العدد : ١٥٢١٨ - الجمعة ٢٢ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٥ ربيع الأول ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢١٨ - الجمعة ٢٢ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٥ ربيع الأول ١٤٤١هـ

الثقافي

سرديات:
سرديات: كيف نجعل من السرديات العربية مقررات أدبية جاذبة في مجال التلقي الأكاديمي؟ (1-4)

بقلم: د. ضياء عبدالله خميس الكعبيّ

السبت ٠٢ يناير ٢٠١٦ - 03:00



هذه دراسة كنتُ قد قدمتها إلى ندوة متخصصة بالمناهج النقدية الحديثة وتطبيقاتها عقدها قسم اللغة العربية بجامعة الملك سعود قبل سنواتٍ مضت مع تغيير عنوان الدراسة بما يناسب المقال الثقافي. ونظرًا إلى أهمية تعميم الفائدة المرجوة من الدراسة ارتأيت نشرها كي تخرج من التلقي النخبوي المختص إلى المتلقي العادي لزيادة وعيه النقدي بخصوص مقررات الأدب وتدريسها في دوائر الأكاديميا العربية.
يشكّل السرد العربيّ القديم بمروياته ومدوناته -أي في شقيه الشفهيّ والكتابيّ- مصدرًا رئيسًا ومهما في الثقافة العربيّة الإسلاميّة نظرًا إلى تنوّع خطاباته وثرائها في انفتاحها على الثقافيّ والسياسيّ والمعرفيّ والدينيّ والجماليّ والمهمّش. وينضاف إلى ذلك ضخامة هذه المتون السردية التي تصل إلى آلاف الصفحات إذ تشمل: الأمثال والنوادر والقصص العجائبية والمقامات والسير الشعبيّة العربيّة وأيام العرب والقصص الإسلاميّ القرآنيّ والمسجدي وقصص الأنبياء ومرويات الإسراء والمعراج وكرامات الصوفية ونصوص الرحلات والمنامات وسير عقلاء المجانين وغيرها. وقد كان هذا التنوّع في المدوّنة السردية التراثيّة سببًا في تفاعلها النصيّ مع حمولات ثقافيّة ومعرفيّة متنوّعة ولا سيّما أنّ هذه المدوّنة شملت خطابي الثقافة العالِمة والثقافة غير العالِمة أو الثقافة الشعبيّة. واتسمت أنواعها السردية بصفتي التحوّل في تشكّلها خلال قرون عدة. ولعلَّ ما أوردناه يسوّغ لنا النظر إلى المدوّنة السردية التراثيّة بوصفها نصوصًا منفتحة قابلة للتلقي وللتأويل وصالحة كذلك لاستثمار مناهج نقدية متعددة بما في ذلك النقد الثقافيّcultural criticism والدراسات الثقافيّة cultural criticism.


تسعى هذه الدراسة إلى بيان مشروعية النقد الثقافيّ في مرحلة ما بعد البنيوية في تطبيقاته على السرد العربيّ القديم، وهو نقد يستوعب متغيرات ما بعد البنيوية وما بعد الكولونيالية ويعتمد على نقد الثقافة وتحليل النشاط المؤسسيّ ويوظف مناهج مستقاة من اتجاهات ما بعد البنيوية كما تتمثل عند بارت وفوكو ودريدا. ويتجاوز النقد الثقافيّ الاهتمام بالتحليل الجماليّ وبالقراءات المغلقة للنص إلى مستوى تحليل الخطاب للكشف عن الأنساق الثقافيّة فيه ومساءلة دلالاته لاستكناه بناها الظاهرة والكامنة وأسئلة التمثيل الثقافيّ cultural representation والهوية والآخرية الكامنة والظاهرة في النصوص والخطابات التي يشتغل النقد الثقافيّ عليها.
تنتظم هذه الدراسة في سياق مساءلة مشروعية النقد الثقافيّ في تطبيقه على المدوّنة السردية التراثيّة من خلال منهجية متكاملة مقترحة لمقاربة مقررات النثر العربيّ القديم في الجامعات العربيّة. وهي منهجية قائمة على الاستفادة من منجزات النقد الثقافيّ والدراسات الثقافيّة انطلاقا من تحليل المتون السردية العربيّة القديمة تحليلاً نقديًا ثقافيًا يشمل خطابي الثقافتين العالِمة والشعبيّة على حد سواء، وينظر إلى أسئلة الهامش والمتن والتمثيلات الثقافيّة والهوية وتمثيلات السلطة والآخر والآخرية وحوار الأنواع السردية والبيداغوجيا التعليميّة في المتون المختارة. كما تحاول هذه المنهجية إعادة النظر في المفهوم الضيق للأدب وذلك بجعله ينفتح على كل الممارسات الثقافية الأخرى التي تتحاور وتتفاعل معه، الأمر الذي يجعلنا نتحدث عن مساحة من الدراسات البينيّة Interdisciplinary المتعالقة مع المدوّنة السردية القديمة لتؤكد طبيعتها المنفتحة واتساق مقررات النثر العربيّ القديم في إطار منظومة نسقية حضارية ثقافيّة متكاملة.
في المبتدأ: هيمنة التاريخ والتحقيب السياسيّ: المؤثر الاستشراقيّ ونظرية الاقتفاء:
هيمن التحقيب التاريخيّ لعصور الأدب العربيّ على توصيفات المقررات الأدبيّة وخططها لمرحلتي الليسانس والبكالوريوس والدراسات العليا (الماجستير والدكتوراه) في عددٍ كبيرٍ من الجامعات العربيّة. ولا نبالغُ عندما نقول إنَّ مثل هذا التصوُّر المنهجيّ في النظر والتطبيق لا يزال سائدًا ومهيمنًا في «الأكاديميا» العربيّة كما سنبين وسنشير لاحقًا على الرغم من مرور ما يقارب القرن على بدايات تطبيقه في «الجامعة المصرية» أو «الجامعة الأهلية» التي تحوّلت لاحقًا إلى جامعة «فؤاد الأول» ومن ثمَّ إلى «جامعة القاهرة».
وقد سُبِقَ التطبيق الأكاديميّ لتحقيب الأدب العربيّ بسلسلة من الكتب لنقاد عرب محدثين أفادوا من المنظور الاستشراقيّ في تاريخ الأدب والمنطلق أساسًا من المنهج التاريخيّ المقارن الذي ساد فكر القرن التاسع عشر الأوروبيّ في تنظيرات كل من لانسون وتين وبرونتيير فيما يتصل بأثر العرق والبيئة والجنس والزمن1. وقد طبّق المستشرقون الأوروبيون هذا التصوُّر التاريخيّ الفيلولوجيّ «وليد المناهج التاريخيّة والفقه اللغوية والتجريبيّة والتطوّرية التي كانت سائدة في الأوساط الأكاديمية عندهم على تواريخ أدبهم»2. ومن ثمَّ انتقل التحقيب السياسيّ إلى كتب تواريخ الأدب العربيّة بفعل هذا المؤثر الاستشراقيّ. وكان جرجي زيدان أول من تبنى المفهوم الأوروبيّ الاستشراقيّ لتواريخ الأدب في مقالات منجمة نُشِرَتْ في مجلة «الهلال» ابتداءً من عام 1894 3إلا أنَّ كتابه تأخّر صدوره إلى سنوات عدة بعد هذا التاريخ، الأمر الذي جعل كتاب محمد بك دياب (تاريخ آداب اللغة العربيّة) الذي ظهر سنة 1899 أول كتاب في النقد العربيّ الحديث يقتفي آثار المستشرقين في تصوّرهم التاريخيّ كما سنشير ونبين بعد قليل.
واجه المنهج التاريخيّ في الأدب انتقادات مبكرة صادرة عن عميد الأدب العربيّ طه حسين الذي تتلمذ في الجامعة المصرية على أيدي مستشرقين من رواد المنهج التاريخيّ؛ إذ خصص فصولاً تقويمية انتقد فيها تدريس الأدب في مصر خلال بداية القرن العشرين التي لم تفِ بشروط تدريس النصوص وفق طريقة الأزهريين، ولم تنهض بمقتضيات المناهج الحديثة وطبيعتها الفكرية في تناولها لتاريخ الأدب4.
كما وجّه شكري فيصل انتقادات كبيرة للنظرية المدرسيّة الشائعة في التحقيب التاريخيّ ونظرية الفنون الأدبيّة ونظرية الثقافات ونظرية المذاهب الفنيّة والنظرية الإقليمية. واقترح منهجًا جديدًا لدرس الأدب العربيّ اسماه المنهج التركيبيّ كشف أصوله التي تركز على الدراسة الأدبيّة للنصوص مع الاستعانة بالنظريات السابقة بوصفها دراسات مساعدة للدراسات الأصليّة التي هي درس الأدب.5 وأخضع حسين الواد مناهج تأريخ الأدب عند جرجي زيدان والزيّات والرافعي للتقويم، واقترح ضرورة الالتفات إلى الظاهرة الأدبية والنصوص الأدبية والمؤلفين والجمهور ومسألة التقسيم التاريخي.6كما اتخذ أحمد بوحسن من كتاب الأغاني أنموذجًا يبين طريقة تعامل العرب القدامى مع الأدب بوصفه خطابًا يحوي أنساقًا ثقافيّة عميقة متداخلة تجمع المختلف والمؤتلف وتشي بالوحدة والتنوّع في الآن ذاته، الأمر الذي يجعلنا نعيد النظر في طرائق تدريس الأدب7.
2- تحليل المناهج السائدة في بعض الجامعات العربيّة لمقررات النثر العربيّ القديم (بعض الجامعات الخليجيّة أنموذج1 انظر: جرجي زيدان، تاريخ آداب اللغة العربية، طبعة جديدة، راجعها وعلّق عليها شوقي ضيف في أربعة أجزاء، القاهرة: دار الهلال،1957،ج1، ص 10.
1 طه حسين، في الأدب الجاهلي، ط2، القاهرة: دار المعارف، ص 7-22.
1 شكري فيصل. مناهج الدراسة الأدبية في الأدب العربي، مرجع سابق، انظر: منهج جديد: كشفه وأصوله، ص ص 221-239.
1 حسين الواد، في تأريخ الأدب، ط1، تونس: دار المعرفة للنشر،1980.
1 انظر: العرب وتاريخ الأدب: نموذج كتاب الأغاني، مرجع سابق.جًا) من خلال توصيف الوضع السائد.
1 شكري فيصل، مناهج الدراسة الأدبية في الأدب العربي(عرض ونقد وتحليل)، ط6، بيروت:دار العلم للملايين، 1986،ص ص 89_97 (نظرية الجنس).
2 أحمد بوحسن،العرب وتاريخ الأدب نموذج «كتاب الأغاني» ط1، الدار البيضاء: دار توبقال للنشر،2003،117.
3 انظر: جرجي زيدان، تاريخ آداب اللغة العربية، طبعة جديدة، راجعها وعلّق عليها شوقي ضيف في أربعة أجزاء، القاهرة :دار الهلال،1957،ج1، ص 10.
4 طه حسين، في الأدب الجاهلي، ط2، القاهرة :دار المعارف، ص ص 7_22.
5 شكري فيصل.مناهج الدراسة الأدبية في الأدب العربي، مرجع سابق ،انظر :منهج جديد: كشفه وأصوله، ص ص 221_239.
6 حسين الواد،في تأريخ الأدب، ط1، تونس:دار المعرفة للنشر،1980.
7 انظر: العرب وتاريخ الأدب: نموذج كتاب الأغاني، مرجع سابق.



كلمات دالة

aak_news