العدد : ١٥٢١٣ - الأحد ١٧ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٠ ربيع الأول ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢١٣ - الأحد ١٧ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٠ ربيع الأول ١٤٤١هـ

دراسات

أثر تداعيات الأزمة السورية على خريطة الطاقة الشرق الأوسطية

مركز الخليج للدراسات الاستراتيجية

الثلاثاء ٠٥ يناير ٢٠١٦ - 03:00



أسدل عام 2015 الستار على انخفاضات سعرية غير مسبوقة، تعد الأدنى منذ عام 2008، إذ وصلت الأسعار المرجعية لخامي «برنت» وغرب تكساس المتوسط “WTI” في آخر أيام التداول من عام 2015 ما دون 40 دولارًا للبرميل، مقابل 115 دولارًا للبرميل قبل 18 شهرًا. أما متوسط سلة خامات «أوبك» خلال عام 2015 فقد بلغ 49,65 دولارا للبرميل، مقابل أكثر من 96 دولارًا للبرميل خلال عام 2014، أي بانخفاض قدره 47 دولارًا للبرميل.
والسؤال المهم الذي يطرح نفسه هو: ما هي الرؤية المستقبلية لأسعار النفط مع انبلاج عام جديد؟ تشير أغلب المعطيات المتاحة إلى أن العوامل التي حددت مسارات الأسعار عام 2015 مازالت معنا، ويمكن حصرها على النحو التالي:
} في جانب العرض: مازال السوق يعاني تخمةً في الإمدادات، إذ وصل الإنتاج العالمي بحسب أرقام وكالة الطاقة الدولية إلى 96,1 مليون برميل يوميًّا عام 2015، مقابل 93,6 مليون برميل يوميًّا عام 2014، أي بزيادة قدرها 2,5 مليون برميل يوميًّا، وهذه الزيادة في الإمدادات مردها تضافر العديد من العوامل، لعل من أبرزها:
1ـ ثورة الوقود الصخري: تشهد الولايات المتحدة الأمريكية منذ ما ينوف على عقد من الزمن تطورًا لافتًا في الإنتاج غير التقليدي من النفط المضغوط «tight oil»، جاء بعد نجاحها في توظيف تكنولوجيا التكسير الهيدروليكي «Fraking»، بالإضافة إلى تكنولوجيا الحفر الأفقي الثلاثي الأبعاد. وقد أضافت هذه التقانة أكثر من 4,5 ملايين برميل يوميًّا إلى إنتاجها الكلي الذي يزيد اليوم على 9 ملايين برميل يوميا.
وقد أدى هذا التطور إلى أن تحل الولايات المتحدة محل السعودية في لعب ما يعرف بالمنتج المرجح (Swing Producer) في ظل تبني الأخيرة سياسة نفطية جديدة، وقد أثرت الزيادة في الإنتاج الأمريكي على درجة الاعتماد على واردات النفط المستورد، بما فيها النفوط ذات المنبع الخليجي/ الشرق أوسطي، حيث لم تزد حاليًا على 20% من إجمالي واردات الولايات المتحدة، وهي في تراجع مستمر. وهناك من المراقبين من يرى أن هذا التطور سيترتب عليه تغير جذري في سياسة أمريكا بالمنطقة، وخصوصًا بعد انسحابها من العراق وأفغانستان، رغم أن لأمريكا مصالح حيوية في الشرق الأوسط لن تحيد عنها، بغض النظر عمن يدير دفة الحكم في البيت البيضاوي، سواء أكان ديمقراطيًّا (كما هو حاليًّا) أم جمهوريًّا، إذ تعطي الولايات المتحدة أهميةً بالغةً لاستمرار التدفق الآمن للإمدادات لحلفائها في حلف شمال الأطلسي عبر مضائق منطقة الشرق الأوسط المتعددة، منها مضيق «هرمز» الحيوي، ومضيق «باب المندب»، بالإضافة إلى قناة السويس التي تربط البحر الأحمر بالبحر المتوسط.
2ـ الزيادة الكبيرة في الإنتاج خارج منظومة «أوبك»: ومن أبرزها الزيادة الكبيرة في الإنتاج الروسي، الذي وصل إلى 10,6 ملايين برميل يوميًّا، وهو معدل لم يشهده السوق منذ الحقبة السوفيتية أواخر ثمانينيات القرن الماضي، ويأتي ذلك في ظل الزيادة الكبيرة في إنتاج العديد من الدول الأعضاء في «أوبك» ذاتها، فقد بلغ إنتاج السعودية أكثر من 10 ملايين برميل يوميا، في حين تجاوز الإنتاج العراقي حاجز الـ 4 ملايين برميل يوميا.
3ـ سياسات «أوبك» النفطية: ساد عدم التوافق بين أعضاء «أوبك» خلال المداولات العديدة التي شهدتها المنظمة عام 2015، كان آخرها الاجتماع الذي انعقد في مقر المنظمة في العاصمة النمساوية فيينا يوم 4 ديسمبر المنصرم، حيث طغى عليه انقسام المنظمة إلى فريقين مناوئين، إن صح التعبير، فريق الحمائم بقيادة المملكة العربية السعودية (بالإضافة إلى الإمارات والكويت) يقابله في الجانب الآخر فريق الصقور بقيادة إيران بالإضافة إلى فنزويلا والعراق والجزائر.
وخلصت العديد من الدول الأعضاء في المنظمة إلى أنه ما لم يتم التنسيق مع الدول المنتجة الأخرى خارج «أوبك»، فإنّ تخفيض حصص الإنتاج التي تزيد على 31,5 مليون برميل يوميا حاليا سيعني فقدان حصتها السوقية لصالح المنتجين الأكثر كلفة.
} في جانب الطلب: يعد النمو في الناتج المحلي الإجمالي المحرك الرئيسي للطلب على النفط في العالم، وتشير التوقعات الأخيرة الصادرة عن صندوق النقد الدولي إلى أن الاقتصاد العالمي لن ينمو بأكثر من 2,9% عام 2016، نظرًا إلى تراجع النمو في الدول الواعدة في آسيا، لا سيما الصين والهند، بالإضافة إلى الركود في منطقة اليورو.
يُذكر أن الطلب العالمي على النفط بحسب بيانات وكالة الطاقة الدولية ارتفع من 92,8 مليون برميل يوميًّا عام 2014 إلى 94,6 مليون برميل يوميا عام 2015 أي بواقع 1,8 مليون برميل يوميًّا فقط، في حين تشير التقارير إلى أن النمو في الطلب العالمي لن يزيد على 1,2 مليون برميل يوميا عام 2016، ما يعني استمرار التخمة في المعروض الذي يتراوح بين 1,5 ومليوني برميل يوميا، كما أن قرب عودة إيران لأسواق التصدير بزخم كبير بعد رفع العقوبات الاقتصادية عنها، إذ يتوقع أن يصل إنتاجها الإضافي ما بين 500 و700 ألف برميل يوميا خلال أشهر قليلة من سريان رفع الحظر، ما يضيف إمدادات إضافية لسوق يعاني التخمة أصلاً.
وتشير أغلب المعطيات لعام 2016 إلى أن الضغط على أسعار النفط سيأخذ مداه خلال النصف الأول من العام، خصوصًا إذا علمنا أن المخزونات التجارية للدول الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية تزيد على 3 مليارات برميل، ناهيك عن الارتفاع في سعر صرف الدولار مقابل العملات الأجنبية الأخرى بعد قيام البنك الاحتياطي الفيدرالي في الولايات المتحدة– البنك المركزي– برفع أسعار الفائدة ربع نقطة مئوية، ما يجعل الدول المستوردة للنفط تدفع فاتورة أعلى– إذ لا يزال النفط حتى يومنا هذا مقومًا بالدولار- الأمر الذي يقلل من الطلب على النفط.
وجاء البيان الختامي لمؤتمر المناخ الذي انعقد في العاصمة الفرنسية باريس خلال الفترة من 31 نوفمبر إلى 12 ديسمبر من العام الماضي، ليشدد على ضرورة الحد من استهلاك الوقود الأحفوري باعتباره الملوث الرئيسي للبيئة، وأحد أسباب الاحتباس الحراري، مقابل تشجيع الاستثمار في الطاقة المتجددة لا سيما الطاقة الشمسية وطاقة الرياح.
بيد أن هناك مؤشرات تشير إلى أن الأسعار ستعرف طريقها إلى التعافي خلال النصف الثاني من العام، إذ تسبب انخفاض الأسعار في تراجع كبير في الاستثمارات في مناحي عديدة من الصناعة البترولية، وخاصةً عمليات الاستخراج والتنقيب، والتي زادت على 200 مليار دولار، الأمر الذي سيؤدي إلى إعادة التوازن بين العرض والطلب بدءًا من الربع الثاني من العام، مع بوادر انتعاش اقتصادي في الولايات المتحدة وعودة الإنتاج الصناعي في الصين إلى مستوياته المرتفعة.
وهناك ما يدل على أن السياسات النفطية لـ«أوبك» بقيادة المملكة العربية السعودية– التي وقفت صامدةً أمام مختلف الضغوط التي مورست لخفض الإنتاج– أخذت تُؤتي أُكلها بدليل انخفاض منصات الحفر في الولايات المتحدة إلى ثلث معدلاتها السابقة، إذ وصلت في نهاية عام 2015 إلى 536 منصة عاملة، ما يدل على أن الإنتاج الأمريكي بما فيه إنتاجها من الوقود الصخري آخذ في التراجع، إذ تشير آخر البيانات المتاحة إلى أن الإنتاج الأمريكي انخفض بمعدل 80 ألف برميل يوميًّا عام 2015.
وقد تشهد أسعار النفط تداولاً في البورصات العالمية (بورصتي نيويورك ولندن) خلال عام 2016 عند عتبة الـ55-60 دولارًا للبرميل، كما أن هناك إجماعًا على أن الأسعار لن تعود إلى معدلاتها السابقة التي تجاوزت الـ150 دولارًا للبرميل صيف عام 2014 قبل نهاية العقد الحالي.
تداعيات انخفاض أسعار النفط على الدول الخليجية: أعلنت غالبية الدول الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي عن عجز في موازناتها في عام 2016، إذ أصبح من المتعذر للعديد منها الاستمرار في معدلات الإنفاق السابقة في ظل تدني الأسعار إلى نحو 36 دولارًا للبرميل، وعلى هذا المنوال أعلنت المملكة العربية السعودية– صاحبة أكبر اقتصاد عربي وخليجي– عن ميزانية متحفظة على أساس سعر 37 دولارًا للبرميل، وهي الميزانية الأكثر تحفظًا منذ ما لا يقل عن 10 سنوات، بيد أنها بما تحتفظ به من احتياطيات أجنبية تبلغ حاليًا 640 مليار دولار يمكنها استيعاب هذا التراجع ولسنوات عديدة شأنها شأن دول خليجية أخرى تتمتع بأرصدة نقدية كبيرة في صناديق الثروة السيادية لديها. والتي وصلت في الإمارات العربية المتحدة (جهاز أبو ظبي للاستثمار) لنحو 450 مليار دولار، وفي الكويت تقدر صناديق الثروة السيادية فيها بـ220 مليار دولار، بينما وصلت في قطر إلى 66 مليار دولار، في حين تعد الأدنى في مملكة البحرين (ممتلكات) وبلغت 6 مليارات دولار.
وهناك من يرى أن التراجع في إيرادات الدول الخليجية هو بمثابة «النعمة» لا «النقمة»، كما يحلو للمغرضين تسويقه، إذ إن انكماش الأسعار وتراجع الإيرادات دفع الدول الخليجية إلى إعادة النظر في سياسات دعم المحروقات التي تستنزف الكثير من موازناتها، ما سيؤدي إلى الترشيد العقلاني للاستهلاك الذي تغلب عليه سمة التبذير المسرف، وقد أعلنت المملكة العربية السعودية عن رفع أسعار المشتقات النفطية في نهاية ديسمبر عام 2015، وحذت مملكة البحرين حذوها بإعلانها رفع أسعار الديزل والكيروسين بدءًا من العام الجديد، وكذلك رفع أسعار الكهرباء والماء، وكانت الإمارات العربية المتحدة السباقة بين دول المجلس، إذ أعلنت في أغسطس من العام الماضي عن تعويم أسعار المشتقات النفطية ليتم تحديدها وفقًا لقوى السوق، بيد أن أسعار البنزين التي تتراوح بين 0,20 دولار/ لتر في السعودية كحد أدنى و0,31 دولار/ لتر في سلطنة عمان كحد أعلى، تظل الأرخص في العالم، حيث يصل سعر لتر البنزين على سبيل المثال إلى أكثر من 1,84 دولار/ لتر في بريطانيا في حين يصل إلى 1,77 دولار/ لتر في تركيا.
وأخذت العديد من الدول الخليجية بما فيها السعودية والإمارات والبحرين بالتوسع في استثماراتها في الطاقة البديلة المتجددة بعيدًا عن الاعتماد المفرط على الوقود الأحفوري, بما يفضي إلى تنويع قاعدتها الاقتصادية.
نخلص مما ورد إلى أن المستقبل مازال واعدًا في دول مجلس التعاون الخليجي، رغم الظروف الاقتصادية غير المؤاتية، إذ علمتنا التجارب السابقة (الأزمة المالية عام 2008) أن بمقدور الدول الخليجية التكيف مع «الأعاصير» من دون الانحناء أمام «الرياح العاتية».























كلمات دالة

aak_news