العدد : ١٥٥٦٠ - الخميس ٢٩ أكتوبر ٢٠٢٠ م، الموافق ١٢ ربيع الأول ١٤٤٢هـ

العدد : ١٥٥٦٠ - الخميس ٢٩ أكتوبر ٢٠٢٠ م، الموافق ١٢ ربيع الأول ١٤٤٢هـ

في الصميم

... أحمر الخدين!!



قرأت خبرا قصيرا يقول: إن بائعي الأسماك في السوق المركزي يشكون ويتبرمون لقيام عدد من العمال السائبين «الفري فيزا» بشراء كميات قليلة من الأسماك من تجار الجملة.. ثم يقفون أو يجلسون بها أمام الجوامع قبيل وبعد صلاة الجمعة – كل يوم جمعة – ثم يبيعونها للمصلين بأسعار رخيصة.. الأمر الذي يؤثر على أرزاقهم.. ثم يطالبون بالضرب بيد من حديد على هؤلاء العمال الذين يربكون السوق ويهينونه!
مثل هذه الأخبار تكررت كثيرا.. ومنها شكوى تجار الأسواق القديمة والشعبية من تفاقم انتشار المجمعات التجارية «المولات» التي تضرب بأرزاقهم في مقتل.. ومنها شكوى أصحاب المتاجر من تجار الفرشات في الأسواق المختلفة.. ثم الشكوى الدائمة والتي لا تتوقف من البائعين الجائلين.. إلى آخره.
هؤلاء الشاكون جميعهم يعبرون عن مصالح ضيقة.. ويظهرون أنانية مفرطة.. ويمارسون حربا شعواء من أجل الحفاظ على الأسعار المبالغ فيها التي حددوها لأنفسهم من دون رقيب على تحديدها.. وينسون أن هناك فئة غير القادرين على الشراء بالأسعار المغالى فيها التي يحددونها.. كما يصورون الأمور وكأن البحرين هي الوحيدة في العالم التي تشكو من هذه الظواهر.. ويصورون الأمر أيضا وكأنه عدوان عليهم، وعلى أرزاقهم.. كما يرددون!
أولا: إن هؤلاء العمال الآسيويين الذين يحصلون على الأسماك من الصيادين ويبيعونها في الأسواق أو أمام الجوامع.. أو في بعض الشوارع.. هم قلة قليلة.. والظاهر منهم هم من يجلسون أمام الجوامع وهؤلاء لا يتجاوز عددهم في البحرين كلها عشرة عمال فقط.. ولكنها الأنانية وحب الشكوى والمبالغة التي فطر عليها هؤلاء التجار بجشعهم وأنانيتهم المفرطة.. وكأنهم يعلنون أنه ليس من حق «الغلابة» أن يأكلوا السمك الذي أصبحت أسعاره في «العلالي»!
وقد رأيت بأم عيني اثنين من بائعي الأسماك في السوق المركزي ينهالان ضربا على عامل آسيوي مع بعثرة كل ما كان أمامه من كمية بسيطة جدا من الأسماك.. وكل ذلك لأنه تجرأ ومارس بيع الأسماك لحسابه في السوق.. ومن المستفز أنه كان هناك عمال آخرون يبيعون السمك في السوق نفسه وبالطريقة نفسها من دون أن يتعرض لهم أحد.. ولما سألت: ولماذا هؤلاء لا يمسُّهم أو يقترب منهم معتدٍ.. فقيل لي: لأنهم يعملون لحساب بائعين في السوق نفسه!
والحقيقة أن قضية الحماية سواء للتاجر أو الصانع الوطني مطروحة في كل الدول العربية.. وهي قضية متفاوتة ومختلف عليها بين مؤيد أو رافض لها.. وبين معدد لآثارها الإيجابية.. وآخرين يعددون نتائجها السلبية.
أنا شخصيا من غير المؤيدين لمبدأ الحماية هذا، بل وأحمله السبب في تدهور الصناعات الوطنية في الدول التي تأخذ به.. بل إنني أيضا من أنصار إفساح باب المنافسة الحرة على مصراعيه؛ ذلك لأنّ هذه المنافسة الحرة هي التي وراء التقدم الصناعي وجودة المنتجات ورسوخ المسيرة الصناعية.. كما أن الإسراف في الحماية في المجال التجاري هو الذي وراء ظاهرة ارتفاع الأسعار واستغلال المستهلكين إلى أبعد مدى.
وإن كنت أضطر إلى القبول بالحلول الوسط في كل الأمور.. فلا حماية مبالغ فيها.. قاتلة ومدمرة.. ولا غياب كامل لهذه الحماية إلى درجة إفساد السوق.. ولكن أين هو من يجيد إعمال مبدأ الموازنة والتوازن في تسيير الأمور؟!
أعود إلى الموضوع الذي أردت تناوله اليوم ألا وهو مشروع «مدينة التنين الصينية».. هذا الإنجاز الوطني الكبير الذي تم افتتاحه مؤخرا.
هذا المشروع يلقى مقاومة شرسة وتعويقا عاتيا وتشويها مجردا من كل حس وطني منذ بدء إعلانه كمجرد فكرة.. فلم تهدأ هذه الحملة الشعواء ضد هذا المشروع طوال مراحل إنشائه وحتى بعد افتتاحه، ولا تزال هذه الحرب لا يهدأ أوارها حتى هذه اللحظة.. ولا يخفى على أحد أن مشعلي هذه الحرب ليسوا من رجال المال والاقتصاد.. وإنما هم من التجار المتعاملين في تجارة المنتجات الصينية أو ما يشابهها.. حتى ولو كانوا يتاجرون في القليل منها فقط!
عموما لم يلتفت القائمون على هذا المشروع.. أو هذا الإنجاز طوال فترة إنشائه وتجهيزه.. وصبروا وصابروا متحملين كل ما كان يوجه إليهم ويشكك في نواياهم حتى اكتمل المشروع على الوجه الأكمل.. مدركين حقيقة النوايا وراء هذه الحملة الشعواء.. مع أن الكثيرين – وأنا معهم – يعتبرون هذا المشروع أول خطوة حقيقية وعملية على طريق المد السياحي المنشود.. وأول ما يدفع بشكل مباشر نحو الإسهام في تحقيق هدف الازدهار الاقتصادي على أرض البحرين.
جهة محايدة ألا وهي جمعية المؤسسات الصغيرة والمتوسطة أجرت مؤخرا استطلاعا حياديا وموضوعيا للرأي خدمة للحقيقة – وليس لغيرها – جاءت نتيجته انتصار الإيجابيات على السلبيات في هذا المشروع الكبير الذي ينادي الشعب بأكمله بالتوسع فيه.. وتنفيذ المزيد من المشاريع المماثلة.. فلا حل لمواجهة الأزمة والظروف الصعبة التي تواجهها البحرين مع كل دول العالم سوى هذا الطريق الذي بدأ السير فيه، وباركه قادة البلاد والشعب بأكمله.
نتائج الاستطلاع أسفرت عن أن لهذا المشروع 22 ميزة وردت على ألسنة من تناولهم الاستطلاع مقابل عدد أقل وشديد الضعف من السلبيات.
فمن بين السلبيات أو المساوئ التي يرون أنها تعيب هذا المشروع على سبيل المثال أن هذا المشروع قد يسهم في زيادة النفايات في البحرين، وأنه قد يزيد من حجم المنازعات التجارية على أرض البحرين، وأنه قد يزيد من نسبة البضائع الرخيصة في سوق البحرين، وأنه على المدى الطويل قد يؤدي إلى حصول وافدين صينيين على الجواز البحريني!!
وهذا الذي قيل عن السلبيات.. يكاد لا يختلف عما حدث عندما استطلعوا الرأي عن العيوب والسلبيات في الورد.. فلم يجدوا ما يقولونه فيه سوى أنه: أحمر الخدين!!
وفي المقابل كانت المزايا الـ 22 التي رددها من شملهم الاستطلاع حول هذا الإنجاز الكبير وأقلها هي: أنه في مصلحة الأغلبية العظمى من المواطنين والمستهلك البحريني، وإيجاد فرص للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة.. والإسهام الكبير في الجذب السياحي من كل النواحي وازدهار وتقوية وتنشيط السوق البحريني، ونشر المنافسات الحرة التي تجيء نتائجها في مصلحة المواطنين والمستهلكين..الخ.
كل هذا يجعلني أطالب بلفتة وطنية أخرى مقتضاها تحرك الدولة نحو تكريم من قاموا على هذا المشروع العملاق منذ بدايته وحتى الآن.. ومن بينهم على سبيل المثال السيد عبدالحكيم الخياط رئيس مجلس إدارة شركة درة البحرين التي قامت على هذا المشروع وتحملت تبعاته بأكملها.. هذا إذا كنا جادين في تكريم المعطائين للوطن من أبناء الوطن.. وإذا كان لدينا العزم على مواصلة وتشجيع طريق وميدان العطاء للمواطنين.








إقرأ أيضا لـ""

aak_news