العدد : ١٥٢١١ - الجمعة ١٥ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٨ ربيع الأول ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢١١ - الجمعة ١٥ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٨ ربيع الأول ١٤٤١هـ

شرق و غرب

هل يعود المحافظون الجدد الذين دمروا العراق؟

بقلم: رمزي بارودي j

الاثنين ٠٤ يناير ٢٠١٦ - 03:00



جون بولتون شخصية ملطخة. لقد عمل سابقا سفيرا للولايات المتحدة لدى منظمة الأمم المتحدة وقد تمت الآن ترقيته تحت مسمى «باحث» لدى معهد انتربرايز الأمريكي، وهو عبارة عن لوبي بحثي موال لإسرائيل.
جون بولتون ليس برجل سلام كما أنه لم يحاول أن يبدو كذلك على مدى حياته السياسية. فعندما عين سفيرا للولايات المتحدة الأمريكية لدى منظمة الأمم المتحدة من طرف الرئيس جورج بوش الابن لم يعمر في تلك الوظيفة سوى سنة واحدة بداية من شهر أغسطس 2005 وقد سادت الخلافات والصراعات في تلك الفترة.
لفت جون بولتون الانتباه في تلك الفترة بتصريحاته المثيرة للجدل، من ذلك مثلا أنه قال: «يتكون مبنى الأمانة العامة من 38 طابقا. فما ضر لو فقدت 10 طوابق لأنّ ذلك لن يغير أي شيء».
عندما فشلت الحرب العراقية في تحقيق أي من أهدافها ومهدت بذلك لبداية الانسحاب الأمريكية من منطقة الشرق الأوسط انكفأ المحافظون الجدد – من أمثال جون بولتون – إلى المؤسسات المحسوبة عليهم. أما المحافظون الجدد الذين لم ينطووا على أنفسهم فقد أسسوا منظمة خاصة بهم وبدأوا يصدرون البيانات الصحفية عشوائيا يشيدون فيها بإسرائيل تارة ويوجهون انتقادات لاذعة إلى الرئيس الأمريكي باراك أوباما، بمناسبة وبغير مناسبة.
عندما بدأ ما يسمى «الربيع العربي» المزعوم، اعتبر جون بولتون أن ذلك يمثل فرصة كبيرة غير أن الفراسة كانت أكثر ما ينقصهم. فهم لم يفهموا العوامل التي تحرك الشعوب لأنهم كانوا دائما يتحركون من أعلى هرم للسلطة في قطيعة كاملة مع الشعب والواقع. إضافة إلى ذلك فقد بات واضحا منذ البداية أن الرئيس باراك أوباما يرفض أي عودة إلى مستنقع الشرق الأوسط الذي غرقت فيه الولايات المتحدة الأمريكية في عهد جورج بوش الابن.
لم يستطع المحافظون الجدد أن يحدثوا التغيير الذي كانوا يخططون له في منطقة الشرق الأوسط بقيادة أمير الظلام ريتشارد بيرل وأمثاله والذين أطلقوا ما يسمى «مشروع القرن الأمريكي» سيئ الذكر، لذلك فقد غيروا استراتيجيتهم وأصبحوا يتوخون استراتيجية تقوم على انتقاد إدارة الرئيس باراك أوباما الذي يفتقر بحسب رأيهم إلى أي استراتيجية.
في الحقيقة أن ما يسمى «الربيع العربي» قد أسهم في تقوية المحافظين لكنه ذكرهم أيضا بمدى عجزهم السياسي. فقد ولت تلك الفترة التي كان المحافظون الجدد يرسمون السياسات الخارجية في معاهد البحوث والدراسات «الثنك تانك» مثل معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى ومركز السياسة الأمنية والمعهد اليهودي لشؤون الأمن القومي، علما أن ريتشارد بيرل لا يزال حتى اليوم عضوا ناشطا في هذه المؤسسات وغيرها.
يعتبر ريتشارد بيرل من أبرز أعضاء معهد أنتربرايزر الأمريكي الذي يستغله جون بولتون كي ينشر مقالات بين الفينة والأخرى في وسائل الإعلام ويطرح فيها «رؤيته لما يجب أن تكون عليها إيران وكيفية إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط والمنطقة العربية بالطريقة التي تخدم المصالح الاستراتيجية والحيوية الأمريكية».
يوم 24 نوفمبر 2015، نشر جون بولتون مقالا مطولا في صحيفة نيويورك تايمز تحت عنوان «لا بد من إقامة دولة سنية كي نهزم تنظيم الدولة الإسلامية». فقد وجه جون بولتون انتقادات لاذعة إلى الرئيس باراك أوباما واتهمه بانتهاج سياسات فاشلة وطالب بضرورة وضع «رؤية واضحة مع بقية الدول الأعضاء الحليفة في الحلف الأطلنطي». يعتبر جون بولتون أنه يجب أن يتم تحويل المنطقة التي أسماها «الدولة» إلى دولة سنية.
على غرار بقية المحافظين الجدد فإنّ جون بولتون لا يقيم أي وزن لرغبات الشعوب في منطقة الشرق الأوسط. فالآراء التي يعبر عنها جون بولتون هي نفسها التي تقوم على الرؤية التي تعتبر أن الصراعات تمثل فرصة وتعتبر أن الدول التي تتصارع فيما بينها مجرد بيادق في لعبة أممية كبيرة هدفها كسر الشعوب الأخرى حتى يتحقق الأمن والاستقرار للولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها.
لقد بلغ الصلف بجون بولتون وأمثاله من المحافظين الجديد إلى حد الاعتقاد أنَّه يجب رسم العالم بما يتوافق مع رؤية ونزوات أمثاله من السياسيين الفاشلين الذين ينظرون إلى تدمير الدول والشعوب. من المؤسف حقا أن يجد جون بولتون وغيره من الساسة الفاشلين طريقهم إلى كبرى الصحف الأمريكية المحترمة.
إن الصلف والغرور هما اللذان أعميا بصر وبصيرة جون بولتون وأمثاله عن رؤية الفشل الذريع الذي حصدته إدارة الرئيس السابق جورج بوش وانهيار خطاب المحافظين الجدد خلال وبعد الحرب في العراق. لأنّ ما يطالب به جون بولتون وأمثاله اليوم هو تكرار الأخطاء التي عادت بالوبال على العراق وبقية منطقة الشرق الأوسط برمتها.
كتب جون بولتون يقول: «على غرار ما فعلنا في العراق سنة 2006 عندما أنشأنا قرية الصحوة في الأنبار فإنه يجب علينا أن نعمل مع حلفائنا على تقوية القادة السنة، بما في ذلك السلطة القبلية المتمسكة بهياكلها الاجتماعية الحالية».
إن مثل هذا الكلام يجعلنا ندرك مدى الضرر الذي ألحقته الولايات المتحدة الأمريكية بالعراق حيث إنَّها قوضت توازناته الاجتماعية وزرعت فيه بذرة الفتنة الطائفية العفنة على أساس رؤى وتوصيات أمثال جون بولتون والتي أدت إلى تدمير الدولة العراقية.
لقد تسببت الولايات المتحدة الأمريكية في تقويض النسيج الاجتماعي والثقافي والديني والسياسي، حيث إنَّها عملت أولا على تقوية الشيعة وساهمت في اضطهاد السكان السنة بل عمدت إلى ضرب السنة بعضهم ببعض، وغير ذلك من الحيل والأحابيل الأمريكية. إن الولايات المتحدة الأمريكية هي التي خلقت البيئة الخصبة للسكان كي ينشؤوا تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام.
إن تجارب وتوصيات واستشارات جون بولتون وأمثاله هي التي خلقت تنظيم داعش وهو اليوم يقترح استبداله بدولة أخرى طائفية باستقطاع مساحة من الأراضي من دولتين عربيتين كانتا في الماضي مركزا للخلافة الإسلامية ومهدا لاثنين من أشهر الحضارات الانسانية – الحضارة العباسية والحضارة الأموية.
ما الذي حققته الولايات المتحدة الأمريكية؟ وما الثمن الذي دفعته؟
لقد أغرقت الولايات المتحدة الأمريكية المنطقة في أتون الحروب والصراعات كما أنها فتحت المنطقة على مصراعيها، ظهور القوى الإقليمية والدولية المتصارعة في حروب تتمدد وتأتي على الأخضر واليابس حتى أنه يصعب تصور المآل الذي ستؤول إليه المنطقة. عندها سيتأكّد جون بولتون من تفكيك كامل منطقة الشرق الأوسط لحساب إسرائيل.
يجب التصدي لاحتمال عودة المحافظين الجدد من جديد إلى خطاب الشرق الأوسط ورؤاهم المدمرة حتى يظلوا في حدود معاهد البحوث والدراسات التي يسيطرون عليها. صحيح أن الحروب والصراعات المتواصلة في منطقة الشرق الأوسط هي التي جعلت المحافظين الجدد يستردون اليوم أنفاسهم غير أنه لا شيء جيد يمكن أن يأتي من جون بولتون وأمثاله.

j أكاديمي- كاتب وباحث.
كورييه







كلمات دالة

aak_news