العدد : ١٥١٨٢ - الخميس ١٧ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٨ صفر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٨٢ - الخميس ١٧ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٨ صفر ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

الإرهاب وتهديد الإنسان والإنسانية

بقلم: د. نبيل العسومي

الثلاثاء ٠٥ يناير ٢٠١٦ - 03:00



التأمل في ظاهرة الإرهاب ببعدها العالمي يقودنا تحليلها في البعد الأبعد ودون الوقوع في فخ التبرير إلى أن المشكلة ناجمة عن الكراهية والأحقاد والإقصاء المتبادل بين الغرب والعرب المسلمين، تنهض على قاعدة من المعطيات الثيولوجية الإسلامية والمسيحية واليهودية التي عملت منذ القرون الوسطى، كأنظمة ثقافية وأخلاقية وتشريعية للإقصاء المتبادل، وعملت هذه المنظومات التي ترجمتها المجموعات الدينية للادعاء بأنها قد اختيرت من قبل الله، بشكل خاص لحمل الحقيقة (لوحدها)، وهي نفس تلك المنظومات التي مازالت إلى اليوم تعمل كثوابت لتبرير حروب متكررة، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية ومرورا بحرب الجزائر بين 1954-1962م- وحرب السويس في 1956م- وحرب الأيام الستة في 1967م- وحرب العبور في1973م- ووصولا إلى الحرب على العراق 2003م- والحروب على الإرهاب بطبعاتها المتعددة منذ 2001م، وتعقيداتها ومسبباتها المختلفة.... فجميع هذه الحروب تستحضر – بشكل أو بآخر-الموروث الديني والثقافي الرمزي بين العرب والغرب بوجه خاص: (الحروب الصليبية..)، والخطوط الأساسية للتاريخ التي تعكس مسار تشكل الصراعات الجماعية المحفورة في التاريخ، وهي تتغذى دائما من المضامين المرتكزة على الدفاع عن الهويات والمصالح إلى آخر مفردات المعجم، دون الحديث طبعا عن التبادل غير المتكافئ والتهميشي بين هذه الدول والشعوب، بما يستدعي في الحقيقة مراجعة جذرية لهذه العلاقة المتشابكة، في اتجاه التسامح والتعاون والقبول، على قاعدة الاحترام المتبادل.
إن القضاء على الإرهاب والتوحش، يقتضي- إضافة إلى التصدي الصارم له من قبل جميع الدول والشعوب بتضامن فعال- إعادة بناء العلاقات الدولية على أسس من العدل والاحترام المتبادل والتبادل المتكافئ، ووضع حد للانتهاك للبلاد العربية، ولحقوق العرب والمسلمين، هذا التاريخ الذي يفترض أن تجري حوله المفاوضات، بما سيعني تدشين مرحلة جديدة من الدبلوماسية الوقائية، لتأسيس سياسة مشتركة، استنادا إلى القيم والمصالح المشتركة، والتفاهمات ذات الطابع الإنساني، والتوقف عن اعتبار العالم العربي- الإسلامي مجرد حديقة خلفية، أو قطعة من الجغرافيا، يتم التلاعب بها، كما يجري حاليا في العراق وسوريا وليبيا، وفي المقابل يجب على العرب والمسلمين التوقف عن رفض الإنجازات التحررية للإنسانية، في مرحلتها الأوروبية، والخروج من حالة الانغلاق والعداء للغرب، ومن حالة تضخيم المخيال المتعلق بالمقاومة والاحتماء بالهوية.
النظرة الإنسانية وحدها يمكنها أن توصل الفكر الإسلامي والمسلمين إلى مواجهة تحديات الحداثة والعصر، باستثمار الفرص الكونية الجديدة والمتاحة أمامهم، لتحقيق النهضة المتعثرة، ولن يتحقق ذلك إلا بالتوقف عن اعتبار الدين آيديولوجية قتال دائمة، ضد الأعداء (التاريخيين والدينيين والطائفيين والكفار)، على نمط ثقافة القاعدة والنصرة وداعش وعصائب الحق وأحزاب«الله»، والجماعات المتوحشة الطائفية في العراق، التي أدى توحشها ولا إنسانيتها وعماها الطائفي، إلى ولادة التطرف المضاد، دون أن ننسى المبشرين بولاية الفقيه الدولية، لأنّ هذه المنظومة إذا تم تشغيلها تفضي حتما إلى استحضار الحروب الطاحنة، وبناء العداوات بلا نهاية، والدخول في دوامة الاقتتال المعنوي والمادي، والتي يغذيها على نطاق واسع سياسة الهيمنة والعدوان والانتهاك الممارسات العدوانية في السياسة الغربية، تجاه العرب خاصة والمسلمين عامة، وما تولده هذه السياسة الغاشمة من إحساس متزايد بالضعف والإهانة والتخلف والإحباط، وما تفرزه من رد فعل يتراوح بين ثقافة العزلة والتوحش، أو الهروب إلى الخلف والاحتماء بالماضي والخرافات، وبين العنف الوحشي الذي لا يبقي ولا يذر، كالذي يشاهد يوميا في العراق وسوريا وليبيا وفي مناطق متعددة في العالم، بما يستدعي جهدا دوليا إنسانيا مشتركا لمواجهة التوحش والإرهاب والفوضى.





كلمات دالة

aak_news