العدد : ١٥١٧٩ - الاثنين ١٤ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٥ صفر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٧٩ - الاثنين ١٤ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٥ صفر ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

إيران: نظــام خارج التاريخ

بقلم: سالم الكتبي

الجمعة ٠٨ يناير ٢٠١٦ - 03:00



لا شك أن ما يفعله النظام الإيراني في منطقة الخليج العربي من بلطجة سياسية وأمنية وخرق للقوانين والأعراف الدولية يمثل حالة فريدة من نوعها في تاريخ العلاقات الدولية، فالنظام الإيراني يقفز فوق الثوابت التي استقر عليها النظام العالمي القائم على الاعتراف بمفهوم السيادة الوطنية للدول وتكريس مبدأ «الدولة الوطنية» منذ معاهدة وستفاليا عام 1648، ليأتي هذا النظام الثيوقراطي البغيض لينسف هذه الثوابت ويعيث في المنطقة فسادًا، عبر التدخل في شؤون الدول المجاورة والسعي لتفكيكها وإطاحة أنظمتها، وفرض نظريته السياسية/الدينية القائمة على ما يعرف بولاية الفقيه على دول أخرى، لا تعترف شعوبها، سواء كانت سنية أو شيعية بهذه النظرية التي تعبر عن فكر ملالي قم.
لم يقتصر الأمر على ذلك بل تجاوز هذا النظام وقام بتحريض المواطنين الشيعة في دول خليجية أخرى ضد دولهم وأنظمة حكمهم، فأنتجت هذه التدخلات التحريضية رموزا للإرهاب والعنف والتحريض ضد الدولة ومنهم المدعو باقر النمر، الذي أعدمته المملكة العربية السعودية مؤخرًا مع إرهابيين آخرين من المذهب السني بموجب حكم قضائي مر بمراحل التقاضي الطبيعية كافة بموجب النظام القضائي والحقوقي السائد في المملكة العربية السعودية الشقيقة.
لا شك أن تنفيذ الأحكام والقانون هو حق سيادي للدول بغض النظر عن الولاءات الطائفية والانتماءات المذهبية والعرقية للمواطنين، وبغض النظر عن موقف أي شخص أو دولة من حكم الاعدام في حد ذاته؛ حيث تشير القوانين الدولية إلى أن تنفيذ الأحكام القضائية هو أحد ركائز سيادة الدولة على أراضيها وجزء لا يتجزأ من العقد الاجتماعي بين الأنظمة والشعوب للحفاظ على الأمن والاستقرار وصون سيادة الدولة ضد أي انتهاكات للقوانين داخلية أو خارجية، ومن ثم يصبح رد الفعل الإيراني الطائفي البشع على هذا الحكم نوع من التدخل السافر في الشؤون الداخلية للمملكة. والأبشع من ذلك أن هذا التدخل لم يتوقف عند حد الاعتداءات اللفظية والكلامية والتهديدات الرسمية التي تفوه بها قادة النظام الإيراني ورموزه الحاكمة ضد المملكة، بل تعدى ذلك ليشمل الاعتداء الهمجي على مقر السفارة السعودية في طهران، في خطوة تتنافى مع قواعد القانون الدولي التي تلزم الدول كافة من أعضاء الأمم المتحدة بحماية المنشآت الدبلوماسية والقنصلية وطواقمها، واحترام التزاماتها الدولية في هذا الشأن، وهي التزامات نصت عليها اتفاقيات فيينا بشأن حماية البعثات الدبلوماسية الموقعة عام 1961، والتي تعد الأساس القانوني الحالي للحصانة التي تتوافر لممثلي الدول، وتعتبر موادها حجر الزاوية في العلاقات الدولية الحديثة.
لم يكن أمام السعودية من تصرف ومخرج في مواجهة هذا السلوك الرسمي الإيراني سوى الرد الحاسم والحازم على هذا المسلك العدواني السافر، ولا سيما أن البراهين والدلائل تؤكد أن اقتحام السفارة السعودية والاعتداء عليها لم يكن ليتم سوى من خلال ضوء أخضر من رموز نظام يكاد يحصي أنفاس شعبه ويحاصر مواطنيه في كل بقعة من الأراضي الإيرانية، ومن ثم فمن العبث أن يخرج دهاقنة الإيراني بحجج واهية وتبريرات وقرارات عبثية للتغطية على فعلتهم النكراء.
وقد لا يكون هناك تحريض أكثر من الذي يمارسه مرشد الثورة الإيرانية علي خامنئي ذاته، فهو من قاد التحريض وأشعل فتيل النيران عبر تغريداته النارية على موقع التواصل الاجتماعي «تويتر»، حيث قال خامنئي في حسابه باللغة الانجليزية معلقًا على صورة النمر «الصحوة لا يمكن قمعها» كما حملت صفحته صورة تجمع بين السعودية وتنظيم «داعش» في مقارنة لا تليق بقائد ديني ولا سياسي يسعى إلى علاقات قائمة على الاحترام المتبادل مع دول الجوار، ولا حتى بزعيم عصابة يسعى إلى بناء قنوات من التواصل مع الآخرين!! ولا سيما أن موقف خامنئي فتح الطريق أمام موجة تهديدات عاتية صدرت عن قادة مليشيات الحرس الثوري، الذي أصبح أحد رموز البلطجة الإقليمية التي تتحرك وتنتقل أينما وجد الجنرال التلفزيوني قاسم سليماني وغيره من قادة هذه المليشيات الإرهابية.
لم يكن أمام المملكة العربية السعودية والحال كذلك سوى ممارسة أحد حقوقها المكفولة بالقوانين الدولية وتأكيد سيادتها على أراضيها والدفاع عن حقها في تطبيق النظام والقانون في مواجهة هذه البلطجة الإيرانية العارمة، فلم يكن قرار قطع العلاقات سوى نتيجة طبيعية وبديهية للسلوك الإيراني الذي تمادى في تشويه سمعة المملكة والاضرار بمصالحها منذ تورط إيران في تدبير حادث تدافع الحجيج خلال موسم الحج الأخير وما أسفر عن ضحايا لا ذنب لهم سوى أن ملالي قم يريدون تشويه صورة السعودية والاساءة إليها والتشكيك في مقدرتها على تنظيم هذا الموسم الديني.
ترى هل يريد ملالي استباحة سيادة المملكة العربية السعودية وأراضيها كما يفعلون في الأراضي العراقية، وكما دفعوا بنحو مليون إيراني لعبور الحدود الإيرانية إلى العراق من دون أي أوراق ثبوتية في خطوة لم تكن تهدف إلا لتعديل التركيبة الديموجرافية في المناطق السنية العراقية والزج بعناصر الحرس الثوري في مناطق الصراع بسورية والعراق، ربما يكون هذا التصور صحيحًا، ولكن المشكلة أن طهران لم تقرأ جيدًا فكر وفلسفة الأداء السياسي السعودي في عهد الملك سلمان بن عبدالعزيز بما عرف عنه من حزم وصرامة وقوة شكيمة في الحق والدفاع عن كرامة بلاده وسيادتها على أراضيها والدفاع عن مواطنيها، كما لم تفهم طهران الرسائل السياسية المتوالية الصادرة من الرياض، ولم تدرك أن الدبلوماسية السعودية قد ضاقت ذرعا بالتصرفات العبثية الإيرانية وأنها لم تعد تقبل أي تدخلات في الشؤون الداخلية للمملكة أو لغيرها من دول مجلس التعاون والدول العربية، ولا أدري أن كانت طهران من الغباء بحيث كانت هذه الرسائل عصية على فهمها أم أن الغرور والغطرسة الفارسية قد طغت عليها ودفعت بها إلى ارتكاب هذه الأفعال المتهورة.
وأيًا كان السبب أو المبرر الذي يقف وراء السلوك الإيراني العدواني، فإنّ على طهران أن تدرك ان زمن البلطجة الإقليمية قد ولى وانتهى ولن يعود، وأن الاحترام المتبادل والالتزام بالقوانين والأعراف والمواثيق الدولية هو القاعدة الحاكمة لعلاقاتها مع دول مجلس التعاون، وإلا فإنّ أي خيارات أو بدائل أخرى ستدفع بها إلى ما لا تحمد عقباه.
عن «ايلاف»





كلمات دالة

aak_news