجازم والراسخ بوحدانية الله سبحانه وتعالى والتصديق بربوبيته والاقتناع بألوهيته وتقديس أسمائه وصفاته وكتبه ورسله. والتصديق بوجود الله والإيمان بقدره وقضائه إنما يأتي بالعقل الفطري السليم فضلا عن الأدلة الكونية والإثباتات الشرعية التي تدل كلها على ذلك. فالفطرة السليمة للإنسان السوي تؤدي بصاحبها إلى الاقتناع الكامل بأن للكون إلها والإنسان فطر على الإيمان بخالقه من غير سابق تفكير أو تعليم، ولا ينصرف عن هذه الفكرة إلا من طرأ على قلبه رجس أو انحراف عن جادة الصواب، قال صلى الله عليه وسلم (ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهوّدانه أو ينصّرانه أو يمجّسانه). الرب هو الخالق المدبر المالك للكون كله فلا خالق إلا الله ولا مالك إلا الله ولا مدبرا للأمور إلا الله «....أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ....» الأعراف/54، قال جل في علاه عن نفسه «قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ(31)» يونس، كما قال تعالى في التدبير «يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إلى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ....» السجدة/5، وقال جل شأنه في الملك «....ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ(13)» فاطر.
وقد ضرب الله مثلا للإيمان بقرية يونس لما آمنوا كشف عنهم الله عذاب الخزي في الحياة الدنيا، وقال في ذلك «فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ(98)» يونس.
تسبيح الخالق من أصول التوحيد:
يعتبر تسبيح الخالق أصلا عظيما من أصول التوحيد وركنا أساسيا من أركان الإيمان بالله عز وجل، وهو تنزيه لله عن العيوب والنقائص والأوهام الفاسدة والظنون الكاذبة، وكلمة السّبح في التفسير اللغوي تعني البُعْد، والعرب عندما تقول سبحانه من كذا تعني ما أبعده، وتسبيح الله عز وجل هو إبعاد القلوب والأفكار عن أن تظن بالله الظنون السيئة كالنقص أو الشر أو العيب كما يفعل الملحدون عندما يشركون أحدًا في ألوهيته وربوبيته قال تعالى «مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إذا لَذَهَبَ كُلُّ إِلٍَه بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ(91)» المؤمنون، أو كما يفعل الكافرون «وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ(158) سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ(159)» الصافات، ولكن الحقيقة تبقى ساطعة مشرقة لا يمكن لأحد إنكارها أو تجاهلها «هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ(23)» الحشر.
كان للتسبيح دور عظيم في حياة النبي يونس عليه السلام فلولا تسبيحه وهو في بطن الحوت لما أنقذه الله من هذا الكرب العظيم، ولما أرسله إلى مائة ألف أو يزيدون تكريما له بعد أن استغفر الله وتاب وسبّح بحمده وهو في عرشه «فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ(143) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ(144) فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ(145) وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ(146) وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ ألف أو يَزِيدُونَ(147) فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ(148)» الصافات.
الاستغفار والتوبة من أجمل أعمال المسلم:
الاستغفار هو أفضل وأنجع عمل يقوم به المسلم من أجل التوبة إلى الله وطلب رحمته لأمر خاطئ معيب ارتكبه المسلم في حق خالقه، والاستغفار الحقيقي الخالي من الشوائب دائما ما يصدر عن قلوب صافية ونفوس زكية طاهرة، متوافقا مع النية السليمة والتوجه الصادق النابع من القلب بحيث يظهره اللسان عن صدق المشاعر بالندم والعزم على عدم العودة إلى الذنوب والآثام مرة أخرى.
سُئل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أيهما أولى بالعبد الاستغفار أم التسبيح والتهليل والتكبير والتحميد؟ فردّ ردا بليغا: قال: «إن كان الثوب متسخا فالصابون والماء الحار أولى به، إما إن كان نظيفا فالطيب وماء الورد أولى به».
لذا على المسلم ألا ييأس من رحمة الله مهما ارتكب من ذنوب وآثام فالله يقبل التوبة من المسلم مهما كثرت ذنوبه وعظمت آثامه، ما عدا الشرك بالله، تصديقا وإيمانا لقوله تعالى «إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا(48)» النساء. والتوبة الصحيحة الخالصة لوجه الله تمحو أي أثر للخطيئة مهما عظمت وكأنها لم تكن. وقصة النبي يونس عليه السلام تعطينا درسا واضحا جليا عن قيمة التوبة وأهمية الاستغفار، فلولا استغفاره عليه السلام لربه وتوبته إليه بتسبيحه الدائم له لما أنقذه الله من كربته وهو في بطن الحوت.
القدرة على تحمل الأذى صفة ملازمة للأنبياء والرسل:
الصبر على تحمل الأذى من أعظم خصال الأنبياء وأجلها تقديرا عند رب العالمين، ذلك أنهم عانوا الأهوال والصعاب في توصيل رسائل السماء إلى أقوامهم ودعوتهم لهم إلى الإيمان بالله وطاعة أوامره والنهي عن محارمه، ولأنهم كانوا الصفوة المصطفاة المختارة بين البشر ليكونوا أنبياء الله ورسله إلى الأمم فقد تحلوا بالجَلَدِ وعزيمة الاحتمال وحبس النفس عن كل ما يغضب خالقها، لقد تحمّلوا المكاره من دون خوف أو وجل وتسلحوا بالصبر كسلاح فعال لمواجهة مواقف الكفار المعاندين والمشركين المتكبرين الضالين، لقد خاطب الله نبيه محمد صلى الله عليه وسلم بوجوب التحلي بالصبر على المكاره لإنجاز مهمته بإبلاغ قومه رسالة السماء فقال جل شأنه «فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ(48)» القلم. ولذا يقال عن شهر رمضان المبارك شهر الصبر لأنّ المسلم يحبس النفس عن الشهوات الحسية والمعنوية طوال الشهر وفي ذلك قدر كبير من التحمل.







كلمات دالة

aak_news