العدد : ١٣٥٧٧ - الثلاثاء ٢٦ مايو ٢٠١٥ م، الموافق ٨ شعبان ١٤٣٦ هـ

العدد : ١٣٥٧٧ - الثلاثاء ٢٦ مايو ٢٠١٥ م، الموافق ٨ شعبان ١٤٣٦ هـ

قضايا و آراء

ما هو دور مراكز الأبحاث؟

بقلم: د. عمر العبيدلي j



في عام 1831 قام دوق ويلنجتون بتأسيس المعهد الملكي للخدمات الموحّدة (Royal United Services Institute)، وأصبح المعهد أول مركز أبحاث أمني-دفاعي في تاريخ العالم. وقام الدوق – بطل معركة ووترلو– بطرح المشروع؛ وذلك بسبب تعقّد وسرعة تطوّر القضايا الأمنية، في بداية القرن التاسع عشر، حيث أصبحت الوسائل التقليدية غير الاحترافية، للتخطيط العسكري، والتعامل مع المستجدات الأمنية، سببا في تراجع النفوذ البريطاني، وأدرك الدوق أنّ هناك حاجة لإجراء تغيير نوعي في وسائل صنع القرارات العسكرية.
ووصل مفهوم مركز الأبحاث إلى أمريكا في القرن العشرين، أولاً بوقف كارنيجي للسلام الدولي (Carnegie Endowment for International Peace) في عام 1910، ولاحقاً بمعهد بروكنجز في عام 1927. وتوسّع القطاع، بشكل ملحوظ، بعد الحرب العالمية الثانية، حينما بدأت الحكومة الأمريكية تخصّص نسبة كبيرة من ميزانيتها، للمشاريع العلمية-الفكرية، كجزء من الحرب الباردة ضد الاتحاد السوفيتي، وأُنشئت مراكز كمعهد راند (RAND) بتمويل القوة الجوية الأمريكية في عام 1948. وفي العصر الراهن، تستند تقريباً كلّ حكومات العالم المتقدم على تحليلات وتوصيات مراكز أبحاث في قراراتها.
وقد يتساءل المواطن العادي: هل تؤثر مراكز الأبحاث فعلاً على صنّاع القرار؟ وقد وُجّه هذا السؤال للباحث والدبلوماسي الأمريكي المشهور، ريتشارد هاس، وقام بتوضيح كيف تكمّل مراكز الأبحاث المؤسسات القائمة، حيث إنّها تملأ الفجوة بين الحكومة والجامعات، فيقول: يتطلّب العمل الحكومي متابعة تفصيلية يومية؛ ممّا يحرم الموظفين الحكوميين من الفرصة للتركيز، ومن وراحة البال، اللذين يعتبران من أهمّ عناصر البيئة المشجّعة للبحث العلمي. وأما الجامعات فهي تعاني من المشكلة المعاكسة، حيث إن بُعْدَ عملها عن القرارات الحكومية اليومية، والحرية الفكرية شبه المطلقة، يدفعان الباحثين الأكاديميين نحو الدراسات النظرية ذات الأهمية المحدودة - بحسب منظور صنّاع القرار.
وعلى سبيل المثال، يقوم الباحث المشهور أنتوني كوردسمان بدراسات أسبوعية، وشهرية، وفصلية، وسنوية، من خلال عمله، كخبير في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (Center for Strategic and International Studies) بواشنطن، تتناول أحدث المستجدات الأمنية الأمريكية. ونتيجة لدقّة، ورصانة، وسرعة إصدار دراساته، أصبح لها أثر ملحوظ، على تفكير كبار المسؤولين العسكريين الأمريكيين. مثلاً نشر في يوم قمة كامب ديفيد (Camp David) – التي جمعت رئيس الولايات المتحدة باراك أوباما برؤساء الدول الخليجية – ورقة تحلّل ما حدث، وتقدّم توصيات لصنّاع القرار.
في المقابل لا يمكن للقادة العسكريين أنفسهم الاستناد على أعمال أساتذة الجامعة المرموقة جورجتاون (Georgetown) في قراراتهم اليومية؛ لأنّ دراسة الأستاذ الأكاديمي تستغرق عادة 3 سنوات أو أكثر، وتغطّي قضايا نظرية، وضعيفة الارتباط بالمستجدات اليومية، مثلاً: «ما هو الدور الأمريكي في الأمن الإقليمي الخليجي خلال آخر 50 سنة؟».
وإن سألت أكاديميّاً ما عن رأيه حول قمة كامب ديفيد، سيفكر في صياغة ورقة رصينة طولها 30 صفحة على الأقل، تتحدّث عن كلّ القمم السابقة، وتتطلّب أشهرًا، للإعداد، لكي يتشبّع المؤلف من خلفيّة شاملة حول الموضوع. وإن قُدمت الدراسة إلى صانع القرار بعد إصدارها، سيعتبرها متأخرة؛ لأنّ اهتمامه انتقل إلى قضايا أخرى، فضلاً عن أنّه يجدها طويلة ومملوءة بمعلومات، لا تساعده على اتخاذ القرار الأفضل، حيث إنّه يفضّل الصفحات الثلاث المكثفة الموجزة، التي أعدّها كوردسمان.
وبالإضافة إلى دورها الفكري، فتقدّم مراكز الأبحاث خدمات أخرى، خلال آخر قرنين، فأصبحت من أهمّ مصادر الكوادر، التي تعمل في الحكومة، وخصوصا ذوي الرتب المتوسّطة والمتقدّمة، (ونادراً المناصب العليا، كالوزراء)؛ وذلك لأنّ العمل البحثيّ المهنيّ يمنح الباحث خبرة، ومهاراتٍ مميّزة، ومفيدة جدّا لاتخاذ القرارات التي تخدم مصلحة الوطن. فبعد تنصيبه في 1980، قام الرئيس الأمريكي رونالد ريجان بتعيين ما يزيد عن 150 موظّفاً من مراكز أبحاث، في مناصب حكومية مهمّة، منها مؤسسة هيريتدج (Heritage Foundation)، ومعهد هوفر (Hoover Institution)، والمعهد الأمريكي للريادة (American Enterprise Institute). وساهمت تلك الكوادر في أكبر انتصار للولايات المتحدة، في الفترة ما بعد الحرب العالمية الثانية – وهو هزيمة الاتحاد السوفيتي في الحرب الباردة.
ويعتبَر تنظيم المؤتمرات والندوات من أهمّ أدوار مراكز الأبحاث؛ لأنّه يتيح الفرص لصنّاع القرار؛ لتدارس القضايا الأمنيّة مع صنّاع قرار وخبراء آخرين، في بيئة غير رسميّة، ودون محاضر وبيانات. وبالإضافة إلى ذلك، تُفتح قناة اتصال إضافيّة بين صنّاع القرار والمواطنين، ممّا يعزّز مدى التفهّم والتفاهم بين الطرفين، وهذه ميزة مهمّة في العصر الراهن، حينما يفهم الشعب تفكير صاحب القرار، ويسانده في رأيه؛ ولذا قام مركز البحرين للدراسات الاستراتيجية والدولية والطاقة «دراسات» بعقد عددٍ كبيرٍ من الفعاليات، خلال آخر أربع سنوات، وجمع خلالها لفيفاً من كبار الشخصيات البحرينيّة والخليجيّة والدوليّة؛ سعياً لمساعدتهم في اتخاذ القرارات الأنسب، بالإضافة إلى دعم مملكة البحرين في توصيل رسالتها إلى كلّ من له دور، في صنع القرار في الخارج.


j مدير برنامج الدراسات الدولية والجيو- سياسية بمركز (دراسات)






aak_news