العدد : ١٣٥٤٤ - الخميس ٢٣ أبريل ٢٠١٥ م، الموافق ٤ رجب ١٤٣٦ هـ

العدد : ١٣٥٤٤ - الخميس ٢٣ أبريل ٢٠١٥ م، الموافق ٤ رجب ١٤٣٦ هـ

قضايا و آراء

التداخل بين القضايا الأمنية والاقتصادية

بقلم: د. عمر العبيدلي *



عقدت وزارة الدفاع الروسيّة في منتصف شهر إبريل مؤتمرها السنوي «مؤتمر موسكو للأمن الدوليّ»، بمشاركة نخبةٍ من صنّاع القرار وكبار الضبّاط من مختلف أنحاء العالم، بالتركيز على حلفاء روسيا والدول المحايدة. وهدف هذا المؤتمر القيّم خلق منتدىً لمناقشة المستجدّات الأمنيّة، ولمساعدة صنّاع القرار على تنسيق سياساتهم الأمنيّة بناءً على مصالحهم المشتركة.
ووُجّهت لي دعوة للمشاركة في المؤتمر، كجزءٍ من وفدٍ بحرينيٍّ رأسه اللواء الركن خالد الفضالة رئيس مجلس أمناء مركز البحرين للدراسات الاستراتيجية والدوليّة والطاقة «دراسات». وكانت مشاركة اللواء أمراً طبيعيّاً بسبب خلفيّته العسكريّة، فشكّل العمداء والألوية الغالبيّة الساحقة من الحضور، وحتّى الباحثون غير العسكريّين المشاركون كانوا متخصّصين في الدراسات الدفاعيّة والأمنيّة.
وكنتُ ربّما الاقتصادي الوحيد وسط ممثّلي القوّات المسلّحة، ممّا منحني منظوراً مختلفاً عن المشاركين الآخرين. وخرجت من المؤتمر بقناعة أنّ تناول الجوانب الاقتصادية للقضايا الأمنيّة قد يثري الحوار، كما أنّه على الأرجح أنّ الاقتصاديّين يستفيدون في ملتقياتهم من تواجد خبراء في المجاليْن الأمنيّ والعسكريّ، فهناك اليوم تداخلٌ جذريٌّ بين هذه المجالات، وخصوصا في التحدّيات التي تواجهها دول مجلس التعاون.
وارتكز الحوار على قضيّتين أساسيّتين: أوّلاً: اقتراب القوّات المسلّحة لدى أمريكا وحلفائها من حدود روسيا، بالذات المنظومات الصاروخيّة، وطبيعة التهديدات للأمن الدوليّ النابعة من هذه الظاهرة. وتشكّل أزمة أوكرانيا أهمّ مثلٍ لتوسّع النفوذ الأمريكي غير المقبول من ناحية روسيا، حيث تحدّث كلٌّ من وزير الدفاع سرجي شويجو، ووزير الخارجية سرجي لافروف، ورئيس الأركان فاليري جيراسيموف مدة طويلة عن الموضوع، وأظهروا غضبهم حول السياسة الأمريكيّة. وما يجعل إصرار أمريكا على توسيع امتداد صواريخها - برغم احتجاجات روسيا - أمراً باعثاً على التهكّم هو أنّ أزمة كوبا – التي كانت وضعيّة معاكسة – مثّلت أقرب نقطة في تاريخ البشريّة لاندلاع حربٍ نوويّة.
ثانياً: المنظّمات الإرهابيّة – على رأسها «داعش» والقاعدة وبوكو حرام – وأفضل سبل لمواجهتها في سوريا واليمن والعراق، وبالإضافة إلى اهتمام الروس بهذا الموضوع، أعرب وزراء دفاع كلّ من باكستان والهند وإيران وغيرهم عن الحاجة الصارمة إلى تنسيق الجهود الدوليّة في مكافحة الإرهاب.
وكما لمّحتُ أعلاه، تمّ تحليل هذه الشؤون الخطيرة من الجانبين الأمنيّ والعسكريّ فقط. وبرغم اعتراف معظم المتحدّثين بدور العوامل الاقتصادية والاجتماعيّة كأسبابٍ جذريّةٍ لهاتين المشكلتين، لم تُطرح إلا حلول أمنيّة وعسكريّة! وليس هذا غريباً، فمن الأفضل أن يقصر خبير الأمن توصياته على اقتراحات أمنيّة تقع ضمن تخصّصه، كما أنّه ينبغي على الاقتصاديّين أن يتحدّثوا أساساً في مجال الاقتصاد. ولكن من الأفضل أن يفتح المنظّمون مجالاً لمشاركة اقتصاديّين وعلماء العلوم الاجتماعيّة لكي تُطرح الحلول الشاملة التي اقتنع الجميع بأهمّيّتها.
وعلى سبيل المثال، تعود قدرة أمريكا على توسيع منظوماتها الصاروخيّة إلى قوّتها الاقتصاديّة، فتغري أمريكا الدول المجاورة لروسيا بمساعدات وتسهيلات اقتصاديّة. فشكّل رفض الرئيس الأوكرانيّ فيكتور يانوكوفيتش للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي خطوة محوريّة في اندلاع الحرب الأهليّة؛ لأنّ عديداً من الأوكرانيّين يعتبرون أنّ التقارب من دول أوروبا الغربيّة من مصلحتهم الاقتصاديّة. ويستحيل إقناع المواطن الأوكرانيّ بالابتعاد عن روسيا ثقافيّاً وحضاريّاً إلا بحافزٍ اقتصادي قويٍّ، وبالتالي قد يكون هناك دورٌ مهمٌّ لسياسةٍ اقتصادية روسيّةٍ جديدة لمعالجة الأزمة الأوكرانيّة لصالحها، ولتفادي انتشار المشكلة إلى دول أوروبا الشرقيّة الأخرى.
وما يؤكّد هذا الرأي هو الخطّة الاستراتيجية الصينيّة خلال آخر 30 سنة بعدما اتّضح أنّ أمريكا ستنتصر على روسيا في الحرب الباردة - وأدّت تلك الهزيمة إلى انهيار وتفكيك الاتحاد السوفيتيّ - درست الحكومة الصينيّة ما حدث بشكلٍ تفصيليٍّ؛ خوفاً من هزيمةٍ مستقبليّةٍ مماثلةٍ لنظامها الشيوعيّ. واستنتج كبار الباحثين أنّ سبب انتصار أمريكا كان قوّتها الاقتصاديّة، وأنّ تركيز الاتحاد السوفيتيّ على الجانب العسكريّ - على حساب التنمية الاقتصادية - كان خطأً كبيراً، ولذا نرى أنّ الصين تحافظ على موقفٍ دفاعيٍّ مطلق لقوّاتها المسلّحة؛ حيث إنّها لا تتدخّل عسكريّاً في أيّ صراعٍ خارج حدودها (إلا في حالاتٍ استثنائيّة كمكافحة القرصنة، وهذه مشكلة لها انعكاسات اقتصادية بالأساس)، وتقوم استراتيجيّتها الوطنيّة أساساً على التنمية الاقتصادية واختراق الدول الأخرى عبر سيطرة تجاريّة.
ويمكن تطبيق نفس المبدأ في مجال الإرهاب: أكد مستشار الأمن القوميّ لرئيس أفغانستان محمد أطمار أنّ أحد أسباب قدرة الجماعات المتطرّفة على استقطاب جنود جيش النظام ومقاتلي الجماعات غير المتطرفة هو قدراتها المالية التي تسمح لها بدفع رواتب أعلى وشراء أسلحة أكثر تقدّماً. ومن الجانب الآخر، يدفع شحّ الفرص الاقتصادية الشباب إلى الانضمام إلى الجماعات المتطرفة بسبب شعورهم بالقهر والإحباط.
لذا؛ وجهتُ السؤال التالي إلى المتحدّثين خلال إحدى الجلسات: أسفرت الأزمة الماليّة في 1929 عن خلق توجّهات زينوفوبيّة (كراهية الأجانب) في كلّ أنحاء العالم ممّا أدّى إلى تبنّي سياسات اقتصادية مضرّة، كفرض الضرائب الجمركيّة والابتعاد عن التعاون الاقتصاديّ. وكان هناك دور لهذه العوامل في تشجيع التطرّف الذي انتهى بالحرب العالميّة الثانية، وخسائر بشريّة غير مسبوقة. وبعد الأزمة الماليّة في عام 2008، بدأت الشعوب تكرّر نفس الخطأ، فازدادت شعبيّة الأحزاب القوميّة التي تهدف إلى ترحيل العمالة الوافدة، وتقف ضدّ التجارة الحرّة، على الرغم من الفوائد الكبيرة المتعلّقة بالتكامل الاقتصاديّ. هل أصحاب القرار في القوى الكبرى واعون لهذا التوجّه الخطير الذي بدأ يسبّب نفس الضغوطات التي ظهرت قبل الحرب العالميّة الثانية؟
ولم يجاوب المتحدّثون عن سؤالي؛ ربّما لأنّه لم يُثِرْ اهتمامهم، وربّما لأنّه خارج مجال تخصّصهم. ولكن لا بدّ أنّ مَن يبحث عن حلولٍ للتحدّيات الأمنيّة يستفيد - بالضرورة - من نظرة اقتصاديّة. وطبعاً يستفيد الاقتصاديّون في كثيرٍ من تحليلاتهم من رأي خبيرٍ أمنيّ وعسكريّ، على سبيل المثال لا يمكن مناقشة قضايا الطاقة في دول مجلس التعاون – وهي قضايا اقتصادية بالأساس - بشكلٍ كاملٍ دون الاعتبارات الأمنيّة. واشتكت وزيرة دفاع جنوب إفريقيا نوسيفيوي مابسيا-نكاكولا من الأضرار الاقتصادية التي سبّبتها القرصنة؛ لأنّ تكاليف نقل البضائع الأساسيّة إلى القارة ارتفعت، ولكن لم يتمكّن الجمهور من تناول هذا الموضوع الاقتصادي إلا من منظورٍ أمنيّ.
ختاماً، أشكر وزارة الدفاع الروسيّة على تنظيم هذا المؤتمر الممتاز فعلاً، وعلى ضيافتها الكريمة، وأوصيها بتوجيه دعوةٍ إلى مجموعةٍ صغيرةٍ من الاقتصاديّين، وعلماء العلوم الاجتماعية؛ للمشاركة كمتحدّثين؛ لتنويع الحلول التي تناقَش في الجلسات. فربّما نرى في الجلسة الافتتاحيّة في 2016 وزير التنمية الاقتصادي الروسيّ أليكسي أولوكايف في المقعد الأمامي بين زميليْه لافروف وشويجو.
* مدير برنامج الدراسات الدولية والجيو-سياسية بمركز (دراسات)






aak_news