العدد : ١٥٢١٣ - الأحد ١٧ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٠ ربيع الأول ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢١٣ - الأحد ١٧ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٠ ربيع الأول ١٤٤١هـ

شرق و غرب

مسئولية أمريكا عن فوضى الشرق الأوسط

بقلم: ستيفن زونس

السبت ٠٢ يناير ٢٠١٦ - 03:00



يعتبر صعود ما يسمى تنظيم الدولة الاسلامية في العراق وبلاد الشام – داعش – نتيجة مباشرة للغزو والاحتلال العسكري الأمريكي للعراق سنة 2003. صحيح أن هناك عوامل عديدة أخرى ساهمت في ما وصل إليه العراق من تفكك وما تتخبط فيه كامل منطقة الشرق الأوسط من فوضى، غير أن القرار الذي اتخذته إدارة جورج بوش سنة 2003 بغزو العراق كان فادحا وستظل المنطقة بأسرها تتحمل تبعاته لسنوات عديدة قادمة.
لو لم يقرر الكونجرس الأمريكي تخويل الرئيس جورج بوش سلطة غزو واحتلال بلد على الجانب الآخر من العالم لكان العراق قد تجنب هذا الوضع الخطير الذي أصبح عليه حيث إن الدول تفككت والمؤسسات قد تلاشت والأرض باتت مسرحا للتدخلات الأجنبية.
الولايات المتحدة الأمريكية هي التي دمّرت العراق الذي لم يكن يمثل أي خطر علينا، وهي التي موّلت الاحتلال وتسببت في تأجيج أعمال العنف الطائفي، وهي التي خلقت الأرضية الخصبة لنشأة دولة الارهاب الممثلة في تنظيم داعش الذي يسيطر على مناطق شاسعة في العراق وسوريا، وهو الذي وقف وراء موجة العمليات الارهابية التي ضربت باريس وبيروت وشبه جزيرة سيناء ومناطق أخرى من العالم.
كان السيناتور عن ولاية إلينوي في ذلك الوقت باراك أوباما ضمن لفيف من الأكاديميين والدبلوماسيين والشخصيات السياسية التي حذرت من التبعات الوخيمة التي قد تنجم عن الحرب في العراق. لقد قال باراك أوباما آنذاك انه سيؤجج الصراعات والحروب في الشرق الأوسط ويتسبب في ما هو أسوأ عوض دفع المنطقة باتجاه التطورات الايجابية. لقد حذر أوباما آنذاك من أن الحرب في العراق من شأنها أن تؤدي إلى تنامي تنظيم القاعدة وبقية الحركات المتطرفة التي تلف لفها.


لعل ما يدعو الى السخرية أن أولئك الذين أبدوا دعمهم للغزو والاحتلال هم الذين يعتبرون اليوم أن الاحتلال والغزو هما اللذان تسببا في تنامي تنظيم داعش في العراق الذي امتد اخطبوطه إلى سوريا المجاورة وغيرها من دول المنطقة الأخرى. من بين هؤلاء نجد اليوم هيلاري كلينتون التي تنطلق بحظوظ وافرة لكي تكون مرشحة الحزب الديمقراطي للانتخابات الرئاسية القادمة المزمع إجراؤها سنة 2016.
كانت هيلاري كلينتون أيضا ضمن أقلية من النواب الديمقراطيين في الكونجرس الأمريكي الذين صوتوا من أجل السماح لجورج بوش بشنّ الحرب على العراق. في الحوار الذي أجرته معها مجلة ذا آتلانتك في أغسطس 2014، زعمت هيلاري كلينتون أن رفض الرئيس باراك أوباما الدخول بقوة على خط الأزمة السورية قد «خلق حالة من الفراغ الذي استغله الجهاديون الآن».
هناك أسئلة جدية تطرح الآن حول ما إذا كان توفير الدعم العسكري الاضافي لبعض المليشيات السورية «المعتدلة» من قبل واشنطن سيكفي من أجل منع تنظيم داعش من السيطرة على المزيد من الأراضي السورية. داعش تنظيم قوي يقوده ضباط متمرسون سابقون في جيش نظام صدام حسين، كما أنه مدجج بأسلحة أمريكية الصنع حصل عليها من الجيش العراقي الجديد الذي دربته الولايات المتحدة الأمريكية.
إضافة إلى القيادة العسكرية فإن القيادة السياسية في تنظيم داعش عراقية بالأساس، وإن الكثير منهم قد تطرف بسبب ما تعرض له من تعذيب وإهانة في داخل السجون التي كانت تديرها الولايات المتحدة الأمريكية، ومن بينهم «الخليفة» أبو بكر البغدادي الذي كان صوفيا قبل أن يصبح سلفيا متطرفا.
كتبت صحيفة نيويورك تايمز تقول في أحد تقاريرها مؤخرا: «إن الولايات المتحدة الأمريكية هي التي صنعت أبو بكر البغدادي خلال فترة الغزو والاحتلال في العراق، كما أن الولايات المتحدة الأمريكية هي التي تقف وراء أغلب التغييرات السياسية التي أججت معاركه أو زادت من شعبيته. لقد ولد داعش وأبو بكر البغدادي من رحم الاحتلال الأمريكي».
أظهرت دراسة حديثة أنجزها أحد الأكاديميين في جامعة أكسفورد البريطانية واستمد مادتها من حواراته مع السجناء من تنظيم داعش في العراق أن الشبان لم يلتحقوا بهذا التنظيم لتشدده الديني بل التحقوا به نتيجة المرارة الكبيرة التي عاشوها مع عائلاتهم في ظل الاحتلال الأمريكي وضنك العيش والقمع الذي عانوا منه في ظل الحكومة الموالية لإيران والمدعومة من الولايات المتحدة الأمريكية في بغداد.
في ظل الاحتلال الأمريكي تم عمدا تفكيك معقلين رئيسيين للقومية العلمانية في العراق - أي الجيش وجهاز الخدمة المدنية - ليتم استبدالهما بأنصار الأحزاب والفصائل الدينية الشيعية المتعصبة، علما بأن أغلبها مرتبط ارتباطا وثيقا بإيران. يعتبر السنة الراديكاليون أن الشيعة العراقيين قد خانوا بلادهم وأصبحوا متحالفين مع الفرس والغربيين وهو ما جعلهم يستهدفون الأحياء الشيعية بهجماتهم الارهابية.
عمد النظام العراقي في بغداد والمليشيات الحليفة له أيضا إلى اختطاف وتصفية آلاف الرجال السنة. في الحقيقة، فإن «الصراع الطائفي» الذي بدأ قبل عشرة أعوام لم يكن مجرد استمرار للصراع الذي بدأ قبل قرون بين السنة والشيعة. فقبل الغزو والاحتلال الأمريكي كانت هناك كثير من الأحياء التي يتساكن فيها السنة والشيعة الذين يتزاوجون ويؤمّون نفس المساجد أيضا.
لا شك أن تنامي المتطرفين المرتبطين بتنظيم القاعدة من بين عشرات التنظيمات التي تحارب الحكومة الشيعة الطائفية في بغداد والقوات الأمريكية يمثل اليوم تهديدا كبيرا، لكن لا ننسى أيضا أن رجال القبائل السنة وبقية القادة في شمال العراق وافقوا سنة 2006 على التحالف مع الولايات المتحدة الأمريكية ونظام بغداد الطائفي في مقابل إدماج أبناء السنة في الحكومة والقوات المسلحة.
ساهم ذلك التحالف في تراجع مؤقت في حدة المواجهات أرجعه بعض الساسة والمحللين زورا وخطأ ومغالطة إلى القرار الذي اتخذه جورج بوش آنذاك بزيادة عدد القوات الأمريكية في العراق بنحو ثلاثين ألف جندي.
تنكرت حكومة رئيس الوزراء الطائفي الموالي لإيران نوري المالكي بعد ذلك للاتفاق المذكور، وهو ما أدى إلى زيادة التمييز وأعمال القمع والتنكيل ضد السنة. فقد أطلق الرصاص على المتظاهرين المسالمين الذين لم يلجأوا إلى العنف في مسيراتهم، كما استهدفت حكومة بغداد الصحفيين بالسجن والاغتيالات.
انتشرت ممارسات التعذيب على نطاق واسع حيث اعتقل آلاف العراقيين السنة سنوات طويلة من دون محاكمة. أصبحت الجماعة السنية عرضة لمختلف أنواع التمييز ناهيك أن منظمة الشفافية الدولية اعتبرت حكومة نوري المالكي واحدة من أكثر الحكومات فسادا في العالم.
نتيجة ذلك، ظهر تنظيم داعش من رحم تنظيم القاعدة المتطرف قبل سنتين على وجه التحديد. رغم أن السنة في أغلبهم يميلون إلى العلمانية نسبيا، ورغم معارضتهم لمثل هذه الايديولوجيات والأساليب التكتيكية فإنهم اعتبروا أن هذه التنظيمات أقل الشرور ولم يسعوا بالتالي لمقاومتها، بل إن الكثير من أبناء السنة التحقوا بصفوفها.
لعل ما ساهم في انتشار هذه التنظيمات المتطرفة - وعلى رأسها داعش - الفشل الذريع الذي مني به الجيش العراقي الذي أثبت عدم كفاءته وحرفيته وعدم جاهزيته القتالية، علما بأن الولايات المتحدة الأمريكية هي التي أشرفت على تدريبه وتسليحه وتهيئته للمهمات القتالية.
لقد تعلمت الولايات المتحدة الأمريكية درسا مريرا خلال الحرب المريرة التي خاضتها في فترة الستينيات. لقد تعلمت في جنوب فيتنام على وجه التحديد أنه مهما دربت جيشا أجنبيا ومهما زودته بأحدث الأسلحة فإن هذا الجيش لن ينجح إلا إذا كانت له عقيدة عسكرية، وكان يؤمن بأن النظام يستحق أن يقاتل ويموت من أجله.
في سوريا، أصبح تنظيم داعش يسيطر على مناطق واسعة من البلاد، وقد أعلن أنه لا يعترف بالحدود الاستعمارية التي كرستها معاهدة سايكس بيكو. لا شك أن هذا التنظيم استغل كما يجب لجوء المعارضة السورية إلى السلاح وعسكرة الانتفاضة وخروج المظاهرات المطالبة بالحرية الديمقراطية عن سلميتها، إضافة إلى القمع الفظيع الذي يمارسه نظام دمشق والقصف العشوائي المدمّر للأحياء السكنية التي دمرت فوق رؤوس أصحابها.
ردا على قيام روسيا بقصف مواقع تنظيم داعش تم تفجير طائرات الركاب الروسية فوق شبه جزيرة سيناء المصرية ما أدى إلى مقتل أكثر من مائتي شخص في شهر أكتوبر الماضي، كما أن الهجمات التي تنفذها المليشيات الشيعية اللبنانية ضد تنظيم داعش هي التي أدت إلى حدوث تلك التفجيرات الدامية التي هزت الأحياء الشيعية في جنوب بيروت في شهر نوفمبر الماضي. أما الغارات الجوية الفرنسية ضد تنظيم داعش فهي التي تسببت في الهجمات التي استهدفت العاصمة باريس يوم 13 نوفمبر 2015 والتي أوقعت 130 قتيلا وأكثر من 300 مصاب.
لا ندري ما إذا كانت هذه الهجمات الارهابية ستطول الأراضي الأمريكية. فلننتظر لنرى ما عساه يحدث في المستقبل. لا توجد أيضا أي أجوبة واضحة عن أفضل الطريق التي يتعين تبنيها من أجل التصدي لتنظيم داعش. يجب ألا يشك أي أحد في مسؤولية الولايات المتحدة الأمريكية الكاملة عن ظهور هذه التنظيمات المتطرفة التي تتخذ من العنف والارهاب عقيدة.
j البروفيسور ستيفن زونس أستاذ العلوم السياسية والدراسات الدولية بجامعة سان فرنسيسكو ومنسق برنامج دراسات الشرق الأوسط

كورييه إنترناشيونال




كلمات دالة

aak_news