العدد : ١٣٧٠٩ - الاثنين ٥ أكتوبر ٢٠١٥ م، الموافق ٢١ ذو الحجة ١٤٣٦ هـ

العدد : ١٣٧٠٩ - الاثنين ٥ أكتوبر ٢٠١٥ م، الموافق ٢١ ذو الحجة ١٤٣٦ هـ

المال و الاقتصاد

كيف تعالج دول مجلس التعاون الخليجي مشكلة الدعم الحكومي؟

بقلم: م. ر. راجو *



من السهل دعم أسعار السلع ولكنه من الصعب إلغاؤه، وعادة ما يطفو موضوع الدعم المثير للجدل إلى السطح في الظروف الاقتصادية الصعبة، ولكنه يكتسب أهمية أكبر في الدول المصدرة للنفط حين تتراجع أسعار النفط. وتشير تقديرات صندوق النقد الدولي إلى أن دول مجلس التعاون الخليجي سوف تنفق نحو 60 مليار دولار أمريكي على دعم أسعار الطاقة عام 2015، ورغم وجود دعم سعري للكثير من السلع إلا أن الطاقة تتصدرها باستمرار. وأدى الدعم الكبير الذي تقدمه دول المجلس لأسعار الطاقة إلى الإسراف في استهلاكها، وهو ما يتجلَّى في ارتفاع المعدل الفردي لتكاليف ذلك الدعم.
ولا تقتصر أهمية هذا الموضوع على دول مجلس التعاون الخليجي فحسب، ولكنها تشمل دول منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا أيضاً. وتنفق الدول العربية نحو 7.2% من إجمالي نواتجها المحلية (قبل استقطاع الضرائب) على دعم أسعار الطاقة، بينما تنفق الدول الصناعية المتقدمة 0.03% فقط من إجمالي نواتجها المحلية على هذا النوع من الدعم الحكومي، وتنفق دول الاقتصادات الصاعدة 0.9% من إجمالي نواتجها المحلية على ذلك الدعم. ومن هنا يتضح لنا أن حجم دعم أسعار الطاقة في دول مجلس التعاون الخليجي أكبر نسبياً من أن يتم تجاهله. كما أن حجم دعم أسعار الوقود الذي يتراوح بين 70% و80% من كلفة الطاقة، كثيراً ما يؤدي إلى استهلاكها بشكل مفرط ويشجع إقامة صناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة بدلاً من الصناعات كثيفة الاستخدام للعمالة.
وقبل أن نتناول موضوع كيفية تقليص تأثير دعم أسعار السلع، من الضروري أن نفهم محتوى هذا الدعم في دول مجلس التعاون الخليجي مقارنة بالدول العربية الأخرى. ففي دول مجلس التعاون الخليجي يعتبر الدعم شكلاً من أشكال «توزيع الثروة»، أما في باقي الدول العربية فيستخدم لدعم المعوزين والفقراء ويستدم كوسيلة للتخفيف من حدة الفقر. ولذلك تلعب الديموغرافية دوراُ مهما في دول مجلس التعاون الخليجي حيث يعتبر الدعم إحدى آليات توزيع الثروة. ويتراجع دور مفهوم «توزيع الثروة» في دول أمثال دولة الإمارات العربية المتحدة التي يهيمن الوافدون على تركيبتها السكانية. ولا تواجه اقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي الأخرى نفس المشكلة؛ لأنّ نسبة الوافدين في تركيباتها السكانية أكثر توازناً نسبياً مع مواطنيها.
وبالتالي فليس من الغريب قيام دولة الإمارات مؤخراً بإطلاق مبادرة جريئة لوضع حد لدعم أسعار الطاقة، والتي من المتوقع أن توفر نحو 7 مليارات دولار أمريكي لموازنتها العامة سنوياً. ونظرًا إلى ضخامة نسبة الوافدين في التركيبة السكانية للدولة (تناهز 90%) فسوف تكون حصة المواطنين ضئيلة من أعباء ذلك القرار. ومن ثم لا يجب أنتم اتباع النهج نفسه من قبل جميع دول مجلس التعاون الخليجي.
وبينما يستهدف دعم أسعار الطاقة في العادة تخفيف العبء على الفقراء، فإنّ هذا المنطق لا يسري على دول مجلس التعاون الخليجي التي تتميز بارتفاع معدلات الدخل للفرد وتصنف كدول غنية وليس كدول فقيرة. ويجدر بنا أن نلاحظ في هذا السياق، أنه في حين يستهدف فيه دعم أسعار الطاقة في الدول العربية غير المصدرة للنفط مساعدة فقرائها، كثيراً ما يستفيد الأغنياء من مواطني تلك الدول أكثر من الفقراء من ذلك الدعم.
فما هي الخطوات التي يتوجب على دول مجلس التعاون الخليجي اتخاذها إذاً في هذا النحو الآن؟
ولا يدور هذا التساؤل حول ما إذا كان يتوجب تخفيض دعم أسعار الطاقة في تلك الدول، ولكنه يدور في الواقع حول «كيفية» القيام بذلك وتخفيض أعباء هذا الدعم تدريجياً على ميزانياتها. ونستطيع في هذا السياق تقديم الاقتراحات التالية لمعالجة هذا الموضوع المثير للجدل:
1 – البحث عن طرائق بديلة لتوزيع الثروة: نظرًا إلى غلبة طابع «توزيع الثروة» بدلاً من «تخفيف معاناة الفقراء» على أهداف الدعم الحكومي في دول مجلس التعاون الخليجي، فقد يكون من المفيد التفكير في طرائق بديلة لذلك الدعم في توزيع الثروة لتخفيض أعبائه تدريجياً بمرور الزمن. لقد طرح بعض الخبراء أسلوب الدعم النقدي المباشر بصفته أحد البدائل الممكنة. لكن الميزة الوحيدة لهذا البديل تتمثل في أنه ينقل عبء اتخاذ القرارات الحاسمة من الدولة إلى الأفراد والعائلات مباشرة.
2 – طرح استراتيجيات مبتكرة: تستطيع دول مجلس التعاون الخليجي التفكير في العديد من البدائل المبتكرة للدعم الحكومي الذي تقدمه بشكل شبه مجاني حالياً. ويعتبر مفهوم «شرائح الدعم» المرتبطة بحجم الاستهلاك أحد تلك البدائل، حيث يكون مستوى دعم أسعار الطاقة مرتفعاً نسبياً لمعدل استهلاك معيَّن لينخفض تدريجياً كلما ارتفع ذلك المعدل مما سيؤدي إلى تخفيض الاستهلاك المفرط. كما تستطيع بعض البدائل الأخرى أمثال «الدعم الذكي» ربط الدعم ببعض مؤشرات الأداء الرئيسية أمثال توظيف المواطنين أو تدريب الجامعيين حديثي التخرج منهم. ويمكن أيضاً تجربة إمكانية تطبيق أسلوب «الدعم الهادف» لتنمية بعض القطاعات الاقتصادية أمثال الشركات الصغيرة والمتوسطة. وهكذا يتضح لنا أن البدائل المبتكرة للدعم الحكومي قد تظفر عن نتائج أفضل.
3 – تعزيز كفاءة الإنتاج: تتمثل أعباء الدعم الحكومي ببساطة في الفرق بين السعر وكلفة الإنتاج. وفي الوقت الذي قد تكون فيه الاستراتيجيات المبتكرة فعالة على الصعيد السعري، فقد يكون من المفيد أيضاً التركيز على تخفيض كلفة الإنتاج من خلال تعزيز كفاءة إنتاج الطاقة. ويلعب تطوير مصادر بديلة للطاقة دوراً مهماً في هذا المجال.
4 – تفعيل التواصل: قد يفرض الدعم الحكومي المرتفع حالياً أعباء أكبر على الأجيال المقبلة. ويؤدي اعتماد استراتيجية تواصل فعالة مع المستهلكين إلى توضيح الآثار المستقبلية السلبية للدعم الحكومي على مخصصات الاستثمار في مشاريع تطوير البنى التحتية، وقد يلعب هذا التواصل دوراً كبيراً في توضيح أهمية تخفيض هذا الدعم على المدى البعيد.
* عضو معهد المحللين الماليين المعتمدين




aak_news