العدد : ١٥٢١٤ - الاثنين ١٨ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢١ ربيع الأول ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢١٤ - الاثنين ١٨ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢١ ربيع الأول ١٤٤١هـ

شرق و غرب

عندما تعتذر اليابان عن استعباد النساء!

بقلم: سيزار شلالة

الاثنين ٠٤ يناير ٢٠١٦ - 03:00



قررت الحكومة اليابانية الموافقة على دفع تعويضات قدرها 8,7 ملايين دولار لعشرات النساء الكوريات التي أُجبرن على العمل كمومسات لدى الجنود اليابانيين. تعتبر هذه الأموال تعويضا عن المعاناة الكبيرة التي عاشتها هؤلاء النسوة، وقد عبر رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي عن «عميق أسفه وأساه» و«مشاعر التعاطف القلبية» مع الضحايا.
يقدر المؤرخون أن ما بين مائة ألف ومائتي ألف امرأة قد أخذن من بلدانهن الأصلية من أجل العمل كمومسات والترفيه عن الجنود اليابانيين في جبهات القتال – علما أن ما بين 80% إلى 90% منهن كُنّ من الكوريات. تذكر السجلات التاريخية أن الفتيات الصغيرات اللائي لم يتجاوزن الحادية عشرة من أعمارهن كن يجبرن على ممارسة الجنس مع 40 إلى 50 جنديا يابانيا ويوميا. أما في عطلة آخر الأسبوع فإنّ عدد الجنود اليابانيين الذين يتداولون على الفتاة الكورية الواحدة يصل إلى المائة.
تذكر السجلات التاريخية أن الفتيات والنساء الكوريات اللائي يحاولن أن يقاومن يكون مصيرهن الضرب المبرح أو الحرق أو الإصابة بجروح غائرة تعيش معهن طيلة حياتهن. لقد كانت الاعتداءات والاغتصابات الجنسية من الفظاعة حتى أن الكثير من النساء والفتيات الكوريات قد أنهين حياتهن بأنفسهم وانتحرن درءا للمعاناة وحياة الاستعباد الجنسي. لما انسحب الجيش الياباني ترك الكثير من هؤلاء النسوة والفتيات فرسية للجوع والمرض فيما تم إعدام الكثير منهن من أجل التخلص من أي أثر يدل على ما ارتكب في حقهن من فظائع على أيدي الجيش الياباني الذي كانت تحكمه عقيدة عسكرية فاشية.
عقب نهاية الحرب العالمية الثانية (1939-1945) ظلت الحكومة اليابانية تشدد على أن «مراكز المتعة الجنسية» كانت في الحقيقة عبارة عن «مواخير وبيوت دعارة خاصة» يديرها مواطنون محليون. أخيرا وفي سنة 1993 اعترفت الحكومة اليابانية بأن الجيش الياباني كان معنيا بشكل مباشر أو غير مباشر: في إقامة تلك المحلات وإدارتها كما أنه لعب دورا في نقل الفتيات والنسوة إلى تلك المراكز الجنسية.
كانت باي بونج كي أول امرأة كورية تتحدث سنة 1980عن حياتها ومعاناتها في تلك «المراكز الجنسية» وقد تحدثت عما عاشته من مآس ومعاناة. في سنة 1991 تحدثت امرأة ثانية تدعى كيم هاك سون، التي ماتت سنة 1997، وروت كيف أن الجنود اليابانيين قد اختطفوها عنوة عندما كانت على عتبة السابعة عشرة من عمرها وأجبروها على حمل الذخيرة نهارا والعمل كمومس لديهم طيلة الليل.
شجعت شهادة تلك المرأة عديد النساء الأخريات على الخروج عن صمتهن وسرد تفاصيل ما حدث لهن من فظائع عندما أجبرهن الجنود اليابانيون على العمل كعبيد جنس في بيوت الدعارة العسكرية وهي المراكز المشينة التي عثر على آثارها ومخلفاتها في الكوريتين والصين وماليزيا والفلبين وسنغافورة وميانمار وغينيا الجديدة وأوكيناوا. أما شونج سيو وون فقد فضلت أن تسجل شهادتها للتاريخ عما عانته على أيدي الجنود اليابانيين في كتاب بعنوانMaking More Waves (Beacon Press, Boston, 1997)..
شونج سيو وون كانت الطفلة الوحيدة في عائلتها الميسورة من ملاك الأراضي الزراعية وقد ولدت في كوريا. كان والدها وطنيا يناضل ضد الحكم الاستعماري وقد زج به في السجن وتعرض للتعذيب الشديد وعندما أدركت شونج السادسة عشرة من عمرها سمح لها بزيارة والدها في السجن. تذكر شونج في كتابها أن نفس المسؤول الياباني الذي سمح لها بزيارة والدها في سجنه قد حضر لاحقا إلى منزلها وقال إن والدها سيطلق سراحه لكن بشرط أن توافق على الذهاب إلى اليابان والعمل هناك لمدة عامين. رغم معارضة والدتها الشديدة فقد وافقت شونج على الذهاب إلى اليابان حتى يطلق سراح والدها من سجنه.
وجدت شونج على متن سفينة صحبة عدد آخر من النساء والفتيات. كانت تأمل أن يطلق سراح والدها بعد أن تمضي هي عامين في اليابان – ذلك ما وعدها به مسؤول السجن عندما حضر إلى منزلها لإقناعها بالذهاب إلى اليابان. لدى وصول السفينة إلى اليابان، أرسلت النسوة والفتيات إلى عدة بلدان أخرى. وصلت المجموعة التي كانت توجد فيها شونج إلى إندونيسيا حيث أخذنا جميعا إلى المستشفى من أجل تعقيمهن حتى لا يحملن أو يلدن.
بعد استكمال تلك الإجراءات الوحشية المهينة أخذت المجموعة إلى منطقة سيمرانج وهي مدينة ساحلية في اندونيسيا ووضعن في شكل طابور أمام ثكنات الجنود اليابانيين. منذ تلك اللحظة أجبرت النساء والفتيات على ممارسة الجنس مع عشرات الجنود والضباط يوميا. أجبرت شونج وبقية النسوة والفتيات على تعاطي الأفيون حتى أدمنه. حاولت شونج الانتحار أكثر من مرة من خلال ابتلاع الحبوب المخصصة للمرضى المصابين بالملاريا.
يعود الفضل في إنقاذها من الموت إلى اثنين من الفتيات اللائي كنّ معها. كتبت شونج تقول في كتابها: «في تلك اللحظة بالذات أدركت أنه لا جدوى من الموت عبثا وأنه يجب علي أن أعيش حتى أروي قصتي وأفضح ما فعلته بنا اليابان».
عندما انتهت الحرب العالمية الثانية سنة 1945 عادت شونج إلى كوريا لتجد منزل عائلتها قفرا. هب الجيران لاستقبالها ومساعدتها وقد أعلموها أن والدها قد مات في زنزانة سجنه كما أن والدتها قد انتحرت درءا للفضيحة لأنّ الجنود اليابانيين قد حاولوا اغتصابها.
قررت شونج أن تعيد تأهيل نفسها وتتخلص من إدمانها الأفيون وقد حققت هدفها خلال ثمانية أشهر، تفرغت بعد ذلك للعمل على استعادة كرامتها التي داس عليها الجنود اليابانيون. فشلت شونج مع ذلك في استعادة حياتها الجنسية الطبيعية غير أنها وجدت الرعاية والاهتمام اللازم من طبيب عانى بدوره من انهيار عصبي بعد أن أجبر على العمل في صلب الجيش الياباني. في سنة 1983 اعتذرت الحكومة اليابانية رسميا لهؤلاء النسوة الضحايا رغم أنها لم تعترف بأن الجيش الياباني قد أجبر النساء والفتيات على البغاء.
في شهر نوفمبر 1994 أصدرت منظمة القانونيين الدوليين بيانا قالت فيه إن «هؤلاء النسوة والفتيات قد تعرضن بما لا يدع أي مجال للشك للاختطاف وغرر بهن وتعرضن للاغتصاب وأجبرن على ممارسة البغاء ممارسة الجنس عنوة مع الجنود اليابانيين.. لقد انتهكت اليابان القوانين والأعراف الدولية الخاصة بجرائم الحرب والجرائم ضد الانسانية من خلال تكريس العبودية الاتجار بالنساء والأطفال. يجب أن تتحمل اليابان مسؤوليتها التاريخية وترد الاعتبار للضحايا والعائلات».
لقد اتخذت اليابان القرار السليم بالاعتذار للضحايا المتبقين على قيد الحياة وتمكينهم من تعويضات مالية جبرا للأضرار الناجمة على الانتهاكات التي ارتكبها الجنود اليابانيون. هذا الاعتذار وهذه التعويضات تحقق العدالة جزئيا فقط. فعشرات آلاف النساء والفتيات الشابات لسن اليوم على قيد الحياة حتى يرين العدالة تتحقق أمام أعينهن. فهن اليوم في القبور.
كورييه انترناشيونال






كلمات دالة

aak_news