العدد : ١٥١٨٦ - الاثنين ٢١ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٢ صفر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٨٦ - الاثنين ٢١ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٢ صفر ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

مجلس الشورى واقتصاديات مجلس التعاون

بقلم: د. محمد عيسى الكويتي j

الأربعاء ٠٦ يناير ٢٠١٦ - 03:00



في مساهمة من مجلس الشورى في الحوار الدائر في المنطقة حول مستقبل دول الخليج الاقتصادي بعيدا عن النفط، نظم المجلس ثلاث محاضرات قدمها الرئيس التنفيذي للمجلس النقدي الخليجي الدكتور رجا بن مناحي المرزوقي في العاشر من ديسمبر 2015. تركزت المحاضرة الأولى حول «واقع اقتصاديات الخليج العربية وأهمية التنويع الاقتصادي للتنمية المستدامة»، والمحاضرة الثانية تحدث فيها عن «تجربة أوروبا والسياسة المالية في إطار اتحاد نقدي»، وتطرقت المحاضرة الثالثة إلى «الآثار الكلية للاتحاد النقدي على اقتصاديات دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية». في هذا المقال سوف نناقش المحاضرة الأولى المتعلقة بواقع اقتصاديات الخليج وأهمية التنويع الاقتصادي.
قدم المحاضر أطروحته بالبدء بطرح بعض الحقائق الاقتصادية التي تعزز ضرورة التنوع في مصادر الدخل. يقول المحاضر: بالرغم من أن أرقام مساهمة القطاعات غير النفطية في الناتج المحلي قد توحي بوجود تنوع اقتصادي في دول الخليج إلا أن هيمنة النفط على الاقتصاد واضحة (من خلال العلاقة بين الناتج المحلي وأسعار النفط، مما يجعل النفط هو المحدد الأساسي للناتج المحلي) وأن الإنفاق الحكومي (مصدره النفط) هو الذي يحرك الاقتصاد. فمثلا التصنيع الذي يمثل 10% فقط من الناتج المحلي يتركز في صناعات مرتبطة مع النفط وكذلك قطاع الخدمات المالية والتشييد والتجزئة أيضا تعتمد على عوائد النفط التي تُدوَّر في شكل رواتب في القطاع الخاص والعام ومخصصات خاصة.
تأكيدا على تحليل المرزوقي نورد نتيجة وصل إليها الباحث الدكتور محمد توفيق صادق «التنمية في دول مجلس التعاون»، بعد مقارنة مساهمة القطاع غير النفطي في الناتج المحلي مع الإنفاق الحكومي اتضح ان المساهمة ترتفع مع ارتفاع الإنفاق الحكومي، أي أن الإنفاق الحكومي هو الذي يحرك القطاع غير النفطي. مما يؤكد هيمنة النفط على اقتصاديات دول المنطقة وأن المؤشرات التي تقول عكس ذلك مثل النمو الاقتصادي الإيجابي 5% والبطالة المتدنية 4% ومساهمة القطاع غير النفطي 20% هي «مؤشر إيجابية كاذبة» على حد تعبير المرزوقي.
الدول التي خططت لنفسها وتحوطت لما بعد النفط مثل ماليزيا والمكسيك كانت في وضع مماثل لدول الخليج معتمدة على النفط، لكنها الآن تعتمد على صادراتها المتطورة والمنافسة. التحول نحو اقتصاد مستقل عن النفط يحتاج إلى وقت طويل يتراوح بين 20 إلى 30 سنة من وضع الخطط وبدء التنفيذ لكي تظهر النتائج.
من أهم المعوقات لتنويع مصادر الدخل التي ذكرها المحاضر هي:
أولا: عدم وجود التخطيط السليم وعدم وجود الرؤية الواضحة التي تشجع الاستثمار وتقلل من المخاطرة في حسابات المستثمر. يحتاج المستثمر أن يرى خططا متوسطة وطويلة المدى تتضح معها الصورة، مع موازنات تصدر لثلاث أو خمس سنوات تمنح المستثمر مستوى من الوضوح يمكنه من خفض معدل المخاطرة وبالتالي نسب ربحية معقولة.
ثانيا: عدم تحديد القطاعات الاستراتيجية من قبل الدول ووضع البنى التحتية الخاصة لهذه القطاعات والخدمات المساندة.
ثالثا: عدم كفاءة الإنفاق الحكومي، ويعني بذلك ان المشاريع الحكومية تمنح المستثمر فرصا ربحية عالية تجعله يتوجه للمشاريع الحكومية ويتخلى عن إتمام مشاريع القطاع الخاص التي التزم بإكمالها، حتى لو اضطر إلى دفع المبالغ الجزائية فإنّ الأرباح من مشاريع الحكومة تعوضه عن ذلك.
رابعا: عدم وجود الحافز المادي لدى المستثمر الخليجي في ظل وجود إمكانيات كبيرة في الاستثمار العقاري وفي قطاع التجزئة، فالتاجر يستورد بضاعة ويدور أمواله أربع مرات في السنة ويحصل على عوائد خلال العام نفسه تعادل أو تفوق أي استثمار صناعي أو إنتاجي بالإضافة إلى عدم تعرضه لعامل المخاطرة المرتفع في الصناعة وطول فترة نضوج المشروع والوصول إلى الربحية.
خامسا: تدني الابتكار لغياب مراكز الأبحاث وضعف التعليم والتدريب والاعتماد على العمالة غير الماهرة. لذلك فإنّ المستفيد الأكبر من الطفرات المالية التي حدثت هي قطاعات الخدمات مثل التشييد والقطاع المالي وهذه مرتبطة بالإنفاق الحكومي المعتمد على صادرات النفط، وأي انخفاض في إيراداتها يؤثر في ميزان المدفوعات ويؤدي إلى عجوزات.
سادسا: في أي اقتصاد متنوع فإنّ النصيب الأكبر من الدخل يذهب إلى العمالة (الأجور) بينما في دول المجلس فإنّ الدخل الأكبر تحصل عليه الشركات، وهذا خلل اقتصادي يؤثر على تنمية القوة البشرية ويعطي مؤشرا على نوعية العمالة غير الماهرة وينعكس على الإبداع والابتكار، ولا يحصل التنوع الاقتصادي إلا من خلال رفع نصيب العمالة لكي تنعكس على تطوير الكفاءات والإبداع والابتكار. لا يحصل التنويع الاقتصادي إلا من خلال الصناعات المتطورة ولا يحصل ذلك إلا من خلال العمالة الماهرة وهذا غير موجود بسبب تدني مستويات التعليم والتدريب.
التنويع الاقتصادي الذي نحتاجه هو أكثر من مجرد زيادة في القطاع غير النفطي، نحتاج إلى تنويع في الصادرات، والتركيز على الصادرات المتقدمة والمتطورة التي تنعكس إيجابا على ارتفاع مساهمة الاقتصاد الداخلي الحقيقي وليس على الإنفاق الحكومي. الدول التي تستطيع أن تستمر في النمو المستدام من دون أن تتعثر هي تلك الدول التي تولي البحث والتطوير أولوية عالية. كذلك يحتاج الاقتصاد إلى ربط بين الصناعات (Cluster) مثل صناعة السيارات التي تخلق فرصا استثمارية كثيرة للشركات الصغيرة لصنع قطع ومستلزمات هذه الصناعة، وكذلك تحتاج إلى خدمات كثيرة، هذه الصناعة تخلق قطاعا اقتصاديا كبيرا خارج النفط. وتخلق قاعدة صناعية كبيرة. وجود البيئة الاستثمارية والبيئة المالية وتوفير المعلومات الموثوقة اللازمة للقطاع الخاص مهمة لجذب الشركات الاستثمارية.
يحتاج تنويع مصادر الدخل إلى تدخل جزئي من الدولة في فترة محددة وفي مشاريع معينة تنشئها ومن ثم تترك القطاع الخاص ليكمل تشغيلها وفق معايير واضحة وخطط معلومة مسبقا تحصر تدخل الحكومة في مرحلة الإنشاء والرعاية. كذلك مطلوب وجود رأس المال المخاطر الذي يحفز الأفكار الجديدة ويحولها إلى منتجات وخدمات. الصناديق التي وضعتها دول المجلس لا تجذب المبتكرين بل تخلق مشاريع خدماتية متماثلة تعتمد على أموال النفط.
هذا يضع علامة استفهام على خطط التنمية في دول الخليج. هل خطونا خطوات جادة ومتقدمة في هذا الاتجاه؟ وهل خططنا لتنويع اقتصاداتنا؟ وماذا نحتاج لكي ندرك أهمية التخطيط للمرحلة المقبلة؟
mkuwaiti@batelco.com.bh






كلمات دالة

aak_news