العدد : ١٥٢١٨ - الجمعة ٢٢ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٥ ربيع الأول ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢١٨ - الجمعة ٢٢ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٥ ربيع الأول ١٤٤١هـ

الثقافي

شهوة الكتابة السردية.. المؤذن أنموذجا

بقلم: حسن بوحسن

السبت ٠٢ يناير ٢٠١٦ - 03:00




نشأت القصة القصيرة في مملكة البحرين مع مطلع العقد الرابع من القرن الماضي مرتبطة ارتباطا وثيقا بالحركة العلمية والصحفية والفنية ومستفيدة من بزوغ شمس النشاطين الاجتماعي والثقافي، الذي بدأ ينمو في المدينة وفي الريف البحريني ويتطور من يوم إلى آخر متماهيا مع المنجز العربي الذي يصل إلى البلاد بعدة أشكال وصور جميلة من مصر والعراق ولبنان ومن بقية الدول العربية وكذلك مع وصول كل ما هو جديد في عالم القصة القصيرة على المستوى العالمي، إضافة إلى تناغم الحركة الكتابية آنذاك مع تدفق المدارس السردية داخل عمق التربة البحرينية فنبت الكثير من المواهب المتميزة في الكتابة القصصية بدءا من الكاتبين الكبيرين أحمد كمال وعلي سيار اللذين استفادا كثيرا من ارتباطهما بالصحافة والتصاقهما بالوسط الأدبي على المستويين المحلي والخارجي.

ولم تتوقف التربة الأدبية البحرينية إلى يومنا هذا في تقديم وإبراز كتاب القصة القصيرة والرواية بل نشطت بشكل أكبر مما كانت عليه في السابق متماشية مع الحراك الأدبي الذي ولد من جديد في الستينيات ولادة عظيمة وظهرت خلالها أسماء أكثر جدية من كمال وسيار في الكتابة السردية أبرزها المرحوم عبدالله خليفة، محمد عبدالملك، عبدالقادر عقيل، فريد رمضان وفوزية رشيد، واستمرت العلاقة الحميمية بين النتاج السردي البحريني وكتّاب القصة المنبثقين من شوارع المدينة الفسيحة وامتدادها العمراني ومن أزقة القرى وشوارعها الترابية الضيقة على شكل نسيج اجتماعي بمفردات واقعية وموضوعية واجتماعية وأخرى حداثية في بعض التجارب، لتقدم التربة البحرينية الحبلى بكتاب القصة القصيرة قالبا متماسكا من كتاب القصة والرواية الملتصقين إلى حد كبير بالكتابة السردية باعتبارها محيطهم الهادئ.
ومع التنامي الطبيعي لحركة السرد في البحرين برز اسم قصصي روائي يجدد نفسه باستمرار وهو مفعم بالوعي الفكري وبالرافد الإبداعي، إنه القاص والروائي أحمد المؤذن الذي عرفته في عمر الزهور شابا يافعا يواصل تحصيله العلمي الثانوي ويقطف ثمار المنهج الدراسي في مدرسة الخليل بن أحمد الفراهيدي، المؤذن يحث الخطى من المدرسة وبيته القريب منها إلى الأمكنة التي يدرك أنها تحتوي على مواد سردية أو تلامس جدار القصة ويبحث فيها مع المعنيين ويغوص معهم في أعماق بحارها بهمة ونشاط وحماسة قلّ نظيرها عند أي كاتب آخر حتى بات المؤذن واحدا من الكتاب الغزيري الإنتاج، فالكاتب الشاب أحمد المؤذن الذي يعيش في العقد الرابع من عمره أنجز حتى اليوم رواية (وقت للخراب القادم) وعنده رواية تحت الطبع وخمس مجموعات قصصية هي: أنثى لا تحب المطر، من غابات الأسمنت، رجل للبيع، وجوه متورطة وفاجأنا قبل أسابيع قليلة بإصداره القصصي الأخير «الركض في شهوة النار»، الذي يؤكد حقيقة شهوة هذا الكاتب للكتابة السردية وركضه فوق نيران القصة القصيرة من دون جزع حتى وإن كان حافي القدمين أو عاري الجسد.
المؤذن حمل هم القصة في سن مبكرة وطرح الكثير من الأشكال والإشكالات القصصية التي تنم عن اشتعاله بنار السرد وبوعيه المصاحب لنهضة القصة العربية بوجه عام وبما يكتنزه من مستويات إبداعية أو ما يجول بداخله وفي خاطره وشريط ذكرياته من نماذج بشرية ومواضيع اجتماعية وأسرية يأخذ منها في أغلب الأحيان مفاتيح لكسر باب العزلة وللانطلاق في تجاربه القصصية، وهكذا هو المؤذن الأنموذج الحي للكاتب المفعم بشهوة الكتابة وقد ولد ليكون كاتب قصة ولم يكن لائقا لمضاجعة جنس أدبي آخر فذاب في السرد كما سرى السرد في دمه وإن كانت له محاولات شعرية أحسبها مناوشات تعبر عن القهر والمعاناة في جوانب حياتية أخرى يعيشها ويريد أن يعبر عنها بأي شكل من الأشكال.
وهذا الكاتب الذي عاش في كنف القرية حياة متواضعة وسط أسرة مترامية الأطراف والأنساب عكست إيقاع التواضع على محياه وتعامله مع الآخرين جعلت منه فردا كرارا غير فرار في ميدان الكتابة وولدا شقيا مع القلم ويشتهي الكتابة أكثر من الأكل الدسم الذي تطهيه «السيدة» وأكثر من اللهو المغري خارج أسوار منزله الطينية وممارسة الرياضة مع الأصدقاء، حتى بلغت شهوة الكتابة عنده درجات أعلى بكثير من شهوته للجنس الآخر الذي وعى له قبل سنوات قليلة وتوجه بملاك بشري صغير بعد اطمئنانه على مشروعه القصصي الذي رفض له أن يتأخر أو يتعثر وقاوم ملح الحياة وشدة المحن وقساوة الظروف ليؤكد لنا هذا النموذج الحي من الكتاب البحرينيين أننا أمام كاتب استثنائي.




كلمات دالة

aak_news