العدد : ١٥١٧٩ - الاثنين ١٤ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٥ صفر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٧٩ - الاثنين ١٤ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٥ صفر ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

إدَارَةُ الـوَقـْــتِ

بقلم: د. سعدالله المحمدي

الجمعة ٠٨ يناير ٢٠١٦ - 03:00



النّاظر في سِيَرِ النّاجحين وأحْوالِهم.. الذين وَصَلُوا إلى قِمّة الرّيادة والقيادة.. وحقّقوا نجاحاتٍ تاريخيّة.. وتركُوا بصماتٍ واضحة التأثير في المسيرة الإنسانية بمختلف الأزمنة.. يُدركُ أنّ مِنْ أهم الصفات المشتركة بينهم عنايتُهم بالوقتِ واستثمارهم له بشكلٍ مؤثر وفعّالٍ.. حيث إنَّهم سَخّروا كلّ لحظةٍ منْ حياتهم في تحقيق طمُوحاتِهمْ وأهْدافِهم، وكانُوا مِنْ أشدّ الناسِ عِنَايةً واهتمامًا بأوْقاتِهمْ والحفاظِ عليها من الإهْمالِ والضّياعِ والفَوْضَى والّلامبالاة.. ومنْ أكثرهمْ تحَكّمًا في الوقت وتنظيمًا له.. حتّى في أصْعَبِ المَراحلِ والظّروفِ كما تقولُ نتائج دراسةٍ أجريتْ في جامعة كاليفورنيا على حياةِ ألفين وستة وثلاثين شخصا ممّن أثّروا في الحَياةِ البَشريّةِ على مستوى العَالَمِ عبرَ التاريخِ.
النّاجِحُونَ يَعْتبرونَ كلّ يومٍ هبةً ومنحةً ربّانيّة منَ الله تعالى فيُحاولونَ الاستفادةَ مِنْه بالشّكلِ اللائق، ويكونُ حِرْصُهم على الوقتِ أشدّ مِنْ حِرْصِهِمْ على المال، يقولُ الحَسَنُ البَصْرِي رحمهُ الله: «أدركتُ أقوامًا، كانَ أحدهم أشحّ على عُمْرِه ووقْتهِ مِنْه على درهَمِه وديْنَارِه» والسّبَبُ في ذلك أنّ الوقتَ أثمن ما في الوجود وأعزّ مفقود.. لا يعودُ ولا يُشترى بالنّقود، والعُمر الحقيقي للإنسانِ إنّما يُقاسُ بعمره الإنتاجي وما حقّق فيه من إنجازاتٍ وكسبَ من حسناتٍ.. لا بما عاشَه مِنْ أعوامٍ وسنوات فقط، يقولُ الشّاعر:
إذَا مَرَّ بِي يَوْمٌ وَلَمْ أَتّخِذْ يَــدًا* وَلَمْ أَسْتَفِدْ عِلْمًا فَمَا ذَاكَ مِنْ عُمْرِي!
الوقتُ سِلعةٌ فريدة وغاليةٌ تُمْنح جميعَ البشرِ بالتّساوي، ويرتبط النّجاح والفشلُ بالاستفادة منه، فالنّاجحون أوقاتُهم وأعمالهم منظّمة.. وتحرّكاتُهم وعلاقاتُهم منظّمة.. وحتّى بيوتُهم وأوقاتُ نَوْمِهم تابعة لنظام خاص، فهم بُخَلاءُ بإهدارِ الأوقاتِ وضِياعِها لعلْمِهم أنّ إدارة الوقت هي إدارة الذات أوّلا، والآخرون الذين لا يستطيعُون إدارةَ وقتِهم.. لا يستطيعُون إدارةَ أيّ شيءٍ آخر كما قال الكاتب الاقتصادي الأمريكي (بيتردراكر).
مفهوم إدارة الوقت:
إدارة الوقت تعني أولاً كما أسلفنا إدارة الذّات، فهي نوعٌ منْ إدارةِ الفردِ نفسَه بنفسِه، كما تعني الاستخدام الرشيد للوقتِ والزّمن المتاح للشخصِ للاستفادة الفعّالة منه وخلْقِ التّوازن في حياته وتحقيق أهدافه.
وقد اتجه الغرب إلى الاهتمام بهذه الإدارة وأصدروا فيها كتُبًا ومؤلفاتٍ كثيرة ومتنوعة حقّقتْ أعلى نسبة مبيعاتٍ في العالمِ ممّا يدلّ على أهمية هذا العلم وضرورته وحاجةِ النّاسِ إليه في استثمار الوقت المتاح لهم بأفضل صُورهِ وأشْكالهِ.
وتعني الإدارة الصحيحة للوقتِ في ضوءِ الكتاب والسنّة كما يقول المهندس عبدالدائم الكحيل: إنجاز الكثير من الأعمالِ في زمنٍ قصيرٍ... وحلّ العديدِ من المشاكلِ بجهدٍ أقلّ... تعني الاستقرارَ الاجتماعي والنفسي... والمزيد من الاستقرار العاطفي.. والشعور بالسّعادة والقوّة والتفاؤل.. كما تعني التخلّص من التراكمات السّلبية التي تنهك طاقات الإنسان.. والتّخلّص من الحُزْنِ والقَلقِ»
الوقتُ في الإسلام:
ترجعُ إدارة الوقت في الإسلام إلى أهميّته وعلوّ مكانته، ورَبْطِ الشّرْعِ لمجموعةٍ من الأعمال والعِبادات بأوقات مخصّصة يوميّة، وأسبوعيّة، وشهريّة، وسنويّة وعمريّة، كما أنّ الله تعالى أقسمَ به في مواطن كثيرة من كتابه الكريم كقولِه تعالى: «وَالْفَجْرِ* وَلَيَالٍ عَشْرٍ* وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ* وَاللَّيْلِ إذا يَسْرِ* هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ» (الفجر:1-5) وقوله تعالى: «وَالضُّحَى* وَاللَّيْلِ إذا سَجَى* مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى» (الضحى:1-3) وقوله تعالى: «وَالْعَصْرِ* إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ* إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ» (العصر1-3) وغير ذلك من الآيات الكريمة التي وردَ فيْها ذِكْرُ الأوقاتِ والأيام والأشْهُر والسنواتِ والّليلِ والنّهارِ كدليلٍ على أهميتها وإشارة إلى أنّها منْ آيات الله البيّنات، كما وردت عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث عديدة حول نعمة الوقتِ والزّمنِ والحثّ على استثماره وإدارته، يقولُ النّبي صلى الله عليه وسلم: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس، الصحة والفراغ» (البخاري 6412).
لماذا نضيّع الوقت؟
الناظر في حال الأمم يدرك أنها تتقدّم وتتطوّر إذا استطاعتْ تنظيم أوقاتها واحترام مواعيدها واستغلال زمنها في الإبداع والابتكار والعمل والإنجاز، وغلبتْ على التّحديات والمشاغل ومضيّعات الوقت الكثيرة التي من أهّمها:
عدم الشعور بأهمية الوقت: حيث تمرّ الأيام والليالي بل الشهور والسنوات دون أن يكون لها أثرا في كثير من الناس، فتجدهم بعد عشر سنوات على نفس المستوى من العلم والمعرفة والخبرة والتجربة والوضع المعيشي للأسف لم يتقدّم خطوة نظرًا إلى تبديد الوقت وهدره في أمور روتينية وعدم الشعور بقيمته، يقول الشاعر:
الوقتُ أنفسُ ما عنيتَ بحفظه * وأراهُ أسهلَ ما عليكَ يضيعُ.
غياب رؤية الأولويات: كثيرون منا لا يفرّقون بين الأهم والمهم من الأمور، فتراه يجتهد كثيرا ولكن ليس في المكان الصحيح ولا في الزمان المناسب، كالموظف الذي يهتم بقراءة الجرائد مثلا في المؤسسة ويترك عمله المنوط به والذي على أساسه تم تعينه وتوظيفه، يقول روبرت ماكين: «إن السّببَ وراءَ عدم تحقيق معظم الأهدافِ هو تمضيتُنا وقتنا في إنجاز أمورٍ ثانويّة أولاً».
عدم تحديد وقت لإنجاز العمل: بحيث تتشعّب الأعمال دون أن تُنْجز، فيُسود الفوضى وتتبعثر الأوراق وتتراكم المُهام والملفات نتيجة عدم تحديد وقتٍ لإنهاءِ كلّ مهّمة.
ترك العمل قبل أن يكتمل: من أهم مضيّعات الوقت انشغالُ الإنسانِ بأعمالٍ ومشاريع يخطو فيها خطوات ثم يتركها معلّقة، ويبدأ بعمل آخر، يقول وليم جيمس: لا شيء يرهق بشدّة مثل المُهام المعلقة، ويقول بابليليوس سيرس: «أن تحاول عمل شيئين في وقت واحد هو ألا تفعل كليهما»
إعادة إنجاز المهمة لأكثر من مرة: وهذا أحد مضيعات الوقت الأخرى حيث يعتقد الشخص اعتقادا خاطئا أن أداءه لم يكن مناسبا في المرة الأولى، وينبغي الإشارة إلى أن «التعوّد على تكرار العمل بعد الفراغ منه دون حاجة لذلك يقلّل إنتاج الإنسان في الحياة، ويضيّع عليه كثيرا من الفرص التي كان يمكن أن يفعلها» كما يرى الأستاذ وحيد مهدي في كتابه «مهمتك لا تقبل الفشل».
العشوائية: تنفيذ العمل بصورة ارتجالية وعدم التخطيط، من أهم أسباب الفوضى وضياع الوقت.
كثرة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي: من أهم مضيعات الوقت في العصر الراهن كثرة استخدام الإنترنت والتليفونات حيث ينشغل أحدهم بدردشةٍ أو مكالمةٍ أو لُعبةٍ أو اتصال ساعات وساعات من دون أن يحس بقيمة الوقت.
الأنشطة التي يقضي فيها الإنسان وقته:
الوقت يمرّ سريعا، وكلّ ثانية إنّما هي في الحقيقة جزء من عمر الإنسان.. يقول أمير الشعراء أحمد شوقي رحمه الله:
دَقَّاتُ قلبِ المرءِ قائلة ٌ له* إنَّ الحياة َ دقائقٌ وثواني.
وتقول بعض الدراسات إن الإنسان يضيّع أوقات كثيرة في أعماله الروتينية من السفر وانتظار المواصلات، وركوب المصاعد والأكل والنوم، وغير ذلك، بحيث لو قدّرنا أن عمر الإنسان ستون سنة، ثم نظرنا إلى أعماله الروتينية التي يقضي فيها وقته لوجدنا أن أكثر من نصف العمر يتم صرفه في الأمور الروتينية، فماذا بقي للأمور التي يعوّل عليها في إحراز التقدم والتطّور إن لم نقم باستغلال جزء من هذه الأوقات في تنمية المهارات، وتطوير الأداء، وتوسيع رقعة المعلومات، وقراءة الكتب، ومراجعة الحفظ، وقراءة الأذكار اليومية، والتخطيط لليوم التالي؟
كيف نحمي أوقاتنا من الضياع؟
يستطيع أي إنسان القيام بمهام عظيمة وكبيرة لو استغلّ وقته بكفاءة وعناية، إذ أثبت كثير من الدراسات أن معظم الناس ينجزون 80% من أعمالهم في 20% من أوقاتهم، ومن أهم الأمور المساعدة في التنظيم هي:
الجدول اليومي:
ضع جدولا يوميا بأهم الأعمال المنوطة بك والتي يجب عليك إنجازها، فإنها الخطوة الأولى نحو تنظيم الوقت والاستفادة منه، ولا يقصد بالجدول وضع جدول أسمنتي مليء بالمواعيد الدقيقة، بل يقصد به وضع جدول زمني مرن مشتمل على أهم الأولويات والأعمال التي يجب عليك إنجازها خلال اليوم مع ترك مساحات فارغة فيه لقبول كل ما هو غير متوقع، يقول جون ماكسويل: «إننا لا نستطيع تغيير الوقت، بل نستطيع تغيير أولوياتنا فحسب».
فترة ذروة النشاط:
حدّد أوقات ذروة النشاط لديك في اليوم والليلة، وهي أوقات تختلف من إنسان لآخر كذلك، فهذه خطوة كبيرة لإنهاء الأعمال المعقّدة والأشياء الثقيلة على النفس أو الصعبة التي تحتاج إلى التركيز، وأجّلْ الأعمال الخفيفة على النفس والشائعة التي لا تحتاج إلى نشاطٍ أو جهد بدني كبير إلى أوقات قلّة النشاط حيث إنَّك ستستمتع بأدائها بعد إنجاز المهام الكبيرة.
التفويض الفعال:
إن الإنسان يصعب عليه إنجاز عدة أعمال ومهام في وقت واحد، لذا لا بدَّ أن تكون لديه ثقة كبيرة في أشخاص يمكنه تفويض بعض الأعمال والمهام الثانوية إليهم، ليحرّكهم من جهة ويحملوا معه جزءا من الأعمال والمهام، سواء في بيئة العمل.. أو البيت.. وغيره.
تنظيم بيئة العمل:
تنظيم مكان العمل وترتيبه أحد أهم أسباب استثمار الوقت والحفاظ عليه من الضياع.. ويتلخص ذلك -كما يرى د.طارق السويدان- في تنظيم جيّد للحجرة بحيث تكون نظيفة ومرتبة وألا تكون فيها كتب أو ملفات على الأرض، وألا يكون على مكتبك الخاص إلا ما تقوم به الآن أو ما ستحتاجه اليوم، وأن يكون مضاء بشكل جيد ومرتبا بحيث تضع أدواتك في مكانها، وترتب الملفات بحسب درجة الأهمية وأن يكون هناك ملف خاص لكلّ مهمة، وملف للأشياء المهمة والعاجلة في متناول يدك وأمام عينيك، وأن تكون سلة المهملات قريبة منك بحيث تتخلص من أي شيء ليس له أهمية أو لا تحتاج إليه فيما بعد، وأن تجيد مهارة إدارة الأوراق حتى يخلو مكتبك من الفوضى وتظهر لك كثير من الأشياء الجميلة التي كانت تخفى عليك وسط ركام الأوراق.
عادات تساعد في إدارة الوقت:
ذكر الأستاذ د.محمد أكرم العدلوني في كتابه إدارة الذات أمثلة لعادات مساعدة في إدارة الوقت، مثل أن تجيد استخدام كلمة «لا»، والتغلب على المقاطعات، السيطرة على المكالمات والاتصالات وعدم التبسيط فيها أو الإخلال بها، والتعامل مع كل ورقة مرة واحدة، وعدم التسويف، والاستفادة من التقنية الحديثة، وأخذ الإجراء المباشر تجاه كل ورقة تمر عليك من المرّة الأولى، وتنظيم المعلومات والملفات.
فوائد إدارة الوقت:
إن الإدارة الصّحيحة للوقت تضيفُ ساعاتٍ طوال إذا أحسننا استغلال الأوقات الضائعة في حياتنا، بحيث إنَّ إضافة 15 دقيقة كلّ يوم تعني إضافة 13 يوم عمل كلّ عام، وإن إضافة 30 دقيقة كلّ يوم تعني إضافة شهر كامل من العمل كلّ عام.
شمعة أخيرة: يكون لدينا متسع من الوقت عندما نعرف كيف نستخدمه (بسمارك).






كلمات دالة

aak_news