العدد : ١٥١٨٦ - الاثنين ٢١ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٢ صفر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٨٦ - الاثنين ٢١ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٢ صفر ١٤٤١هـ

الاسلامي

الشيخ حسنين محمد مخلوف مفتي الديار المصرية الذي واجه الطغيان في عنفوانه (4)

بقلم: د.غريب جمعة

الجمعة ٠٨ يناير ٢٠١٦ - 03:00



نبذًا لعصبية المذهبين التي توغر الصدور وتغرق المسلمين:
لم يكن الشيخ متعصبا لمذهب معين من المذاهب الفقهية فقد كان يفتي على المذاهب الأربعة وربما اختار أقوى الآراء من غيرها إذا وجد فيه رحمة بالأمة وتيسيرا عليها. وذلك عندما ارتفعت أصوات ترى أن مذهبها هو الصواب والحق وما عداه خطا وباطل، حتى بلغ الأمر بها أن اقتصرت على أداء الصلوات المفروضة وصلاة الجمعة في مساجد خاصة بها وحدث بسبب ذلك لغط كبير وتعصب يؤازره الحمق حتى كاد يحدث فتنة عمياء بين عوام المسلمين الذى ينظرون إلى مشايخهم أنهم هم العلماء فقط!! وليس هنا مجال تفصيل ذلك وإنما ذكرنا ذلك لبيان أن الشيخ رحمه الله قد عوفي من هذا البلاء.
فقد وجه رجل من الشام هو الشيخ عبدالحفيظ إبراهيم اللاذقي ببيروت - لبنان سؤالا إلى فضيلة المفتي هذا نصه:
هل يجوز للإنسان التقليد أو التلفيق من مذاهب الأئمة الأربعة ولو لغير ضرورة قبل العمل أو بعده في المعاملات أو في العبادات كالصلاة والوضوء والغسل كمن تؤضأ وضوءا واجبا أو اغتسل غسلا واجبا من ماء قليل مستعمل في رفع حدث مقلدا مذهب الإمام الشافعي وترك النية مقلدا مذهب الإمام أبي حنيفة فهل يكون وضوؤه أو غسله صحيحا؟
وقد أجاب فضيلته عن هذا السؤال ونشرت جريدة (منبر الشرق) تلك الإجابة في عدد الصادر في 7 من رجب الفرد عام 1373هـ، حيث تحدث فضيلته حديثا مسهبا عن الموضوعات التالية: الأحكام العلمية - التقليد - لا يجب الالتزام بمذهب معين - الرجوع عن التقليد - جواز تتبع الرخص.
وبعد سياحة فقهية ممتعة وليرجع من يرغب في معرفة التفاصيل إلى كتب الفقه قال فضيلته والخلاصة:
إن التقليد واجب على غير المجتهد لضرورة العمل، وأنه لا يجب على المقلد الالتزام بمذهب معين وأنه يجوز له العمل بما يخالف ما عمله على مذهب مقلدا غير إمامه وأن مذهب العامي فتوى مفتيه المعروف بالعلم والعدالة وأن التلفيق بمعنى العمل في كل حادثة بمذهب جائز ويتخرج على جوازه تتبع رخص المذاهب في المذاهب المتعددة كالوضوء على مذهب الشافعي ثم الصلاة به بعد اللمس على مذهب أبي حنيفة، أما التلفيق بمعنى تتبع الرخص في مسألة واحدة فغير جائز فلا يصح إذا ترك الترتيب في غسل الأعضاء ومسح أقل من ربع الرأس على ما سبق تحقيقه، وأن الرجوع عن التقليد بعد العمل في حادثة واحدة باطل، فإذا عقد زواجه وفق شروط مذهب أبي حنيفة بأن تولت الزوجة البالغة العقد بنفسها مثلا وعاشرها معاشرة الأزواج، ثم طلقها ثلاث تطليقات، فليس له أن يقلد مذهب الشافعي الذي يرى أن النكاح لا ينعقد بعبارة النساء بل لا بد من الولي، لأنّ هذا تلفيق التقليد في مسألة واحدة، وهو باطل اتفاقا ولا بد لهذه الزوجة لكي تحل لمطلقها أن تتزوج بغيره زواجا صحيحا ويدخل بها «حقيقة» ويطلقها وتنتهي عدتها. ومما تقدم علم الحكم في هذه المسائل والله أعلم.
الشيخ يجعل من نفسه قدوة في محاربة البدع والخرافات:
لقد جاهد الشيخ بقلمه في هذا الميدان آمرًا بالمعروف ناهيًا عن المنكر محاربًا كل بدعة أو خرافة لا صلة لها بالإسلام، وكان أوضح وأكثر ما يروى عنه في ذلك رأيه في الاحتفال بذكرى ليلة الأربعين لوفاة الميت وأراد الشيخ أن يضرب بنفسه المثل فكتب في جريدة الأهرام في يوم 9 من رمضان 1366ه- مايلي:
«لقد ابتلاني الله بفقد الولد فصبرت (وكان ولده الطالب النجيب عبدالحميد قد انتقل إلى رحمة الله منذ أربعين يوما) واقتطع مني فلذة كبدي فما تبرمت فلله الحمد على نعمة الرضا بالقضاء ومنه وحده المثوبة وعظم الجزاء، وقد تساءل أصدقائي عن ليلة الأربعين، فأخبرتهم أن إحياءها على النحو المتبع من الأيام بما بيني وبين ربي من عمل يرجى ثوابه لمن افتقدته ولهم مني عظيم الشكر وأطيب الأمنيات».
هجرة الشيخ إلى المملكة العربية السعودية:
أشرنا إلى أن الشيخ كان جهير الصوت بكلمة الحق، ملتزما بالصراحة كل الصراحة فيما يعتقد أنه الحق حينما يرى أن عقارب الشر بدأت تدب لتنفث سمومها، وكان ذلك سببا في هروب الجرائد اليومية التي كانت ترحب بمعاملاته من نشر فتاواه التي تكون غصة في حلوق المسؤولين الكبار إرضاء لهؤلاء الكبار وتنفيذا لما يأمرون به ووصل الأمر إلى مطاردة الشيخ والتضييق عليه بحيث لا يسمح له إلا بالخروج للصلاة في المسجد القريب من بيته أو لحضور اجتماعات هيئة كبار العلماء بإدارة الأزهر.
ولما وجد الرجل أنه قد فقد الأمن والتقدير في وطنه اضطر إلى الهجرة إلى المملكة العربية السعودية التي عرفت جهاده ومكانته بين العلماء فتم اختياره عضوا مؤسسا برابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة وعضوا مؤسسا للجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة ثم عضوا بمجلس القضاء الأعلى بالمملكة ثم منحته جائزة الملك فيصل لخدمة الإسلام عام 1983م. «إنه من يتق ويصبر فإنّ الله لا يضيع أجر المحسنين» صدق الله العظيم.
وقد قام برحلات عديدة خارج السعودية لينفع الله الناس بعلمه وخبرته، فسافر إلى ليبيا بدعوة من ملكها حينذاك وإلى البحرين والمغرب وغيرها وكثيرا ما كانت توجه إليه دعوات سياسية في هذه البلدان فيصدع بالحق ولا يخشى إلا الله.
مؤلفات الشيخ:
للشيخ مؤلفات عديدة تدل على غزارة علم ودقة فقه وعمق فهم وفتوح من الله عز وجل منها:
1- كلمات القران تفسير وبيان وقد طبع طبعات عديدة حتى أن بعض الناشرين وضعه على هامش المصحف.
2- صفوة البيان لمعاني القران وهو تفسير للقران ليس بالطويل ولا بالقصير أخذ فيه بأقوى الآراء مع جمال الأسلوب.
3- تفسير سورة يس.
4- كتاب المواريث وهو كتاب جليل وازن فيه بين المذاهب الفقهية وقانون التوريث بأسلوب عصري بعيد عن المصطلحات التي لا يعرفها إلا المختصون وشرح فيه قانون المواريث المعمول به في المحاكم الشرعية.
5- فتاوى شرعية وبحوث إسلامية ويقع في جزأين كبيرين وهو من أروع كتب الفتاوى وأشهد الله أني رأيت أحد المفتين يقرأ منه في برنامج تلفزيوني ليجيب عن أسئلة المشاهدين.
6- حكم الشريعة في مأتم ليلة الأربعين.
7- آداب تلاوة القرآن.
8- مناسك الحج من لدن الإحرام حتى طواف الوداع.
9- تحقيق شرح ملا علي القاري لكتاب الشفاء للقاضي عياض.
هذا ما وقع تحت يدي ولكني أعرف أن له أكثر من ذلك.
وبعد هذه الحياة المباركة والحافلة بصور الجهاد المتعددة لنصرة الحق والوقوف في وجه الباطل، انتقل الشيخ إلى جوار ربه في اليوم التاسع عشر من رمضان 1410هـ (15/4/1990م) رفع الله درجته في عليين وبدأه مقعد صدق عند مليك مقتدر.






كلمات دالة

aak_news