العدد : ١٣٦٨٩ - الثلاثاء ١٥ سبتمبر ٢٠١٥ م، الموافق ١ ذو الحجة ١٤٣٦ هـ

العدد : ١٣٦٨٩ - الثلاثاء ١٥ سبتمبر ٢٠١٥ م، الموافق ١ ذو الحجة ١٤٣٦ هـ

قضايا و آراء

البرامج التدريبيّة وسوق العمل

بقلم: د. عمر العبيدلي j



بعد إجراء دراسات رصينة، وعقد مشاورات رسميّة مع كبار المسؤولين في القطاعات الخاصة والحكومية والتعليمية، أدرك مجلس التعليم العالي أن سوق العمل قد تغير بشكل جذري، حيث إن دور الخبرة التطبيقية تعزز ضمن قائمة العوامل التي يبحث عنها أصحاب الوظائف حينما يقيّمون المتقدمين للوظائف. وبناءً على ما سبق، اطلق مجلس التعليم العالي مشروعاً واعداً، وهو البرنامج الوطني للوظائف التدريبية (national internships program).
وأتاح البرنامج للطلاب الحاليين فرصة لاكتساب مهارات ثمينة أصبحت جوهرية لمن يبحث عن وظيفة في الاقتصاد الحديث، على رأسها الخبرة التطبيقية في مجال مهم، ومهارات الكتابة وصياغة التقارير، والعمل الميداني، فضلاً عن مهارات «ناعمة» مفيدة في كل أنواع العمل، كالتصرف بمسؤولية واحترام، وبروح التعاون. وكذلك سيستفيد أصحاب الوظائف من البرنامج أساساً كوسيلة لتقييم الخريجين بدقة ولمنحهم مهارات تمهيدية تسهّل تأقلمهم في حالة توظيفهم بعد فترة التدريب. وبلغت مدة البرنامج 6 أسابيع، من منتصف شهر يوليو إلى بداية شهر سبتمبر.
ولا تمثل البحرين حالة خاصة من ناحية التغييرات الجذرية التي مرت بها سوق العمل، فشهدت كل الاقتصادات المتقدمة تغيراً شبيهاً يعود بالأساس إلى تزايد سرعة التطور التكنولوجي. وعلى سبيل المثال، اخترع المبتكر الإنجليزي توماس نيوكومن محرّك البخار في عام 1712، والذي أصبح رمز الثورة الصناعيّة، ولكن انتظر العالَم - بعد ذلك - ما يزيد على 50 سنة أخرى حتّى ظهرت النسخة الثانية، الّتي اخترعها المهندس الاسكتلندي جيمز وات. ومقارنةً بذلك، نَمَتْ قوّة الحاسب الآليّ - انطلاقاً من 1986 - بنسبة 50% سنويّاً! واليوم نرى نسخا جديدة من هواتف سامسونج وأبل كل ثلاثة أشهر!
وأثّر التطوّر التكنولوجيّ على سوق العمل، وعلى العلاقة بين الموظّف وصاحب الوظيفة منذ بداية الحضارة، وربّما أبرز مثال على ذلك هو استبدال البشر بالآلات، كما حصل في الثورة الصناعيّة من خلال استخدام أجهزة النسيج، وكما يحصل اليوم عبر الإنترنت والمتاجر الرقميّة التي قلّلت اعتمادنا على البائع التقليدي.
وفي العشرين سنة الأخيرة، في عصر العولمة وانتشار الإنترنت، أصبح التطوّر التكنولوجي يؤثّر على سوق العمل بطريقة جديدة، حيث خلقت سرعة التغييرات التقنيّة الحاجة إلى موظّف مرنٍ قادرٍ على التكيّف مع الأوضاع الجديدة، وهذا هو ما توصل إليه مجلس التعليم العالي من خلال مشاوراته مع أصحاب الوظائف. فعلى سبيل المثال في الخمسينيّات، كان الفنّي في مصنع «فورد» يلتحق بالشركة في سنّ مبكرة (حوالي 18 سنة)، ويقوم بنفس العمل في نفس المصنع لمدة 40 سنة قبل التقاعد النهائيّ. وفي العصر الراهن أصبح سير عملٍ مثل هذا حالةً نادرةً جدّاً؛ فالعامل الحديث يتنقّل من شركة إلى أخرى، ومن مهنةٍ إلى مهنةٍ غيرها؛ لأنّ مطالب سوق العمل تتغيّر بسرعة فائقة؛ نتيجةً للتطوّر التكنولوجيّ.
وبالإضافة إلى ذلك، ازداد مدى التخصّص للشركات؛ لأنّ أحدث التكنولوجيات تتطلّب معرفة دقيقة ومتخصّصة للغاية، وفتحت العولمة سوقاً لمن هو مستعدٌّ للاستثمار في المعلومات الفنيّة المطلوبة للتنافسيّة في الأسواق الدوليّة. فحينما صنعت شركة «بوينج» طائرتها الجديدة «787 دريملاينر»، اشتملت قائمة الشركات الفرعيّة الرئيسيّة (وليس الثانويّة!) للمشروع على ما يزيد على 350 وحدة، منها شركات مكرّسة لإنتاج بضاعة محدّدة متخصّصة.
ونتيجةً لهذه التغيّرات في البيئة التجاريّة، أصبحت الجامعات غير قادرة على تأهيل الطالب لوظيفة ما بشكل نهائيّ. وهذا لا يعني أنّها فقدت أهمّيّتها – بل إنّ دورها تعزّز، لا سيّما في بناء مهارات أساسيّة للطالب، لكنّ تعدُّد المجالات المتخصّصة في سوق العمل وسرعة تطوّرها يمنعان الجامعات من تنويع وتحديث مناهجها بالشكل المطلوب.
لذا؛ نرى أنّ الخبرة المهنيّة تحوّلت إلى أحد أهمّ عناصر السيرة الذاتيّة؛ لأنّ صاحب الوظيفة يعلم أنّ الحصول على المهارات المطلوبة للوظيفة يستحيل إلّا عن طريق الخبرة التطبيقيّة، التي لا يمكن نيلها في مؤسّسة تعليميّة. وتذكَر هذه المعلومة حينما تستفسر الحكومات من الشركات عن أسباب رفضهم للمتقدّمين للوظائف، كما حدث حينما قام مجلس التعليم العالي بمملكة البحرين بمسوحات تفصيليّة حول فجوات المهارات في سوق العمل.
وتشكّل ظاهرة «أهمّيّة الخبرة» أحد أهمّ أسباب إصرار مجلس التعليم العالي ووزارة التربية والتعليم على إطلاق برنامجٍ وطنيٍّ للتدريب المهنيّ بالتعاون مع كلّ أصحاب المصلحة – الشركات، والطلبة، والجامعات، والخرّيجين، إلخ. فلا يمكن للبحرينيّ اليوم أن يعتمد على وظيفة حكوميّة كما كان في السبعينيّات والثمانينيّات؛ إذ ينبغي عليه تلبية احتياجات أصحاب الوظائف في القطاع الخاصّ وفق رؤية 2030.
الوظائف التدريبيّة تمنح فرصة ثمينة للمتقدّم للعمل لبناء القدرات والمهارات المطلوبة في سوق العمل، والتي لا تقدّمها أيّة مؤسّسة تعليميّة، لكنها تقدم تحديات جديدة أيضاً، خصوصاً في مفهوم الراتب الذي يستحقه المتدرب. فمن المتوقّع أن يكون الراتب منخفضاً أو ربّما غير متوفّر في مثل هذه الوظائف، حيث إنّ أهمّ ما يحدّد راتب الموظّف، في سوق العمل عموماً، هو إنتاجيّته. ويتّصف المتدرّب بإنتاجيّة متدنّية، وتعتبر سالبة؛ بسبب الوقت الذي يفقده الموظّفون الآخرون في عمليّة تأهيل المتدرّب. وهناك من يرفض فرص الوظائف التدريبيّة؛ بسبب تواضع أو غياب الراتب، لكن - في الحقيقة - هذا هو الخسران بعينه؛ لأنّ الوظيفة التدريبيّة تعتبَر نوعاً من الخدمة التعليميّة.
ولماذا يخسّر أصحاب الوظائف مواردَ ثمينة على تدريب غير المؤهّلين؟ لأنّ الوظائف التدريبيّة أصبحت وسيلة فعّالة واقتصادية لتقييم قدرات ومهارات المتقدّم للعمل، لا سيّما في ظلّ قوانين العمل الحديثة. ففي أيّام الثورة الصناعيّة في القرن الثامن عشر، كان يحقّ لمدير المصنع أن يوظّف شخصاً ما، وأن يفصله في أيّ وقت، دون إنذار أو عبء ماليّ، ممّا قلّل أهمّيّة الوظيفة التدريبيّة. ولكن في العصر الراهن، تتحمّل الشركات التزامات ملحوظة حينما توظّف شخصاً ما، منها عدم فصله من غير سبب أو تعويض. ولذا أصبح من مصلحة الشركات أن تقيّم العمّال المحتملين بدقّة، قبل اتخاذ قرار نهائيّ حول التوظيف. وتشكّل الوظيفة التدريبيّة وسيلةً ممتازةً لتحقيق هذا الهدف.
وبشكلٍ عام، ليست الوظائف التدريبيّة «عبوديّة» حديثة، وليس من يعمل كمتدرّبٍ مضطهدٍ، أو محرومٍ من راتب قويّ؛ بسبب مؤامرة، بل تعكس الوظائف التدريبيّة استجابةً من الشركات لظروف جديدة في سوق العمل: (1) عزّز التطوّر التكنولوجيّ أهمّيّة الخبرة التطبيقيّة التي لا يمكن الحصول عليها في الجامعة، (2) كما ارتفعت الكلفة التي تتحمّلها الشركة حينما ترتكب خطأً في التوظيف؛ بسبب الحمايات العديدة التي تفرضها وزارة العمل على أصحاب الوظائف.
ونأمل أن يستفيد كلّ الأطراف من المشروع الواعد البرنامج الوطنيّ للوظائف التدريبية، والذي يشكل جزءاً من خطّة واسعةٍ؛ لمعالجة فجوات سوق العمل.
«وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ» (البقرة: 155)

j مدير برنامج الدراسات الدوليّة والجيو- سياسيّة
مركز البحرين للدراسات الاستراتيجيّة والدوليّة والطاقة (دراسات)







aak_news